مشاهدة النسخة كاملة : مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة)
الشريف محمد أدهم
13-08-2008, 03:27 PM
(مبدأ اسم السنوسي)
أول من عُرف بهذا الاسم أحد الأئمة الهُداة الذين رفعوا لواء السُنة الغرّاء وحملوا مشعل العلم الشريف وأناروا طريقه لطلابه، الإمام السيد محمد بن يوسف السنوسي صاحب العقائد السنوسية في التوحيد، كان في زمانه حُجة ولعلمائه قُدوة ونال من الصلاح درجة عالية وشهد بفضله الخاص والعام، لذلك تبركاً باسمه سَمَّى بعض الناس أبناءهم باسمه وقد تربى هذا السيد الجليل ما بين قبيلة بني اسنوس وكلمة اسنوس مشتقة من اسم جبل أسنوس الذي يبعد عن بلدة تلمسان (بلدة بالجزائر) بمسافة يوم تقريباً وكان يسكن بهذا الجبل فخذ من قبيلة بربرية يُقال لها (كوميه) وأطلق على هذا الفخذ الساكن بالجبل اسم بني أسنوس .. ووُلِد السيد محمد بن يوسف بينهم وكبر واشتهر بالسنوسي نسبة إليهم وهو ليس منهم وفيما بعد درج الناس على التسمية باسمه وكان ممن سُميّ باسمه ابنٌ للجد الرابع للسيد محمد بن علي السنوسي سمّاه والده السيد عبد القادر بن السيد أحمد شهيده (محمد السنوسي) فكبر وتعلم و نال أيضاً من الصلاح والعلم والزهد والتقوى درجة رفيعة حتى كان إمام وقته و حافظ عصره وأُطلق عليه إمام المفسرين والمُحدثين في زمانه وهو أول من تسمى بالسنوسي في سلسلة آل خطاب الأشراف وتوفي هذا السيد الجليل في تلمسان ودُفن بها ولم يعقب خلفاً إلا أن أبناء إخوته بعده درجوا على تسمية أبنائهم باسمه حتى سُمي به السيد السنوسي جد السيد محمد بن علي السنوسي صاحب الترجمة.
(نسب السيد محمد بن علي السنوسي)
فهو محمد بن علي بن السيد السنوسي بن العربي الأطرش ابن محمد بن عبد القادر بن أحمد شهيده بن محمد شائب الذراع بن يوسف أبو ذهيبة ابن عبدالله بن خطّاب بن علي أبو العسل بن يحي بن راشد بن أحمد المُرابط بن منداس بن عبد القوي بن عبد الرحمن بن يوسف بن زيّان بن زين العابدين بن يوسف بن الحسن بن إدريس بن عبدالله بن أحمد بن محمد بن د عبد الله بن حمزة بن سعيد بن يعقوب بن داوود بن حمزة بن علي بن عمران بن إدريس الأزهر (الأصغر) أمير المسلمين وباني مدينة فاس بن الإمام إدريس الأكبر أول ملوك السادة الأدارسة بالمغرب بن عبدالله الكامل بن الحسن المُثنى بن الإمام الحسن السبط بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه وفاطمة الزهراء بِضعة المصطفى سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف و كرم وعظم.
(ولادة الإمام محمد بن علي السنوسي ونشأته)
كانت ولادته صبيحة يوم الاثنين 12 - ربيع الأول - 1202 هجري - الموافق – 21 ديسمبر – 1787 ميلادي. عند طلوع الفجر ولذلك سماه والده محمداً تيمناً باسم جده المصطفى صلى الله عليه وسلم وكانت ولادته بضاحية (مَيْثَا) الواقعة على ضفة وادي شِلْف بمنطقة الواسطة التابعة لبلدة مُستغانم الجزائرية مقر أجداده السادة آل خطّاب وكان من قضاء الله وقدره أن تُوفي والده وعمره سنتان فقط كما أعقبته والدته بقليل و تركاه صغيراً فتولت كفالته عمته المصونة السيدة فاطمة الزهراء بنت السنوسي بن العربي بوصية من والده أخيها علي... وكانت عمته هذه من أشهر السيدات في عصرها علماً وأدباً وزهداً وصلاحاً وتقوى... وكانت تتصدر للإفادة والتدريس والإرشاد حسبما يحله الشرع الشريف كما كان يقصدها طلاب العلم الشريف من بلدان بعيدة للأخذ عنها والاستفادة منها.. فكانت خير مرشدٍ له ومربٍ وعندها حفظ القرآن الكريم و شيئاً كثيراً من المتون في علوم شتى.
