أيوب بن جانى
30-11-2009, 11:23 PM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين بسم الله الرحمن الرحيم وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
كان بناء مسجد الحسن الثاني الذي أصبح معلما إسلاميا وسياحيا مهما تشتهر به مدينة الدار البيضاء المغربية، فكرة الملك الراحل الحسن الثاني، المغفور له بإذن الله، وكانت رغبته في بناء ثاني أكبر مسجد في العالم بعد الحرمين أكبر من مجرد فكرة، فقد أراد منح الفرصة لكل فرد من أفراد المملكة المغربية ليكون له نصيب في صدقة جارية في حياته وبعد مماته، حتى أعوز الناس ممن لا يمكن أن يدور بخلدهم أن يكونوا أصحاب صدقة جارية يوما ما .. كيف ذلك؟
لقد ألقى الملك، رحمه الله، خطابا يدعو فيه كل المغاربة إلى أن يشاركوا في بناء هذا المسجد، وأن يتركوا ولو لبنة فيه تشهد لهم على صدقة جارية، وكان كل من دفع درهما واحدا يحصل على شهادة تذكارية عليها صورة المسجد، وذلك تذكيرا بوجوب حسن العمل، فأي عمل أفضل من صدقة جارية لا ينقطع معها عمل ابن آدم حتى بعد وفاته؟ وقد كانت كلماته الحكيمة «أريد أن يشيد على حافة البحر صرح عظيم لعبادة الله، مسجد تهدي مئذنته جميع السفن القادمة إلى الغرب إلى طريق الخلاص، الذي هو طريق الله.. أريد أن أبني المسجد على الماء، كما أردت أن يكون المصلي فيه، والداعي والذاكر والشاكر والراكع والساجد، محمولا على الأرض، ولكنه أينما نظر يجد سماء ربه وبحر ربه...».
وهكذا بدأ بناء مسجد الحسن الثاني سنة 1986م، ولم ينته بناؤه إلا ليلة الميلاد النبوي الشريف من سنة 1414هـ، التي توافق 1993م، وأصبح معلما دينيا معماريا يبهر الزوار والوافدين، المسلمين وغير المسلمين، ممن يأتون لمشاهدة براعة الهندسة وحرفية الصناعة المغربية المنفردة (من زليج وتدلكات ورخام وجبس وغيرها) وكذلك سعة مساحة المسجد والبناء الشاهق الذي يبهر من ينظر إليه.
وشُيد أكثر من نصف هذا المعلم فوق مياه البحر- المحيط الأطلسي- والمسجد موجود بمنطقة «العنق» بالدار البيضاء، ويعد أكبر مسجد في العالم بعد الحرمين، وبه أطول صومعة في العالم، إذ يبلغ ارتفاعها210 أمتار، وشيدت على غرار الهندسة العربية الأندلسية التي تستقي منها بيوت مغربية كثيرة أشكالا زخرفية لجدرانها، وتمتاز بكثرة الأقواس، كما أنها تمتاز بالرخام الذي يكسوها، وبه أيضا «جامور» ومنارة (والجامور مصطلح معماري مغربي، وجاء ذكره في كتب رحلات ابن بطوطة، وهو مجموعة زخرفيه تتكون من عمود تنتظم فيه ثلاث كرات، تكون في الأغلب من الذهب الخالص، أو من معدن مموه بالذهب، أو من فضة).
وتحوي القبة التي تعلو الصومعة، للفت انتباه الزائر ليلا، شعاع ليزر موجَها نحو الكعبة الشريفة لإظهار اتجاه القبلة، ويصل محيطه إلى 30 كلم.
وفي مسجد الحسن الثاني خزانة، وهذا يجعل المسجد يجمع بين أصالة جامع القرويين، الذي يبلغ من العمر قرابة ألف سنة، ويعد من أولى الجامعات العلمية والدينية في العالم، وجمالية المساجد التي شيدت على يد يعقوب المنصور الموحدي ورونقها، مثل صومعة حسان بالرباط والكتبية بمراكش والخيرالدا بإشبيلية بالأندلس.
