وائل محمد
18-08-2010, 12:29 PM
القبائل والعشائر الفلسطينية
وتأثيرها على السياسة العامة يتميز المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة بثلاثة أنواع من الهياكل العائلية ذات الطابع، وهي: القبائل، والعشائر، والعائلات المرموقة. وفي حين تتقاسم هذه الأنواع الثلاثة كلها سمات عائلية متشابهة وموسعة، وواجبات سلوكية محددة (خاصة تلك الملقاة على الذكور)، وشبكاتٍ غير رسمية، ونظمَ ثقافةٍ قائمة على الدفاع عن الشرف ودفع العار، فهي متمايزة جدًا في أصولها وفي بقاء أهميتها.
القبائل
تحتل القبائل الحقيقية المرتبة الأدنى أهمية على الصعيدين السياسي والاجتماعي من بين الهياكل الثلاثة ذات الطابع العشائري، ولا يوجد سوى عدد ضئيل من القبائل الفلسطينية، التي ما تزال تعيش حتى اليوم حياة شبه بدوية. ويُقدّر السكان الفلسطينيون المنحدرون من أصول قبلية بنحو15%، يوجد منهم حوالي 25% في قطاع غزة، ونسبة أدنى من ذلك بكثير في الضفة الغربية، ويرجع انحسار القبلية بين الفلسطينيين - بدرجة كبيرة - إلى التخلي عن نمط الحياة البدوية، ويُعد هذا في حد ذاته نتاجًا طبيعيًا للحداثة، وإلى القلق الفائق على الأملاك، وعلى حقوق الملكية، وعلى حدود الملكيات، وهي السمات التي ميزت الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. كما أن القبائل البدوية - من ناحية أخرى - لم تعد تتمتع بالقدرة الفعلية والقانونية على التنقل بحرية داخل فلسطين من الناحية العملية، كما هو حال قدرتها على رعي مواشيها بحرية؛ فالجنوح إلى الاستقرار وحدوث تغيرات في التعريف التقليدي للعمل جعل القرابة القبلية أقل أهمية. وبالإضافة إلى ذلك، يعتبر البدو الفلسطينيون من بين أكثر الجماعات حرمانًا من الناحية الاقتصادية بالمنطقة،و هو ما يزيد من انحسار نفوذهم السياسي.
رغم أن أهمية القبائل على الصعيدين السياسي والاقتصادي في فلسطين أقل من نظيرتها في مختلف أرجاء شبه الجزيرة العربية، والعراق، والأردن، وسورية؛ لكن الهوية القبلية لتلك الجماعة المحرومة تظل قوية، فأنماط الزواج (المقياس المهم والوحيد لهوية الجماعة) ما تزال تمليها الأعراف القبلية إلى حد بعيد.
إن القبائل في غزة منظمة ضمن ستة اتحادات قبلية، أو صفوف، بحيث يتألف كل اتحاد من اثنتي عشرة قبيلة إفرادية (عشيرة) على الأقل. والاتحادات القبلية في غزة هي الأحيوات، والترابين، والتياهة، وجبارة، والعزازمة، والجهالين. وتتميز القبائل المقيمة في الضفة الغربية بأنها أكثر عزلة من الناحية الجغرافية، وهي تقيم بالقرى الجبلية الواقعة شرقي الخليل. كما توجد مجموعات مشتتة من قبائل صغيرة في القدس الشرقية، وفي الضفة الغربية لوادي الأردن أيضًا. وليس من قبيل المصادفة أن القبائل المقيمة في الضفة الغربية تستوطن أراضيَ غير ملائمة على مر التاريخ للإنتاج الزراعي.
العشائر
تتميز التركيبة العشيرية في فلسطين بأنها أكثر ترابطًا من القبائل البدوية، حتى إنها أضحت أعظم أهمية منذ تفكك هياكل السلطة الفلسطينية أثناء الانتفاضة الثانية، أو ما يعرف بانتفاضة الأقصى، التي اندلعت شرارتها سنة 2000.
تتألف العشيرة، أو الحمولة (وجمعها حمائل) من عدة عائلات موسعة على الأقل، تدعي اشتراكها في نسب واحد، ومترابطة من خلال ذرية الآباء من الذكور. وتتضمن كل عائلة موسعة بشكل عام أبناء عمومة الذكر، وأبناء هؤلاء وزوجاتهم وأولادهم. وبناء على ذلك، يصبح أبناء الإناث اللواتي اقترنّ برجال من خارج الحمولة (وأبناؤهم) من الحمولة الأخرى، لأن هذا النسب سيربطهم بالحمولة الجديدة.
بالرغم من أن العشائر تزعم بأن لها جدًا مشتركًا، وبالتالي يجمع بينها رابطة الدم، غير أن هذا الزعم غالبًا ما يكون زائفًا، على اعتبار أن حدود الإطار العائلي أكثر تفلتًا - من الناحية التاريخية - مما قد يتوقع المرء. كما أن عملية طرد الفلسطينيين وتشتتهم جعل تفلّت الإطار العائلي أكبر من نظيره في العالم العربي، وهو الأمر الذي تمليه الضرورة غالبًا. فمخيمات اللاجئين تشتهر بأنها تعيد بناء الهوية العشيرية بناء على القرية التي هي مسقط رأس المرء، بدلاً من أن تبينها على الروابط العائلية الحقيقية.