(شيوخه في القرآن)
أولهم زوج عمته محمد بن قعمش الصغير الظهراوي وابنه عبد القادر وكانا عالمين جليلين صالحين ويشاركهما في تحفيظه القرآن محمد بن الخلفة ثم توفيت عمته وزوجها وبنوها ومحمد بن الخلفة في طاعون عام 1209 هجري – 1794 ميلادي. وعمره لم يتجاوز السابعة فكفله محمد السنوسي بن عمه عبد القادر بن السنوسي وذلك بإذن عمه المذكور عبد القاهر شقيق والده علي السنوسي فتمم على ابن عمه هذا حفظ القرآن الكريم برواياته السبع مع ما يلزمه من علم رسم الخط للمصحف والضبط كما قرأ عليه الرسالات الآتية: مورد الظمآن، المصباح، العقيلية، الندى، الجزرية، الهدية المرضية في القراءة المكية، حرز الأماني للشاطبي، وغيرها مما هو من وظائف قارئ القرآن وظهرت عليه النجابة كما تنبأت له بذلك جدته لوالده السيدة فاطمة وكانت من الصالحات الكبار أيضاً ثم بعد أن أتم ما يلزمه من لوازم حفظ القرآن وإتقانه شرع له ابن عمه هذا في العلوم العربية أولاً ثم الدينية بالتدرج دون أن يرهقه أو يدخل عليه شيئاً من السآمة أو الملل مع حضه له على العمل بما يتعلمه والتمسك بالسنة المطهرة دونما تفريط أو مغالاة، وسلوك مسلك أجداده العظام والتأسي بهم في الحقير والجليل مع تحذيره له من كل ما يبعده عن الله و ترغيبه له في كل ما يقربه منه وكان يزوده بنبذ صالحة مفيدة عن سيرة أجداده الأئمة الأعلام وأعمالهم المجيدة ودرجاتهم الرفيعة وكيف نالوها حتى اشرأبت روحه الطاهرة إلى الأعمال الصالحة واطمأنت نفسه الكريمة إليها مع ترغيبه له على موالاة طلب العلم وحثه عليه و مساعدته له حتى نال منه قسطاً وافراً قَلّ مَنْ ناله في مثل سنه على ابن عمه هذا في مستغانم و اختار الله هذا السيد الجليل إلى جواره الكريم بعد أن هيأ ابن عمه تهيئة صالحة مُرضية و كان سنه قد بلغ السابعة عشر سنة 1219 هجري – 1804 ميلادي. فجلس بعد ابن عمه يتلقى العلم على شيوخه في مُستغانم.
يتبع....
تصنيف – صلاح عبد العزيز
الشريف محمد أدهم
13-08-2008, 03:34 PM
( شيوخ الإمام محمد بن علي السنوسي في مُستغانم )
منهم الشيخ الجليل محيَّ الدين بن شلهبه و الشيخ محمد بن أبي زوينه ، و الشيخ عبد القادر بن عمور المستغانمي ، و الشيخ محمد القندوز ، و محمد بن عبد الله المستغانمي ، و الشيخ أحمد الطبولي الطرابلسي، و كلهم من فطاحل العلماء في زمانهم .. حيث مكث الإمام السنوسي يطلب العلم في مستغانم سنتين كاملتين.
( شيوخه في ما زونه )
وفي أول عام 1221 هجري – 1806 ميلادي ، خرج من مستغانم إلى بلدة مازونه و مكث بها سنة واحدة حيث أخذ فيها عن هؤلاء الشيوخ و هم العلاّمة الجليل الشيخ محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الشارف المازوني ، و الشيخ السيد أبو رأس العسكري ، والشيخ الوليد أبو المهل أبو زوينه ذي السند العالي و غيرهم ، ثم والى رحلته إلى مدينة تلمسان و مكث بها أيضاً ما يقارب من السنة و أخذ العلم عمن وجده فيها من شيوخها و بهذه البلدة مقام ابن جده الرابع السيد محمد السنوسي و الذي ينتسبون إليه تباعاً و يتسمون باسمه .. و في أواخر عام 1223 هجري – 1809 ميلادي . رحل الإمام السنوسي إلى مدينة فاس المعمورة و بها مقام جد الأشراف الأدارسة السيد إدريس الأنور ( الأصغر ) و هو الذي بنا مدينة فاس . أمّا والده السيد إدريس الأكبر فهو في مدينة ( وُلِيْلِي ) قاعدة جبل زرهون.. فمكث في مدينة فاس سبع سنوات متوالية ، يطلب خلالها العلم في مسجد القرويين المُضاهي للجامع الأزهر بمصر.
