احمد الرحاوي
02-04-2010, 02:44 PM
الشرفاء العلميون مراعاة ملوكية :
إن نفوذ اسم مولاي عبد السلام ما فتئ يزداد منذ إعادة اكتشافه ، وكان هذا النفوذ لدى مختلف الفئات الاجتماعية يتمثل في سلطة رمزية حقيقة . وما كان للسلطات العمومية أن تتجاهل هذا الواقع ، وما كان لها ألا تظل غير مستفيدة منه .
فقد أعطى السعديون دليلا على ذلك ، إذ منذ صعود نجم هذه الدولة إلى الحكم وأمراؤها يبذلون كل أنواع المراعاة لشرفاء لعلام، وكانت ذروة اعترافهم بالدور الذي لعبه العلميون والريسونيون منهم خاصة في المعركة الحاسمة معركة وادي المخازن ضد البرتغاليين ، فقد أقدم احمد المنصور على التنازل لقبائل تلك الجبال عن معظم غنيمة تلك المعركة ، وقام زيادة على ذلك بمنح أحفاد ابن مشيش إعفاءات جبائية وحق إقامة حرم ، أي تحديد أرض لجوء لا تنتهك حول مدفن سيدي مزوار ومولاي عبد السلام بن مشيش ويمتد فضاء هذا الحرم على جميع أرض قبيلة بني عروس وقبيلة سماتة وجزء من قبائل كرفط وبني يسف وسريف وأخيرا أعطي لأحفاد ابن مشيش حق القدوم إلى فاس كل عام لتحصيل مدخول شهر كامل من الهبات التي يدعها زوار ضريح مولاي إدريس .
وهكذا كان اعتراف الملوك رسميا بهذا الولي وبمقامه وبمكانة حفدته ، وكل أنواع المراعاة التي خصصت لهم في ما بعد لها أصل في هذه التكريسات المؤسسة .
أما أول شاهد معروف على المراعاة الملوكية في عهد العلويين فقد نص عليها ظهير صدر عن المولى إسماعيل بمناسبة نزاع وقع بين شرفاء لعلام والقائد الزيراري الذي جاء ينفذ أوامر عليليش {وهو العامل في عهد المولى إسماعيل الذي كان في مهمة جمع السود في مجموع المغرب على أساس أنهم عبيد وقد غالى في مهمته حتى انه كان يجمع المختلطين }أثناء إقامته في تطوان ، حيث تجرأ جند هذا الأخير على انتهاك حرم ابن مشيش وهو يطارد جماعة من الأشخاص السود المطلوبين للاسترقاق ، كانوا لجأوا إلى الضريح المذكور، وعلى إثر هذا الخرق تظلم الشرفاء لدى السلطان فقام بإصدار منشور يحذر فيه عماله بهذا الخصوص وأصدر ظهير حماية لشرفاء لعلام هذا نصه:
( الحمد لله وحده ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ، يستقر هذا الظهير الكريم والأمر المحتم الصميم ، بيد حملته شرفاء العلم أولاد مولاي عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه وغيرهم من إخوانهم وأبناء عمهم ، يتعرف منه وصيفنا سعيد الزيراري وغيره من قوادنا وولاة أمرنا المطاع بالله ، أنهم لما وردوا على مقامنا سامحناهم ورددنا عليهم ما لهم وأقررناهم على حرمهم المعهود ، وأجريناهم على المألوف من عوائدهم توقيرا واحتراما بحيث لا تقرب لهم ساحة ولا يطوف أحد حولهم أو بجانبهم بمكروه ، وليس لأحد يد عليهم كائنا من كان ، فمنهم إلينا ومنا إليهم في كل شيء ، وكذلك في من انحاش إلى حرم جدهم المذكور من الحراطين وغيرهم ، ونأمر وصيفنا سعيد الزيراري المذكور أن ينتقل عن عزائبهم ويتجافى عنها بعد رده لهم مالهم عن آخره ، وعلي المشي إلى مكة حافيا راجلا إن ضيعت لهم قلامة ظفر حتى نحسك رقبتك ، وأنت أخبر ، والسلام ، وفي السادس والعشرين من جمادى الثانية عام واحد وعشرين ومائة وألف.)
وفي عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله استمر هذا التقليد ومراعاة الملوك لابن مشيش وأحفاده ، ويستشف ذلك مما أتى به سليمان الحوات وهو يتحدث عن مهمة أمره السلطان بتنفيذها في ضريح ابن مشيش ، حيث يسرد في هذا السياق مروره بتازروت وعن تشيع السلطان لسادة هذا المكان وما أمر به من بناء للقنوات التي تجلب الماء للجامع الكبير هناك وعن مكان للوضوء ومأوى للطلبة ، بالإضافة إلى أنه أوقف على هذا المسجد مجموعة من الكتب المهمة وأمر بريع للقائم بالتعليم فيه.