وغالبًا ما تسعى البيوت الإفرادية، أو العائلات التي توزعت على المناطق الجغرافية، أو تعرضت للتهميش لأسباب أخرى إلى الالتصاق بعشيرة محلية أوسع نفوذًا، فتختلق القصص عن جد مشترك. وإذا كان من مصلحة تلك العشيرة استيعاب هذه العائلة الجديدة، فسوف تقوم بهذا الأمر، وتجري تعديلات على شجرة العائلة بناءً على ذلك. وبمرور الوقت، يطوي النسيان طبيعة الاندماج الفعلي، برغم أنه من المرجح أن تظل العائلة الجديدة على هامش العشيرة ردحًا من الزمن.
أدت العشائر وظائف تاريخية عديدة أسهمت في بقائها في العصر الحديث:
أولاً، تعد العشيرة مصدر الأمن الفردي والعائلي، فالغرباء سيفكرون مرتين قبل التهجم على فرد من عشيرة، لا سيما إذا كانت حمولة قوية، آخذين بعين الاعتبار أن العشيرة ستأخذ بثأره لا محالة. ونشير إلى أنه عندما تكون الدولة قوية ويمكن الاعتماد عليها في حماية المواطنين، يضعف دور العشائر، لكن دورها يقوى عندما تكون الدولة ضعيفة. وقد أصبح هذا سببًا رئيسًا لازدهار العشائر الفلسطينية، سواء في ظل الاحتلال الإسرائيلي، أو في ظل ظروف تفكك السلطة الفلسطينية.
ثانيًا، لطالمًا كانت العشائر أداة تنظيمية على مر التاريخ في تعهد الأراضي المشاع. ومن المعلوم أن الحمائل تعتمد على الزراعة بشكل أساسي، والعشائر القروية تتقاسم مسؤوليات الاعتناء بالأرض في أغلب الأراضي الخصبة في فلسطين (باستثناء العقارات أو الأملاك الخاصة، والأراضي المشاع، أي الأراضي التي تملكها الدولة، في بعض الأحيان). غير أن أهمية الأراضي المشاع تراجعت بشكل مستمر، منذ أن أقرت الإمبراطورية العثمانية مدونة قانون الأراضي لسنة 1858م، ومنذ الاعتراف القانوني المتنامي بالملكية الخاصة في ظل الحكم البريطاني والأردني، وبخاصة منذ سنة 1981م، عندما صنفت إسرائيل الأراضي المشاع في الضفة الغربية لغايات استيطانية. وبالتالي اعترى الضعف إحدى الركائز الاقتصادية للحياة العشيرية.
انتقل المسوغ الاقتصادي للتنظيم العشائري الآن من التعهد المشترك للأراضي المشاع إلى الرفاهية المادية المشتركة في الفترات الاقتصادية الصعبة. وبناء على ذلك، شكلت الكثير من العشائر في السنوات الأخيرة مؤسسات أو منظمات غير حكومية، أو أدوات مؤسسية أخرى من أجل إدارة أموال أبناء الحمولة واستثماراتهم بطريقة مشتركة، وكان هذا النوع من الإدارة المعتمدة على العشيرة وتوزيع الثروة ضروريًا - لا سيما في غزة - لبقاء العائلات الإفرادية، حيث فرص العمل نادرة، والمدخرات غير متوفرة في الأغلب، كما أن أفراد العشائر ممن يعيشون في الشتات يسهمون في هذه الصناديق بعشرات الآلاف من الدولارات في بعض الأحيان.
القوة الدافعة المستمرة الثالثة، التي تقف وراء قوة العشائر الفلسطينية - إلى جانب الأساسين المنطقيين الأمني والاقتصادي - هي العنصر الاجتماعي، إذ توفر العشائر مصدرًا مهمًا لمن يبحث عن شريك حياته في مجتمع تكون نصف حالات الزواج فيه بين أبناء العمومة، مما يجعل من العشيرة في معنى أوسع شبكة مؤتمنة في كافة المناسبات الاجتماعية.
إن عنصر اللُحْمة الذي يجمع هذه الروابط معًا هو ميثاق الشرف الذي يوحّد بين كافة الأفراد الذكور، وغالبًا ما يكون الميثاق اتفاقًا رسميًا مكتوبًا، على عدة صفحات، يربط بين كافة العائلات المشتتة التي تؤلف الحمولة. ويتعهد هؤلاء الأفراد في هذا الميثاق بالولاء بعضهم لبعض، ويتفقون على أن أي هجوم (لأسباب شخصية أو أسباب لها علاقة بالشرف) على أحد الأفراد يعد هجومًا على كافة أفراد الحمولة. وبما أن المجتمع الفلسطيني يتقاسم النظام الاجتماعي القائم على الدفاع عن الشرف، وعلى دفع العار (وهو أمر يعتبر شائعًا في الدول المتوسطية) فلا يمكن للأفراد انتهاك هذا الميثاق بسهولة دون أن يجلبوا العار على أنفسهم وعلى عائلاتهم. إنه بمثابة مادة اجتماعية قوية لاحِمة، وخاصة في ظل غياب دولة فاعلة يمكنها صيانة الأمن العام، ففي ظل غياب مثل هذه الدولة، غالبًا ما يصبح ميثاق الثأر والانتقام هو المبدأ المهيمن.