( شيوخه بفاس )
وشيوخه بفاس هم الشيخ حمدون بن الحاج ، و الشيخ الطيب الكيراني ، و الشيخ أبو بكر بن زيان الإدريسي الجوطي ، و الشيخ أبو العلاء إدريس العراقي و ابنه عبد الرحمن ، والشيخ محمد بن أبي بكر اليازعي ، و الشيخ محمد بن عامر المعداني ، و الشيخ محمد بن محمد بن عبد السلام بنّاني ، و الشيخ أحمد بن المكي السدراتي شارح الموطأ ، و الحافظ محمد بن عبد السلام الناصري و ابنه محمد المدني و الشيخ محمد بن منصور والشيخ محمد الزروالي ، و الشيخ العربي بن محمد . و كان خلال هذه السبع سنوات يدْرُس و يُدّرِّس حتى فاق من وجده من الشيوخ و العلماء و أقر له الجميع بأنه فريد وقته و زينة عصره و أنه ممن ستفتخر بهم الأمة المحمدية كما رُشِح لمشيخة جامع القرويين رغم صغر سنه الذي كان لا يتجاوز ( 30 سنة ) فقط و لكنه لم يقبل هذا التقيد . و بعد أن نهل من معين شتى العلوم العقلية و النقلية و أخذها عن عموم مشايخ عصره في الديار المغربية و إجازتهم له بما لديهم ، و أخذه عن السادة الصوفية كالشيخ أحمد التِجاني المتوفي في شوال سنة 1230هجري – سبتمبر – 1815 ميلادي . و الشيخ محمد بن عبد السلام الناصري المتوفي في صفر سنة 1239 هجري - أكتوبر – 1823 ميلادي ... و غيرهم
http://www.libya-al-mostakbal.com/Books/alemam_mohamad_ben_ali_assonousi.jpg
( الإمام محمد بن علي السنوسي )
( رحلته الأولى إلى الشرق العربي )
تاقت نفسه العالية إلى الإزدياد من تلقي العلوم على العلماء بمصر و الحرمين الشريفين كما تشوق لأداء فريضة الحج.. فخرج من بلدة فاس رأساً مع ركب الحجاج عام 1230 هجري – 1815 ميلادي . و لم يتخلف عن ركب الحجاج حتى مكة و حج آخر عام 1230 هجري – ديسمبر – 1815 ميلادي . و مكث بها طيلة عام 1231 هجري يتلقى العلوم على أكابر شيوخ و علماء العصر بمكة .
( شيوخه بمكة )
منهم الشيخ عمر بن عبد الكريم بن عبد الرسول العطار المكي و الشيخ عبد الحفيظ العجيمي و الشيخ محمد عابد السندي و الشيخ حسن بن عبد الله العطّار و الشيخ عبد الرحمن بن يوسف المدني و الشيخ ياسين المرغني و الشيخ محمد صالح الرئيس و الشيخ محمد السلمي الشافعي و الشيخ محمد البناني و الشيخ محمد القابسي المالكي و الشيخ محمد الهدبيني و الشيخ محمد بن عبد الله الفخري .
( شيوخه من أهل المدينة )
الشيخ صالح البدري ، و الشيخ عبد الرحمن الأنصاري ، و الشيخ محمد سفر بن محمد سفر مُسند الحجاز وراويه ، و الشيخ عبد الباقي الشعّاب ، و الشيخ محمد بن الحاج المغيربي ، و الشيخ محمد بن عبدالله المجدوب .
( و من أهل اليمن )
السيد يوسف البطاح الأهدل ، و الشيخ يوسف الأمير الصنعاني و الشيخ محمد العمراني الصنعاني ، والشيخ محمد بن سليمان قاضي مخا ، و الشيخ محمد بن سليمان الأهدل قاضي زبيد ، و السيد الحازمي ، و الشيخ محمد عاكش الصبياني .