وكذلك تسترعي الانتباه ألواح الزليج التي تزين جهة الصومعة، فقد اتخذ لها مزيج بين اللونين الأبيض والأخضر، وهما اللونان المعروفان في كل المساجد المغربية، وهما لونان يجعلانك تحس بسِلْم داخلي وسكينة وراحة.
وكما هو معروف في معظم المساجد المغربية، فإن المسجد، أو الجامع كما يسميه المغاربة، له دور كبير في الدراسة الدينية، إذ إن المسجد ليس للصلاة فقط، وإنما يتجاوز ذلك لتأدية دوره العلمي، إذ يحتوي على مدرسة دينية قرآنية تأخذ شكل نصف دائرة، أنشئت باتجاه القبلة وتمتد على مساحة 4840 مترا مربعا، وقد وضعت رهن إشارة طلبة العلم الديني وسائل تربوية معاصرة.
والجزء الذي يعد أكثر إثارة للزائر هو قاعة الصلاة التي تتسع لأكثر من 25000 مصل، إذ إن مساحتها تبلغ 20000 متر مربع، ويمكن أيضا لأكثر من 80000 شخص الصلاة في باحة المسجد الذي يغطيه سقف يتحرك آليا، وفي غير أوقات الصلاة هناك ساعات مخصصة لزيارة المعلم برفقة دليل للتمكن من الاستمتاع بجمالية قاعات الصلاة وسحرها، وكذلك قاعات الوضوء.
والذي يزيد من توافد المصلين على هذا المسجد العظيم هو كون الشيخ عمر القزابري، الذي يعد أحد مزامير التلاوة وأحد شباب المغرب الصالحين، إماما له، فالزائر لهذا الجامع أيام رمضان لأداء التراويح يذهل أمام الكم الهائل من المصلين الذين يبحثون عن مكان للاستماع إلى هذا الشاب الجليل.
إمام المسجد في سطور
هو عمر القزابري، من مواليد مراكش سنة 1974م، حفظ القرآن وختمه قبل سن الحادية عشرة، وهو ما يسمى بالعامية المغربية إخراج السلكة، على يد أبيه أحمد القزابري الذي كان من العلماء المشاهير بمراكش، وبعد حصوله على البكالوريا (الثانوية العامة) من ثانوية ابن يوسف للتعليم الأصيل اختار أن يرحل إلى السعودية، طلبا للعلم، حيث درس بالمعهد الإسلامي بمكة ليصير فيما بعد إماما لمسجد الجامعة بجدة، حيث اشتهر بحلاوة تلاوته وبإخلاصه لدينه، فلقب بـ«إمام جدة» ولم يتوقف عن طلب العلم لحظة، وإنما كان يتلقى القرآن على يد كبار المشايخ كالشيخ إسماعيل محمود، وعاد بعد ذلك إلى المغرب وأصبح خطيبا لمسجد الريان بحي الألفة بمدينة الدار البيضاء، فكان يستقطب بأسلوبه آلاف المصلين، ولكنه كان يحس دائما بالحاجة للعلم، فانتقل إلى القاهرة وعمق دراسته القرآنية والإسلامية، وختم القراءات العشر على يد الشيخ أحمد عيسى، وعاد من جديد إلى المملكة المغربية وأصبح إمام مسجد الحسن الثاني، واشتهر أكثر بأدائه الرائع في تراويح رمضان، ولما سئل من قبل قنوات تلفزيونية وجرائد عن وصيته لشباب الأمة، أجاب بأنه يدعوهم إلى الحفاظ على كتاب الله، والعكوف عليه تلاوة وفهما وتدبرا، وإلى أن يعكفوا كذلك على سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تعلما وتأسيا، وأن ينبذوا الخلاف والفرقة، وأن يتجنبوا الحكم على المقاصد والنيات، ويتجنبوا التجرؤ على الفتوى، لأن هذا من شأنه نشر الفوضى والتشويش.