تبقى ملاحظة أخيرة ينبغي الإشارة إليها في المقدمة، وهي أن العشائر وشيوخها يملكون نفوذًا محليًا كبيرًا، لكنه لا يرقي إلى مستوى النفوذ على المستوى الوطني، وهذا يعني أنه لا يمكن لعشيرة بفضل أفرادها وسمعتها أن تهيمن، أو حتى تؤثر، في السياسات الوطنية الفلسطينية على نطاق واسع. غير أن العشائر تكتسب أهمية سياسية بطريقتين:
في الطريقة الأولى، يمكن أن تكتسب العشائر نفوذًا سياسيًا بحكم كونها مؤسسة بمجموع أفرادها. وقد اكتشفت حماس هذه الحقيقة الآن بعد أن دخلت في مواجهة مع العشائر في غزة. ولا تزال حماس حتى الآن أقوى من أي عشيرة بمفردها. لكن بعد أن شعرت كافة (أو بعض) العشائر بالخطر الذي يهددها بسبب سياسة حماس؛ بدأت بالتحرك بطريقة غريبة.
وفي الطريقة الثانية، تتحول العشائر إلى أداة تحتل أهمية محورية في انتخاب ممثلين في دوائر بعينها، عند تنظيم الانتخابات على أساس الدوائر. لكن بعد أن تحول قانون الانتخابات إلى التمثيل النسبي، على أساس وطني ونظام الدائرة الواحدة؛ فلا بد أن تتراجع أهمية العشائر في الانتخابات التشريعية في المستقبل.
يتراوح حجم العشائر الصغيرة في العادة بين عدة عشرات وعدة مئات من الأفراد الذكور، في حين يمكن أن يصل حجم العشيرة الكبيرة إلى ألف فرد ذكر.
العائلات المرموقة
التجمع الثالث من الطراز العشائري في فلسطين: هو العائلات النخبوية المرموقة في المناطق الحضرية، وهي تركيبة اجتماعية تمتد على سائر الأراضي العربية منذ الإمبراطورية العثمانية. وهناك العديد من العائلات الفلسطينية البارزة والمعروفة جيدًا من هذه الطبقة الاجتماعية المرموقة، أو ما يعرف بالأعيان، مثل عائلة الحسيني، والنشاشيي، والدجاني، وعبد الهادي، وطوقان، والنابلسي، والخوري، والتميمي، والخطيب، والجعبري، والمصري، وكنعان والشكعة، والبرغوثي، والشوا، والريس وعائلة الريفي والعلمي وسكيك وابو شعبان وحلس والمصري والكفارنة وغيرها. وكل هذه عائلات ممتدة، ظلت تهيمن على الساحة السياسية الفلسطينية حتى عقد الثمانينيات من القرن الماضي، وما تزال تحتل موقعًا بارزًا نسبيًا حتى يومنا هذا.
استخدم الأردن ومصر العائلات المرموقة وسطاءَ بينهم وبين السكان الفلسطينيين بالضفة الغربية وقطاع غزة، ودعم الأردن بشكل أساسي العائلات المرموقة ما دامت تؤثر في السياسات ذات الطابع الوطني. كما اعتمدت مصر على عائلتيْ الشوّا والريس في غزة، لمساعدتها على إدارة القطاع. وفي هذا السياق كان رؤساء البلدات، ورؤساء مجالس البلديات في المدن، وغيرهم من المسؤولين المحليين البارزين - بالضفة الغربية وغزة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي - يتحدرون دائمًا من هذه العائلات الأرستقراطية.
حافظت العائلات المرموقة، حتى خلال السنين الخمس عشرة الأولى من الحكم الإسرائيلي على وضعها المتميز، رغم أنها جنحت بشكل متزايد إلى مناصرة خط أكثر وطنية، على نحو ينسجم مع النفوذ المتنامي لمنظمة التحرير الفلسطينية في حقبة السبعينيات. وتبنت إسرائيل سياسات متناقضة إزاء العائلات المرموقة في الثمانينيات (وما بعدها)، مما ساعد على تراجع مكانتها في المجتمع. ومن ناحية أخرى، واصلت إسرائيل السعي إلى تنظيم الاحتلال بطريقة غير مباشرة عبر توزيع المناصب من خلال الأعيان.
وعلى صعيد آخر، أسهمت سياسات إسرائيلية أخرى في إضعاف العائلات المرموقة بشكل مباشر، وكان أهم هذه السياسات مصادرةَ الأراضي من أجل تنفيذ مشاريع استيطانية في الضفة الغربية، بحيث اتسعت رقعة هذه المشاريع بشكل سريع بعد سنة 1981م. وكانت النتيجة مصادرة مساحات واسعة من أراضي تلك العائلات، التي فقدت القدرة أيضًا على السيطرة على الأراضي القروية الأخرى، وهي أراضٍ لم تكن ملكًا لها، وإنما كانت تمارس سلطة قوية فيها. وبالمثل، قوّضت سياسة الرابطات القروية التي عمرت زمنًا قصيرًا مكانة العائلات المرموقة، عبر تحويل الموارد إلى النخب الريفية المحرومة من الطبقة الثانية.