( و من الوافدين إلى الحرمين )
الشيخ أحمد بن عبد الرحمن الشريف الحسني ، و الشيخ أحمد بن عبد الله الشريف الجزيري ، و الشيخ محمد البشير البجاوي التلمساني ، و لم يُكتب لسيادته الإجتماع بالإمام العظيم السيد أحمد بن إدريس العرائشي حيث كان السيد أحمد في هذه السنة قد خرج من مكة إلى الصعيد بمصر و في نهاية عام 1231 هجري – نوفمبر – 1816 ميلادي . حج و رجع أول عام 1232 هجري صحبة ركب الحجاج إلى مصر و مكث بها بقية عام 1232 هجري – نوفمبر – 1817 ميلادي . يتلقى المزيد من العلوم على بعض خواص العلماء بها .
( شيوخه بمصر )
أولهم الشيخ علي الميلي التونسي ، و الشيخ ثعيلب الضرير ، و الشيخ محمد الصاوي من المالكية ، والشيخ العطار و القويني و النجار من الشافعية ، و الشيخ محمد الأمير الصغير.
(( عودته إلى فاس ))
وفي أول عام1233 هجري - نوفمبر – 1817 ميلادي . خرج ( من القاهرة ) صحبة ركب الحجاج ورافقهم عائداً إلى فاس و مكث بها مدة لا تزيد على الستة أشهر و هنا هيأه الله للنفع و الإرشاد و نفع العباد بدلالاتهم على الله فخرج من مدينة فاس أواخر عام 1233 هجري – أكتوبر – 1818 ميلادي . وتوجه رأساً إلى مدينة الأغواط الواقعة في آخر الحدود الجزائرية من جهة الصحراء الكبرى و هذه البلدة هي مفتاح الصحراء الكبرى وهي ملتقى هام لكل من يأتي إلى صحراء شنقيط من مراكش و الجزائر فجلس فيها ما يقرب من نصف سنة تصدى خلالها للتدريس و الوعظ و الإرشاد حتى استفادت منه أممٌ كثيرة وتعلقوا به، و ممن أخذ عنه بالأغواط و رافقه تلميذه الخاص و كبير إخوانه على الإطلاق الشيخ عبد الله التواتي دفين بدر .
(( عودته إلى مستغانم ))
ثم حنَّ إلى موقع رأسه الشريف فرجع إلى مستغانم أول عام 1234 هجري – ديسمبر – 1818 ميلادي. ومكث بها قريباً من سنة و نصف بين أهله و عشيرته و أقاربه و تزوج خلال هذه المدة و أنجب مولوداً وتُوفي صغيراً كما توفيت والدته بعده فخف حِملُهُ رضي الله عنه و عَنَّ لسيادته القيام برحلة إلى المشرق لموالاة الوعظ و الإرشاد و نفع العباد و نشر العلوم المفيدة و الدعوة إلى الله بالطريقة الحقيقية... فخرج من مستغانم رغم تعلق أهله و عشيرته به بغية بقائه بينهم غير أن نفسه الكبيرة الطموحة أبت عليه ذلك فتوجه و واصل سفره إلى بلدة جلفه منتصف عام 1235 هجري – مايو – 1820 ميلادي . و مكث بها قليلاً ثم والى رحلته إلى ( أبو سعادة ) و منها إلى حدود تونس ثم واصل رحلته إلى قابس في الأراضي التونسية و بعد إقامته بها يسيراً عطف على مدينة تونس و مكث بها مدة أسابيع قلائل و دخل مسجد الزيتونة بتونس و أخذ عن بعض كبار علمائها و تردد عليهم كما أخذ عنه بعضهم و طلبوا منه إلقاء بعض الدروس فلّبى طلبهم .