مجلة الوعي الاسلامي
كان بناء مسجد الحسن الثاني الذي أصبح معلما إسلاميا وسياحيا مهما تشتهر به مدينة الدار البيضاء المغربية، فكرة الملك الراحل الحسن الثاني، المغفور له بإذن الله، وكانت رغبته في بناء ثاني أكبر مسجد في العالم بعد الحرمين أكبر من مجرد فكرة، فقد أراد منح الفرصة لكل فرد من أفراد المملكة المغربية ليكون له نصيب في صدقة جارية في حياته وبعد مماته، حتى أعوز الناس ممن لا يمكن أن يدور بخلدهم أن يكونوا أصحاب صدقة جارية يوما ما .. كيف ذلك؟
لقد ألقى الملك، رحمه الله، خطابا يدعو فيه كل المغاربة إلى أن يشاركوا في بناء هذا المسجد، وأن يتركوا ولو لبنة فيه تشهد لهم على صدقة جارية، وكان كل من دفع درهما واحدا يحصل على شهادة تذكارية عليها صورة المسجد، وذلك تذكيرا بوجوب حسن العمل، فأي عمل أفضل من صدقة جارية لا ينقطع معها عمل ابن آدم حتى بعد وفاته؟ وقد كانت كلماته الحكيمة «أريد أن يشيد على حافة البحر صرح عظيم لعبادة الله، مسجد تهدي مئذنته جميع السفن القادمة إلى الغرب إلى طريق الخلاص، الذي هو طريق الله.. أريد أن أبني المسجد على الماء، كما أردت أن يكون المصلي فيه، والداعي والذاكر والشاكر والراكع والساجد، محمولا على الأرض، ولكنه أينما نظر يجد سماء ربه وبحر ربه...».
وهكذا بدأ بناء مسجد الحسن الثاني سنة 1986م، ولم ينته بناؤه إلا ليلة الميلاد النبوي الشريف من سنة 1414هـ، التي توافق 1993م، وأصبح معلما دينيا معماريا يبهر الزوار والوافدين، المسلمين وغير المسلمين، ممن يأتون لمشاهدة براعة الهندسة وحرفية الصناعة المغربية المنفردة (من زليج وتدلكات ورخام وجبس وغيرها) وكذلك سعة مساحة المسجد والبناء الشاهق الذي يبهر من ينظر إليه.
وشُيد أكثر من نصف هذا المعلم فوق مياه البحر- المحيط الأطلسي- والمسجد موجود بمنطقة «العنق» بالدار البيضاء، ويعد أكبر مسجد في العالم بعد الحرمين، وبه أطول صومعة في العالم، إذ يبلغ ارتفاعها210 أمتار، وشيدت على غرار الهندسة العربية الأندلسية التي تستقي منها بيوت مغربية كثيرة أشكالا زخرفية لجدرانها، وتمتاز بكثرة الأقواس، كما أنها تمتاز بالرخام الذي يكسوها، وبه أيضا «جامور» ومنارة (والجامور مصطلح معماري مغربي، وجاء ذكره في كتب رحلات ابن بطوطة، وهو مجموعة زخرفيه تتكون من عمود تنتظم فيه ثلاث كرات، تكون في الأغلب من الذهب الخالص، أو من معدن مموه بالذهب، أو من فضة).
وتحوي القبة التي تعلو الصومعة، للفت انتباه الزائر ليلا، شعاع ليزر موجَها نحو الكعبة الشريفة لإظهار اتجاه القبلة، ويصل محيطه إلى 30 كلم.
وفي مسجد الحسن الثاني خزانة، وهذا يجعل المسجد يجمع بين أصالة جامع القرويين، الذي يبلغ من العمر قرابة ألف سنة، ويعد من أولى الجامعات العلمية والدينية في العالم، وجمالية المساجد التي شيدت على يد يعقوب المنصور الموحدي ورونقها، مثل صومعة حسان بالرباط والكتبية بمراكش والخيرالدا بإشبيلية بالأندلس.