وكان من أسباب ضعف مكانة العائلات المرموقة أيضًا تطورُ المجتمع، وخاصة بعد بروز طبقة وسطى مثقفة، أو نخبة سياسية جديدة، ألقت بثقلها بشكل حاسم خلف منظمة التحرير الفلسطينية في الثمانينيات من القرن الماضي. وقد أسهمت هذه النخبة الجديدة في تعبئة المجتمع الفلسطيني في الثمانينيات، وهو الأمر الذي أدى إلى تهميش العائلات المرموقة على الصعيد السياسي إلى حد بعيد، وأدى أيضًا إلى اندلاع الانتفاضة الأولى بين سنتي 1987م و 1993م.
انحاز أغلب العائلات المرموقة إلى "حركة فتح" على المستوى السياسي، وذلك مع تشكيل السلطة الفلسطينية في سنة 1994م. وإضافة إلى ذلك، وُجدت بعض العائلات المرموقة المستقلة سياسيًا، لكنها تبنت موقفًا وطنيًا سائدًا جاء منسجمًا مع الأيديولوجيا التي تبنتها "حركة فتح"، بموجب اتفاقات أوسلو. وفي الواقع كان لدى العائلات المرموقة مصلحة في الاستقرار وفي بروز دولة فاعلة نسبيًا، على اعتبار أن تلك هي الظروف الوحيدة التي تسمح للأعيان باستخدام مجموع مهاراتهم الفائقة (الثقافة والموارد) بما يحقق لهم أعظم المزايا، ومن ناحية أخرى تعمل الفوضى وانهيار الدولة لصالح أولئك الذين يحملون البنادق ويستخدمون العضلات، وهذه ليست الميزة التي يتحلى بها الأعيان. وهذا أحد الاختلافات الرئيسية التي تميزهم عن العشائر؛ فالعشائر تكون في أكمل قوة عندما تكون الدولة ضعيفة، في حين يجني الأعيان أكثر العوائد في ظل دولة قوية.
القبائل والعشائر والعائلات في ظل
" ابو عمار"
كما أشرنا منذ قليل، أضعفت الانتفاضة الفلسطينية الأولى نفوذ العشائر الفلسطينية، والعائلات المرموقة، لأنها أوصلت إلى السلطة - على المستوى الاجتماعي - نخبة جديدة ذات توجهات عصرية نسبيًا، أكدت هذه النخبة - عُرفت أيضًا بنخبة الانتفاضة، ، ولعبت دورًا حاسما في بناء منظمات المجتمع المدني في الضفة الغربية وغزة. ونشير إلى أن المجتمع المدني يمثل أنماط التنظيم الاجتماعي الأفقي وغير العائلي، وهي أنماط تقف على طرفي نقيض مع التنظيم الاجتماعي العشائري (الذي يتميز بأنه رأسي، ويعتمد على الروابط العائلية).
تبنى ابو عمار "سياسة خاصة " لكي يعزز دعائم سلطته، ونفوذ قادة منظمة التحرير الفلسطينية، الذين كانوا يقيمون في الخارج وعادوا من المنفى - من تونس في الأغلب - عام 1994م، وانتهج ابو عمار سياسات صُممت بغرض تعزيز السياسات القائمة على العلاقات الشخصية، وعلى العائلات والمحسوبيات. وباختصار؛ عمل ابو عمار على إعطاء السياسة صبغة قبلية في سبيل تعزيز السلطة الوطنية .
-وفي ظل ابو عمار ايضا - كانت في إقرار قانون الانتخابات، الذي حظي بدعم فتح، والذي جرت الانتخابات البرلمانية (لانتخاب المجلس التشريعي الفلسطيني) بناء عليه في كانون الثاني/ يناير 1996م. فقد قسَّم هذا القانون الضفة الغربية وقطاع غزة إلى 16 دائرة انتخابية، وكان لزامًا انتخاب كافة الممثلين البرلمانيين انطلاقًا من مقاطعاتهم الأم، وفقًا لنظام لا يشترط الحصول على أغلبية مطلقة. وكان أغلب المحللين قد أوصوا بتطبيق مبدأ الدائرة الواحدة، بنظام تمثيلي نسبي لمنطقة جغرافية صغيرة، مثل الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية. لكن ذلك كان سيصب في غير مصلحة الشيوخ المحليين، والارستقراطيين، وزعماء العشائر والأعيان، ممن لا يتمتعون بمكانة وطنية.
وأصبحت العشائر هي الأداة التي تصنع القادة في دوائرها الخاصة، وذلك من خلال المناورة غالبًا، من أجل ضمان إيصال أفرادها إلى البرلمان. وحتى في الحالات التي دعمت فيها العشائر مرشحين من خارج حمولتها، أضحى ديوان العشيرة محط تركيز المناقشات السياسية، وإبرام الصفقات أثناء الحملة الانتخابية.