( الإمام السنوسي في طرابلس )
وفي آخر عام 1235 هجري – سبتمبر – 1820 ميلادي . توجه إلى مدينة طرابلس الغرب فدخلها في آخر هذا العام و كان ذلك إبّان حكم ( يوسف باشا القرمانلي ) في شهر - أكتوبر – 1820 ميلادي .(1)
وقد استقل ( يوسف القرمانلي ) عن الدولة العثمانية فأكرم نزله و مكث في مدينة طرابلس و ضواحيها مدة للوعظ و الإرشاد و نفع العباد و لم يترك مسجداً معروفاً إلا دخله و درّس فيه و أرشد ، و كان أغلب نزوله وإقامته عند الشيخ ( أحمد باشا المنتصر ) الذي تعرف عليه و تعلق به و أصبح هو و أبناؤه فيما بعد هم النائبون عنه في طرابلس و نالوا بذلك خيراً كثيراً و أحمد باشا المنتصر هو جد الشاعر الأديب الأستاذ (أحمد ضياء الدين بن عمر باشا بن أحمد باشا المنتصر) ، و والى رحلته إلى بلدة ( ازليتن ) بلاد الأشراف الفواتير و المدفون بها الولي الكبير الشيخ عبد السلام الأسمر رحمه الله فمكث فيها و درّس في مسجد الشيخ مدة من الزمن ثم تقدم إلى بلدة ( مصراته ) و بها المشايخ السادة المحاجيب و مقام الشيخ ( أحمد الزروق ) رحمه الله فنزل عند السادة المحاجيب في زاويتهم المعروفة هنالك و أقام في مصراطه زيادة عن السنة و جملة مدة إقامته ما بين طرابلس و ازليتن و مصراته سنتان قضاها في الوعظ و الإرشاد و الدعوة إلى الله و لذلك سبقت العناية لأهل تلك الجهة و تعلقوا بسيادته و جُل إخوانه الأولون و من عليهم المعول في الحضرة السنوسية من مصراته و ازليتن و مقاطعات طرابلس و هم " آل المحجوب و آل الأشهب و آل الدردني و آل السيد عمران بن بركة و آل بوسيف و آل بن فرج الله " و ..... غيرهم . و دخل الخلوة في زاوية السادة المحاجيب و درّس فيها .
(مناسبة) كان السيد رحمه الله في غاية من الجمال الخَلقي فضلاً عن الخُلُقي و كان في عنفوان شبابه و صادف أن كان يوماً من الأيام يُلقي درساً في زاوية السادة المحاجيب هذه و كان من بين المستمعين رجلٌ ذو مكانة يُحدِّق بنظره إلى السيد طيلة الدرس و خطر في باله أن هذا الجمال الفائق لا يسلم من كونه وقع منه أو عليه و وسوس له الشيطان أموراً معروفة.. فبعد أن أتم الدرس و قام الحاضرون حسب العادة المتبعة يسلمون على يده الشريفة للإنصراف.. و أتى هذا الرجل للتسليم عليه فقبض على يده و أجلسه بجنبه حتى خرج الناس ثم التفت إليه و قال له : يا أخي إن الذي حفظنا في الكِبَر حفظنا في الصَغُر فخجل هذا الرجل و عّدّ أن هذه كرامة لهذا السيد الجليل عظيمة.
يتبع....
الشريف محمد أدهم
13-08-2008, 03:37 PM
(رحلة الإمام السنوسي الأولى إلى برقة ومصر)
في أول عام 1238 هجري – 1822 – ميلاد، أستأنف رحلته إلى برقة وقبل وصوله إلى مدينة (إجدابيا) مر على نجع شيخ قبيلة المغاربة الشيخ (علي لطيوش) فأكرم نُزله وقام بخدمته خير قيام دون سابق معرفة ورافقه إلى (إجدابيا) وجهزه إلى واحة (أوجلة) فنال بذلك خيراً لم يزل أثره في عقبه .. ولم يمر السيد السنوسي في رحلته هذه على مدينة ( بنغازي) ولا على المدن الساحلية بل توجه إلى أوجلة وزار صاحب رسول الله (عبدالله بن سعد بن أبي سرح) رضي الله عنه وفاز بمعرفته أهل أوجلة قبل غيرهم ومنهم الشيخ (عمر بو حوا الأوجلي) تعرف عليه وأخذ عنه العلم الشرعي ولحقه بعد ذلك في الحجاز .. ولم يرافقه في طريقه هذه سوى مملوك لسيادته والسيد (عبدالله التواتي) الذي