وكذلك تسترعي الانتباه ألواح الزليج التي تزين جهة الصومعة، فقد اتخذ لها مزيج بين اللونين الأبيض والأخضر، وهما اللونان المعروفان في كل المساجد المغربية، وهما لونان يجعلانك تحس بسِلْم داخلي وسكينة وراحة.
وكما هو معروف في معظم المساجد المغربية، فإن المسجد، أو الجامع كما يسميه المغاربة، له دور كبير في الدراسة الدينية، إذ إن المسجد ليس للصلاة فقط، وإنما يتجاوز ذلك لتأدية دوره العلمي، إذ يحتوي على مدرسة دينية قرآنية تأخذ شكل نصف دائرة، أنشئت باتجاه القبلة وتمتد على مساحة 4840 مترا مربعا، وقد وضعت رهن إشارة طلبة العلم الديني وسائل تربوية معاصرة.
والجزء الذي يعد أكثر إثارة للزائر هو قاعة الصلاة التي تتسع لأكثر من 25000 مصل، إذ إن مساحتها تبلغ 20000 متر مربع، ويمكن أيضا لأكثر من 80000 شخص الصلاة في باحة المسجد الذي يغطيه سقف يتحرك آليا، وفي غير أوقات الصلاة هناك ساعات مخصصة لزيارة المعلم برفقة دليل للتمكن من الاستمتاع بجمالية قاعات الصلاة وسحرها، وكذلك قاعات الوضوء.
والذي يزيد من توافد المصلين على هذا المسجد العظيم هو كون الشيخ عمر القزابري، الذي يعد أحد مزامير التلاوة وأحد شباب المغرب الصالحين، إماما له، فالزائر لهذا الجامع أيام رمضان لأداء التراويح يذهل أمام الكم الهائل من المصلين الذين يبحثون عن مكان للاستماع إلى هذا الشاب الجليل.
إمام المسجد في سطور
هو عمر القزابري، من مواليد مراكش سنة 1974م، حفظ القرآن وختمه قبل سن الحادية عشرة، وهو ما يسمى بالعامية المغربية إخراج السلكة، على يد أبيه أحمد القزابري الذي كان من العلماء المشاهير بمراكش، وبعد حصوله على البكالوريا (الثانوية العامة) من ثانوية ابن يوسف للتعليم الأصيل اختار أن يرحل إلى السعودية، طلبا للعلم، حيث درس بالمعهد الإسلامي بمكة ليصير فيما بعد إماما لمسجد الجامعة بجدة، حيث اشتهر بحلاوة تلاوته وبإخلاصه لدينه، فلقب بـ«إمام جدة» ولم يتوقف عن طلب العلم لحظة، وإنما كان يتلقى القرآن على يد كبار المشايخ كالشيخ إسماعيل محمود، وعاد بعد ذلك إلى المغرب وأصبح خطيبا لمسجد الريان بحي الألفة بمدينة الدار البيضاء، فكان يستقطب بأسلوبه آلاف المصلين، ولكنه كان يحس دائما بالحاجة للعلم، فانتقل إلى القاهرة وعمق دراسته القرآنية والإسلامية، وختم القراءات العشر على يد الشيخ أحمد عيسى، وعاد من جديد إلى المملكة المغربية وأصبح إمام مسجد الحسن الثاني، واشتهر أكثر بأدائه الرائع في تراويح رمضان، ولما سئل من قبل قنوات تلفزيونية وجرائد عن وصيته لشباب الأمة، أجاب بأنه يدعوهم إلى الحفاظ على كتاب الله، والعكوف عليه تلاوة وفهما وتدبرا، وإلى أن يعكفوا كذلك على سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تعلما وتأسيا، وأن ينبذوا الخلاف والفرقة، وأن يتجنبوا الحكم على المقاصد والنيات، ويتجنبوا التجرؤ على الفتوى، لأن هذا من شأنه نشر الفوضى والتشويش.
مجلة الوعي الاسلامي