يتبع .
وتأثيرها على السياسة العامة يتميز المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة بثلاثة أنواع من الهياكل العائلية ذات الطابع، وهي: القبائل، والعشائر، والعائلات المرموقة. وفي حين تتقاسم هذه الأنواع الثلاثة كلها سمات عائلية متشابهة وموسعة، وواجبات سلوكية محددة (خاصة تلك الملقاة على الذكور)، وشبكاتٍ غير رسمية، ونظمَ ثقافةٍ قائمة على الدفاع عن الشرف ودفع العار، فهي متمايزة جدًا في أصولها وفي بقاء أهميتها.
القبائل
تحتل القبائل الحقيقية المرتبة الأدنى أهمية على الصعيدين السياسي والاجتماعي من بين الهياكل الثلاثة ذات الطابع العشائري، ولا يوجد سوى عدد ضئيل من القبائل الفلسطينية، التي ما تزال تعيش حتى اليوم حياة شبه بدوية. ويُقدّر السكان الفلسطينيون المنحدرون من أصول قبلية بنحو15%، يوجد منهم حوالي 25% في قطاع غزة، ونسبة أدنى من ذلك بكثير في الضفة الغربية، ويرجع انحسار القبلية بين الفلسطينيين - بدرجة كبيرة - إلى التخلي عن نمط الحياة البدوية، ويُعد هذا في حد ذاته نتاجًا طبيعيًا للحداثة، وإلى القلق الفائق على الأملاك، وعلى حقوق الملكية، وعلى حدود الملكيات، وهي السمات التي ميزت الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. كما أن القبائل البدوية - من ناحية أخرى - لم تعد تتمتع بالقدرة الفعلية والقانونية على التنقل بحرية داخل فلسطين من الناحية العملية، كما هو حال قدرتها على رعي مواشيها بحرية؛ فالجنوح إلى الاستقرار وحدوث تغيرات في التعريف التقليدي للعمل جعل القرابة القبلية أقل أهمية. وبالإضافة إلى ذلك، يعتبر البدو الفلسطينيون من بين أكثر الجماعات حرمانًا من الناحية الاقتصادية بالمنطقة،و هو ما يزيد من انحسار نفوذهم السياسي.
رغم أن أهمية القبائل على الصعيدين السياسي والاقتصادي في فلسطين أقل من نظيرتها في مختلف أرجاء شبه الجزيرة العربية، والعراق، والأردن، وسورية؛ لكن الهوية القبلية لتلك الجماعة المحرومة تظل قوية، فأنماط الزواج (المقياس المهم والوحيد لهوية الجماعة) ما تزال تمليها الأعراف القبلية إلى حد بعيد.
إن القبائل في غزة منظمة ضمن ستة اتحادات قبلية، أو صفوف، بحيث يتألف كل اتحاد من اثنتي عشرة قبيلة إفرادية (عشيرة) على الأقل. والاتحادات القبلية في غزة هي الأحيوات، والترابين، والتياهة، وجبارة، والعزازمة، والجهالين. وتتميز القبائل المقيمة في الضفة الغربية بأنها أكثر عزلة من الناحية الجغرافية، وهي تقيم بالقرى الجبلية الواقعة شرقي الخليل. كما توجد مجموعات مشتتة من قبائل صغيرة في القدس الشرقية، وفي الضفة الغربية لوادي الأردن أيضًا. وليس من قبيل المصادفة أن القبائل المقيمة في الضفة الغربية تستوطن أراضيَ غير ملائمة على مر التاريخ للإنتاج الزراعي.
العشائر
تتميز التركيبة العشيرية في فلسطين بأنها أكثر ترابطًا من القبائل البدوية، حتى إنها أضحت أعظم أهمية منذ تفكك هياكل السلطة الفلسطينية أثناء الانتفاضة الثانية، أو ما يعرف بانتفاضة الأقصى، التي اندلعت شرارتها سنة 2000.
تتألف العشيرة، أو الحمولة (وجمعها حمائل) من عدة عائلات موسعة على الأقل، تدعي اشتراكها في نسب واحد، ومترابطة من خلال ذرية الآباء من الذكور. وتتضمن كل عائلة موسعة بشكل عام أبناء عمومة الذكر، وأبناء هؤلاء وزوجاتهم وأولادهم. وبناء على ذلك، يصبح أبناء الإناث اللواتي اقترنّ برجال من خارج الحمولة (وأبناؤهم) من الحمولة الأخرى، لأن هذا النسب سيربطهم بالحمولة الجديدة.
بالرغم من أن العشائر تزعم بأن لها جدًا مشتركًا، وبالتالي يجمع بينها رابطة الدم، غير أن هذا الزعم غالبًا ما يكون زائفًا، على اعتبار أن حدود الإطار العائلي أكثر تفلتًا - من الناحية التاريخية - مما قد يتوقع المرء. كما أن عملية طرد الفلسطينيين وتشتتهم جعل تفلّت الإطار العائلي أكبر من نظيره في العالم العربي، وهو الأمر الذي تمليه الضرورة غالبًا. فمخيمات اللاجئين تشتهر بأنها تعيد بناء الهوية العشيرية بناء على القرية التي هي مسقط رأس المرء، بدلاً من أن تبينها على الروابط العائلية الحقيقية.