وقبل اعتلاء المولى يزيد العرش ، أقام بالضريح المشيشي ، ولم تمنعه حالته كأمير لاجئ ثائر على أبيه عام 1204 من أن يتصرف على غرار الملوك بإعطائه ظهائر للشرفاء العلميين .
واستمر هذا التقليد مع ساداتنا ملوك الدولة العلوية المتعاقبين على الحكم إلى يومنا هذا .
وظلت زيارة المولى الحسن الأول إلى المقام المشيشي منقوشة في ذاكرة الشرفاء وقد تحدث عنها ووصفها وصفا دقيقا المشرفي في مؤلفه الحلل البهية في ملوك الدولة العلوية ، ووقف على الخصوص عند زيارة السلطان لمقام ابن مشيش :
( وعيد السلطان بتلك الدار عيد الأضحى ثم انتقل قاصدا ضريح ذي المواهب الربانية قطب المغارب وشيخ الطائفة الشاذلية مولانا عبد السلام بن مشيش فنهض من الدار المواجهة لمدينة الشاون بعد زيارته لصلحائها وحل بدار مسماتة لجبل لعلام فركب منها في كتائبه المنصورة بالله وانتقلت محلته إلى مكان منها معلوم لنزول الملوك فيه مسامت لآخر جبل العلام وظن القوم أنه يزور الضريح ويرجع لمحلته فإذا به لما وصل الجبل ورقي لقنته ألفاه مملوءا بالأشراف من أولاد السيد وبالأطراف حلفاؤهم وأهل عشرتهم نساء ورجالا وصبيانا ، ينتظرون وفوده للزيارة فدار ذلك السواد الأعظم جميعه بالسلطان دوران الخاتم بالأصبع ، فحينئذ أمر بتفريق الصدقات ورفعت إليه الكفوف ففرق عليها الألوف ، ولا شك أن الله قبل دعاء ذلك الجم الغفير.)
إن هذه الالتفاتات والاعتبار والحماية والإهداء الصادرة من السلاطين ، هي دلائل ملموسة على الروابط العميقة التي نسجت على امتداد القرون ، ويذكر سالمون أن هذه التشريفات تشهد بنفوذ العلميين : ( لقد كان السلطان يظهر وعلى يمينه وزاني وعلى شماله ريسوني.)
نقلا وبتصرف عن كتاب ابن مشيش شيخ الشاذلي لصحبته زكية زوانات.
إن نفوذ اسم مولاي عبد السلام ما فتئ يزداد منذ إعادة اكتشافه ، وكان هذا النفوذ لدى مختلف الفئات الاجتماعية يتمثل في سلطة رمزية حقيقة . وما كان للسلطات العمومية أن تتجاهل هذا الواقع ، وما كان لها ألا تظل غير مستفيدة منه .
فقد أعطى السعديون دليلا على ذلك ، إذ منذ صعود نجم هذه الدولة إلى الحكم وأمراؤها يبذلون كل أنواع المراعاة لشرفاء لعلام، وكانت ذروة اعترافهم بالدور الذي لعبه العلميون والريسونيون منهم خاصة في المعركة الحاسمة معركة وادي المخازن ضد البرتغاليين ، فقد أقدم احمد المنصور على التنازل لقبائل تلك الجبال عن معظم غنيمة تلك المعركة ، وقام زيادة على ذلك بمنح أحفاد ابن مشيش إعفاءات جبائية وحق إقامة حرم ، أي تحديد أرض لجوء لا تنتهك حول مدفن سيدي مزوار ومولاي عبد السلام بن مشيش ويمتد فضاء هذا الحرم على جميع أرض قبيلة بني عروس وقبيلة سماتة وجزء من قبائل كرفط وبني يسف وسريف وأخيرا أعطي لأحفاد ابن مشيش حق القدوم إلى فاس كل عام لتحصيل مدخول شهر كامل من الهبات التي يدعها زوار ضريح مولاي إدريس .
وهكذا كان اعتراف الملوك رسميا بهذا الولي وبمقامه وبمكانة حفدته ، وكل أنواع المراعاة التي خصصت لهم في ما بعد لها أصل في هذه التكريسات المؤسسة .