وغالبًا ما تسعى البيوت الإفرادية، أو العائلات التي توزعت على المناطق الجغرافية، أو تعرضت للتهميش لأسباب أخرى إلى الالتصاق بعشيرة محلية أوسع نفوذًا، فتختلق القصص عن جد مشترك. وإذا كان من مصلحة تلك العشيرة استيعاب هذه العائلة الجديدة، فسوف تقوم بهذا الأمر، وتجري تعديلات على شجرة العائلة بناءً على ذلك. وبمرور الوقت، يطوي النسيان طبيعة الاندماج الفعلي، برغم أنه من المرجح أن تظل العائلة الجديدة على هامش العشيرة ردحًا من الزمن.
أدت العشائر وظائف تاريخية عديدة أسهمت في بقائها في العصر الحديث:
أولاً، تعد العشيرة مصدر الأمن الفردي والعائلي، فالغرباء سيفكرون مرتين قبل التهجم على فرد من عشيرة، لا سيما إذا كانت حمولة قوية، آخذين بعين الاعتبار أن العشيرة ستأخذ بثأره لا محالة. ونشير إلى أنه عندما تكون الدولة قوية ويمكن الاعتماد عليها في حماية المواطنين، يضعف دور العشائر، لكن دورها يقوى عندما تكون الدولة ضعيفة. وقد أصبح هذا سببًا رئيسًا لازدهار العشائر الفلسطينية، سواء في ظل الاحتلال الإسرائيلي، أو في ظل ظروف تفكك السلطة الفلسطينية.
ثانيًا، لطالمًا كانت العشائر أداة تنظيمية على مر التاريخ في تعهد الأراضي المشاع. ومن المعلوم أن الحمائل تعتمد على الزراعة بشكل أساسي، والعشائر القروية تتقاسم مسؤوليات الاعتناء بالأرض في أغلب الأراضي الخصبة في فلسطين (باستثناء العقارات أو الأملاك الخاصة، والأراضي المشاع، أي الأراضي التي تملكها الدولة، في بعض الأحيان). غير أن أهمية الأراضي المشاع تراجعت بشكل مستمر، منذ أن أقرت الإمبراطورية العثمانية مدونة قانون الأراضي لسنة 1858م، ومنذ الاعتراف القانوني المتنامي بالملكية الخاصة في ظل الحكم البريطاني والأردني، وبخاصة منذ سنة 1981م، عندما صنفت إسرائيل الأراضي المشاع في الضفة الغربية لغايات استيطانية. وبالتالي اعترى الضعف إحدى الركائز الاقتصادية للحياة العشيرية.
انتقل المسوغ الاقتصادي للتنظيم العشائري الآن من التعهد المشترك للأراضي المشاع إلى الرفاهية المادية المشتركة في الفترات الاقتصادية الصعبة. وبناء على ذلك، شكلت الكثير من العشائر في السنوات الأخيرة مؤسسات أو منظمات غير حكومية، أو أدوات مؤسسية أخرى من أجل إدارة أموال أبناء الحمولة واستثماراتهم بطريقة مشتركة، وكان هذا النوع من الإدارة المعتمدة على العشيرة وتوزيع الثروة ضروريًا - لا سيما في غزة - لبقاء العائلات الإفرادية، حيث فرص العمل نادرة، والمدخرات غير متوفرة في الأغلب، كما أن أفراد العشائر ممن يعيشون في الشتات يسهمون في هذه الصناديق بعشرات الآلاف من الدولارات في بعض الأحيان.
القوة الدافعة المستمرة الثالثة، التي تقف وراء قوة العشائر الفلسطينية - إلى جانب الأساسين المنطقيين الأمني والاقتصادي - هي العنصر الاجتماعي، إذ توفر العشائر مصدرًا مهمًا لمن يبحث عن شريك حياته في مجتمع تكون نصف حالات الزواج فيه بين أبناء العمومة، مما يجعل من العشيرة في معنى أوسع شبكة مؤتمنة في كافة المناسبات الاجتماعية.
إن عنصر اللُحْمة الذي يجمع هذه الروابط معًا هو ميثاق الشرف الذي يوحّد بين كافة الأفراد الذكور، وغالبًا ما يكون الميثاق اتفاقًا رسميًا مكتوبًا، على عدة صفحات، يربط بين كافة العائلات المشتتة التي تؤلف الحمولة. ويتعهد هؤلاء الأفراد في هذا الميثاق بالولاء بعضهم لبعض، ويتفقون على أن أي هجوم (لأسباب شخصية أو أسباب لها علاقة بالشرف) على أحد الأفراد يعد هجومًا على كافة أفراد الحمولة. وبما أن المجتمع الفلسطيني يتقاسم النظام الاجتماعي القائم على الدفاع عن الشرف، وعلى دفع العار (وهو أمر يعتبر شائعًا في الدول المتوسطية) فلا يمكن للأفراد انتهاك هذا الميثاق بسهولة دون أن يجلبوا العار على أنفسهم وعلى عائلاتهم. إنه بمثابة مادة اجتماعية قوية لاحِمة، وخاصة في ظل غياب دولة فاعلة يمكنها صيانة الأمن العام، ففي ظل غياب مثل هذه الدولة، غالبًا ما يصبح ميثاق الثأر والانتقام هو المبدأ المهيمن.
تبقى ملاحظة أخيرة ينبغي الإشارة إليها في المقدمة، وهي أن العشائر وشيوخها يملكون نفوذًا محليًا كبيرًا، لكنه لا يرقي إلى مستوى النفوذ على المستوى الوطني، وهذا يعني أنه لا يمكن لعشيرة بفضل أفرادها وسمعتها أن تهيمن، أو حتى تؤثر، في السياسات الوطنية الفلسطينية على نطاق واسع. غير أن العشائر تكتسب أهمية سياسية بطريقتين:
في الطريقة الأولى، يمكن أن تكتسب العشائر نفوذًا سياسيًا بحكم كونها مؤسسة بمجموع أفرادها. وقد اكتشفت حماس هذه الحقيقة الآن بعد أن دخلت في مواجهة مع العشائر في غزة. ولا تزال حماس حتى الآن أقوى من أي عشيرة بمفردها. لكن بعد أن شعرت كافة (أو بعض) العشائر بالخطر الذي يهددها بسبب سياسة حماس؛ بدأت بالتحرك بطريقة غريبة.
وفي الطريقة الثانية، تتحول العشائر إلى أداة تحتل أهمية محورية في انتخاب ممثلين في دوائر بعينها، عند تنظيم الانتخابات على أساس الدوائر. لكن بعد أن تحول قانون الانتخابات إلى التمثيل النسبي، على أساس وطني ونظام الدائرة الواحدة؛ فلا بد أن تتراجع أهمية العشائر في الانتخابات التشريعية في المستقبل.
يتراوح حجم العشائر الصغيرة في العادة بين عدة عشرات وعدة مئات من الأفراد الذكور، في حين يمكن أن يصل حجم العشيرة الكبيرة إلى ألف فرد ذكر.
العائلات المرموقة
التجمع الثالث من الطراز العشائري في فلسطين: هو العائلات النخبوية المرموقة في المناطق الحضرية، وهي تركيبة اجتماعية تمتد على سائر الأراضي العربية منذ الإمبراطورية العثمانية. وهناك العديد من العائلات الفلسطينية البارزة والمعروفة جيدًا من هذه الطبقة الاجتماعية المرموقة، أو ما يعرف بالأعيان، مثل عائلة الحسيني، والنشاشيي، والدجاني، وعبد الهادي، وطوقان، والنابلسي، والخوري، والتميمي، والخطيب، والجعبري، والمصري، وكنعان والشكعة، والبرغوثي، والشوا، والريس وعائلة الريفي والعلمي وسكيك وابو شعبان وحلس والمصري والكفارنة وغيرها. وكل هذه عائلات ممتدة، ظلت تهيمن على الساحة السياسية الفلسطينية حتى عقد الثمانينيات من القرن الماضي، وما تزال تحتل موقعًا بارزًا نسبيًا حتى يومنا هذا.
استخدم الأردن ومصر العائلات المرموقة وسطاءَ بينهم وبين السكان الفلسطينيين بالضفة الغربية وقطاع غزة، ودعم الأردن بشكل أساسي العائلات المرموقة ما دامت تؤثر في السياسات ذات الطابع الوطني. كما اعتمدت مصر على عائلتيْ الشوّا والريس في غزة، لمساعدتها على إدارة القطاع. وفي هذا السياق كان رؤساء البلدات، ورؤساء مجالس البلديات في المدن، وغيرهم من المسؤولين المحليين البارزين - بالضفة الغربية وغزة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي - يتحدرون دائمًا من هذه العائلات الأرستقراطية.
حافظت العائلات المرموقة، حتى خلال السنين الخمس عشرة الأولى من الحكم الإسرائيلي على وضعها المتميز، رغم أنها جنحت بشكل متزايد إلى مناصرة خط أكثر وطنية، على نحو ينسجم مع النفوذ المتنامي لمنظمة التحرير الفلسطينية في حقبة السبعينيات. وتبنت إسرائيل سياسات متناقضة إزاء العائلات المرموقة في الثمانينيات (وما بعدها)، مما ساعد على تراجع مكانتها في المجتمع. ومن ناحية أخرى، واصلت إسرائيل السعي إلى تنظيم الاحتلال بطريقة غير مباشرة عبر توزيع المناصب من خلال الأعيان.
وعلى صعيد آخر، أسهمت سياسات إسرائيلية أخرى في إضعاف العائلات المرموقة بشكل مباشر، وكان أهم هذه السياسات مصادرةَ الأراضي من أجل تنفيذ مشاريع استيطانية في الضفة الغربية، بحيث اتسعت رقعة هذه المشاريع بشكل سريع بعد سنة 1981م. وكانت النتيجة مصادرة مساحات واسعة من أراضي تلك العائلات، التي فقدت القدرة أيضًا على السيطرة على الأراضي القروية الأخرى، وهي أراضٍ لم تكن ملكًا لها، وإنما كانت تمارس سلطة قوية فيها. وبالمثل، قوّضت سياسة الرابطات القروية التي عمرت زمنًا قصيرًا مكانة العائلات المرموقة، عبر تحويل الموارد إلى النخب الريفية المحرومة من الطبقة الثانية.