أما أول شاهد معروف على المراعاة الملوكية في عهد العلويين فقد نص عليها ظهير صدر عن المولى إسماعيل بمناسبة نزاع وقع بين شرفاء لعلام والقائد الزيراري الذي جاء ينفذ أوامر عليليش {وهو العامل في عهد المولى إسماعيل الذي كان في مهمة جمع السود في مجموع المغرب على أساس أنهم عبيد وقد غالى في مهمته حتى انه كان يجمع المختلطين }أثناء إقامته في تطوان ، حيث تجرأ جند هذا الأخير على انتهاك حرم ابن مشيش وهو يطارد جماعة من الأشخاص السود المطلوبين للاسترقاق ، كانوا لجأوا إلى الضريح المذكور، وعلى إثر هذا الخرق تظلم الشرفاء لدى السلطان فقام بإصدار منشور يحذر فيه عماله بهذا الخصوص وأصدر ظهير حماية لشرفاء لعلام هذا نصه:
( الحمد لله وحده ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ، يستقر هذا الظهير الكريم والأمر المحتم الصميم ، بيد حملته شرفاء العلم أولاد مولاي عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه وغيرهم من إخوانهم وأبناء عمهم ، يتعرف منه وصيفنا سعيد الزيراري وغيره من قوادنا وولاة أمرنا المطاع بالله ، أنهم لما وردوا على مقامنا سامحناهم ورددنا عليهم ما لهم وأقررناهم على حرمهم المعهود ، وأجريناهم على المألوف من عوائدهم توقيرا واحتراما بحيث لا تقرب لهم ساحة ولا يطوف أحد حولهم أو بجانبهم بمكروه ، وليس لأحد يد عليهم كائنا من كان ، فمنهم إلينا ومنا إليهم في كل شيء ، وكذلك في من انحاش إلى حرم جدهم المذكور من الحراطين وغيرهم ، ونأمر وصيفنا سعيد الزيراري المذكور أن ينتقل عن عزائبهم ويتجافى عنها بعد رده لهم مالهم عن آخره ، وعلي المشي إلى مكة حافيا راجلا إن ضيعت لهم قلامة ظفر حتى نحسك رقبتك ، وأنت أخبر ، والسلام ، وفي السادس والعشرين من جمادى الثانية عام واحد وعشرين ومائة وألف.)
وفي عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله استمر هذا التقليد ومراعاة الملوك لابن مشيش وأحفاده ، ويستشف ذلك مما أتى به سليمان الحوات وهو يتحدث عن مهمة أمره السلطان بتنفيذها في ضريح ابن مشيش ، حيث يسرد في هذا السياق مروره بتازروت وعن تشيع السلطان لسادة هذا المكان وما أمر به من بناء للقنوات التي تجلب الماء للجامع الكبير هناك وعن مكان للوضوء ومأوى للطلبة ، بالإضافة إلى أنه أوقف على هذا المسجد مجموعة من الكتب المهمة وأمر بريع للقائم بالتعليم فيه.
وقبل اعتلاء المولى يزيد العرش ، أقام بالضريح المشيشي ، ولم تمنعه حالته كأمير لاجئ ثائر على أبيه عام 1204 من أن يتصرف على غرار الملوك بإعطائه ظهائر للشرفاء العلميين .
واستمر هذا التقليد مع ساداتنا ملوك الدولة العلوية المتعاقبين على الحكم إلى يومنا هذا .
وظلت زيارة المولى الحسن الأول إلى المقام المشيشي منقوشة في ذاكرة الشرفاء وقد تحدث عنها ووصفها وصفا دقيقا المشرفي في مؤلفه الحلل البهية في ملوك الدولة العلوية ، ووقف على الخصوص عند زيارة السلطان لمقام ابن مشيش :
( وعيد السلطان بتلك الدار عيد الأضحى ثم انتقل قاصدا ضريح ذي المواهب الربانية قطب المغارب وشيخ الطائفة الشاذلية مولانا عبد السلام بن مشيش فنهض من الدار المواجهة لمدينة الشاون بعد زيارته لصلحائها وحل بدار مسماتة لجبل لعلام فركب منها في كتائبه المنصورة بالله وانتقلت محلته إلى مكان منها معلوم لنزول الملوك فيه مسامت لآخر جبل العلام وظن القوم أنه يزور الضريح ويرجع لمحلته فإذا به لما وصل الجبل ورقي لقنته ألفاه مملوءا بالأشراف من أولاد السيد وبالأطراف حلفاؤهم وأهل عشرتهم نساء ورجالا وصبيانا ، ينتظرون وفوده للزيارة فدار ذلك السواد الأعظم جميعه بالسلطان دوران الخاتم بالأصبع ، فحينئذ أمر بتفريق الصدقات ورفعت إليه الكفوف ففرق عليها الألوف ، ولا شك أن الله قبل دعاء ذلك الجم الغفير.)
إن هذه الالتفاتات والاعتبار والحماية والإهداء الصادرة من السلاطين ، هي دلائل ملموسة على الروابط العميقة التي نسجت على امتداد القرون ، ويذكر سالمون أن هذه التشريفات تشهد بنفوذ العلميين : ( لقد كان السلطان يظهر وعلى يمينه وزاني وعلى شماله ريسوني.)
نقلا وبتصرف عن كتاب ابن مشيش شيخ الشاذلي لصحبته زكية زوانات.