وكان من أسباب ضعف مكانة العائلات المرموقة أيضًا تطورُ المجتمع، وخاصة بعد بروز طبقة وسطى مثقفة، أو نخبة سياسية جديدة، ألقت بثقلها بشكل حاسم خلف منظمة التحرير الفلسطينية في الثمانينيات من القرن الماضي. وقد أسهمت هذه النخبة الجديدة في تعبئة المجتمع الفلسطيني في الثمانينيات، وهو الأمر الذي أدى إلى تهميش العائلات المرموقة على الصعيد السياسي إلى حد بعيد، وأدى أيضًا إلى اندلاع الانتفاضة الأولى بين سنتي 1987م و 1993م.
انحاز أغلب العائلات المرموقة إلى "حركة فتح" على المستوى السياسي، وذلك مع تشكيل السلطة الفلسطينية في سنة 1994م. وإضافة إلى ذلك، وُجدت بعض العائلات المرموقة المستقلة سياسيًا، لكنها تبنت موقفًا وطنيًا سائدًا جاء منسجمًا مع الأيديولوجيا التي تبنتها "حركة فتح"، بموجب اتفاقات أوسلو. وفي الواقع كان لدى العائلات المرموقة مصلحة في الاستقرار وفي بروز دولة فاعلة نسبيًا، على اعتبار أن تلك هي الظروف الوحيدة التي تسمح للأعيان باستخدام مجموع مهاراتهم الفائقة (الثقافة والموارد) بما يحقق لهم أعظم المزايا، ومن ناحية أخرى تعمل الفوضى وانهيار الدولة لصالح أولئك الذين يحملون البنادق ويستخدمون العضلات، وهذه ليست الميزة التي يتحلى بها الأعيان. وهذا أحد الاختلافات الرئيسية التي تميزهم عن العشائر؛ فالعشائر تكون في أكمل قوة عندما تكون الدولة ضعيفة، في حين يجني الأعيان أكثر العوائد في ظل دولة قوية.
القبائل والعشائر والعائلات في ظل
" ابو عمار"
كما أشرنا منذ قليل، أضعفت الانتفاضة الفلسطينية الأولى نفوذ العشائر الفلسطينية، والعائلات المرموقة، لأنها أوصلت إلى السلطة - على المستوى الاجتماعي - نخبة جديدة ذات توجهات عصرية نسبيًا، أكدت هذه النخبة - عُرفت أيضًا بنخبة الانتفاضة، ، ولعبت دورًا حاسما في بناء منظمات المجتمع المدني في الضفة الغربية وغزة. ونشير إلى أن المجتمع المدني يمثل أنماط التنظيم الاجتماعي الأفقي وغير العائلي، وهي أنماط تقف على طرفي نقيض مع التنظيم الاجتماعي العشائري (الذي يتميز بأنه رأسي، ويعتمد على الروابط العائلية).
تبنى ابو عمار "سياسة خاصة " لكي يعزز دعائم سلطته، ونفوذ قادة منظمة التحرير الفلسطينية، الذين كانوا يقيمون في الخارج وعادوا من المنفى - من تونس في الأغلب - عام 1994م، وانتهج ابو عمار سياسات صُممت بغرض تعزيز السياسات القائمة على العلاقات الشخصية، وعلى العائلات والمحسوبيات. وباختصار؛ عمل ابو عمار على إعطاء السياسة صبغة قبلية في سبيل تعزيز السلطة الوطنية .
-وفي ظل ابو عمار ايضا - كانت في إقرار قانون الانتخابات، الذي حظي بدعم فتح، والذي جرت الانتخابات البرلمانية (لانتخاب المجلس التشريعي الفلسطيني) بناء عليه في كانون الثاني/ يناير 1996م. فقد قسَّم هذا القانون الضفة الغربية وقطاع غزة إلى 16 دائرة انتخابية، وكان لزامًا انتخاب كافة الممثلين البرلمانيين انطلاقًا من مقاطعاتهم الأم، وفقًا لنظام لا يشترط الحصول على أغلبية مطلقة. وكان أغلب المحللين قد أوصوا بتطبيق مبدأ الدائرة الواحدة، بنظام تمثيلي نسبي لمنطقة جغرافية صغيرة، مثل الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية. لكن ذلك كان سيصب في غير مصلحة الشيوخ المحليين، والارستقراطيين، وزعماء العشائر والأعيان، ممن لا يتمتعون بمكانة وطنية.
وأصبحت العشائر هي الأداة التي تصنع القادة في دوائرها الخاصة، وذلك من خلال المناورة غالبًا، من أجل ضمان إيصال أفرادها إلى البرلمان. وحتى في الحالات التي دعمت فيها العشائر مرشحين من خارج حمولتها، أضحى ديوان العشيرة محط تركيز المناقشات السياسية، وإبرام الصفقات أثناء الحملة الانتخابية.
يتبع .