لازمه ولم يفارقه منذ أن تعرف عليه، وأخذ عنه في مدينة الأغواط الجزائرية، وكان الشيخ محمد بن علي السنوسي يتنقل مع بعض القوافل ويرافقها من مكان إلى آخر حتى وصل إلى مدينة (القاهرة) عن طريق الصحراء، وبمروره على قبيلة المغاربة ونزوله بإجدابيا تعرف عليه كثير من أهالي برقة البيضاء وشاع ذكره الطيب في عموم برقة، وتحسر الكثير لعدم رؤيته.. وكان وصوله إلى القاهرة متوسط عام 1238 هجري – 1823 ميلادي. إبان حكم (محمد علي باشا) مؤسس العائلة الخديوية بمصر .. فنزل في بعض أروقة الجامع الأزهر لكونه لم يظهر أمره بعد.. وفعلاً لم يشتهر إلا بعد اجتماعه بأستاذه السيد (أحمد بن إدريس العرائشي) وأخذ العلم عنه في مكة كما سيتضح فيما بعد .. ثم قام بزيارة شيوخه الذين كان قد أخذ عنهم العلم عام 1232 هجري – 1817 ميلادي كما تقدم ذكرهم.. وتردد على حلقات كبار المشايخ أولاً ثم أخذ عن بعضهم وبدأ يشاركهم في التدريس حُسبة لله.. وسمع به طلبة العلم .. فلم يتخلف أحدٌ ممن سمع به حيث وجدوا عنده ضالتهم التي ينشدونها وتغربوا من أجلها .. وبعد إقامته بمصر قرابة سنتين ونصف والى رحلته إلى مكة المكرمة عن طريق الحاجّ الصحراوية وبصحبته حُجاج عام 1241 هجري – 1826 ميلادي. فمر على المحطات الآتية: البركة والبويب ثم عجرد ثم النواطير الأول والثاني والثالث وكلها أنصاب في صحراء سيناء الرملية، فالعلوة، فجنادل حسن، فقرية نخل ثم بئر قريص، ويُقال لها بئر طابة ثم أيله وهي إيلات (مدين) (فالعقبة) فحقل ثم الشرفا فمغاير شعيب وعيون القصب ثم المويلح ثم سلمى فاصطبل عنتر ثم الوجّة فعكرة والحنك فالحوراء فالخضيرة فينبع البحر ثم الشعيفة فمستورة فرابغ فبئر الهندي ثم القضيمة فخليص فعسفان فقديد فمر الظهران فمكة المكرمة .. وما بين مكة ومر الظهران مقام أم المؤمنين سيدتنا (ميمونة الهلالية) رضي الله عنها في منتصف الطريق، وكذلك قبل دخول مكة بنحو خمسة فراسخ توجد قرية التنعيم وهي محل العُمرة بالنسبة لسكان مكة وهذا المكان هو الذي اعتمرت منه أم المؤمنين سيدتنا (عائشة ابنة أبي بكر الصديق) رضي الله عنها .. وما بين التنعيم ومكة محل يُسمى في الوقت الحاضر الشهداء وهذا المكان هو(فخ) الذي وقعت فيه مقتلة الحسنين (سلالة الحسن بن علي بن أبي طالب) أيام الخليفة (محمد الهادي العباسي) والتي بسببها فر السيد (إدريس الأكبر) ابن عبد الله الكامل إلى المغرب.. وكانت فاجعة عظيمة فني فيها الكثير من الحسنيين والحسينيين (سلالة الحسين بن علي رضي الله عنهم أجمعين).
(وصوله إلى مكة المكرمة)
كان وصول السيد محمد بن علي السنوسي إلى مكة المكرمة في النصف الأول من شهر ذي القعدة عام 1241 هجري – 1826 ميلادي. وكان السيد السنوسي قد نذر لله تعالى وقف نفسه الشريفة على خدمة الكعبة المشرفة إذا سخر الله له وعاد إليها تقرباً إلى الله تعالى وتواضعاً له ومجاهدة لنفسه الشريفة .. وكان عازماً على المضي في ذلك .. غير أن الله تعالى رفع قدره الشريف وهيأه لما هو أعم وأنفع .. ومن تواضع لله رفعه، فاجتمع بعد وصوله مكة المكرمة بنخبة العلماء والأولياء الجامع ما بين الطريقة والحقيقة مُربي المريدين ومُحي سنة جده الأمين ذي المدد النفيس السيد (أحمد بن عبد الله بن إدريس) رحمه الله.. فأخذ عنه وانقطع إليه بعد أن قام بوفاء نذره واشترك في خدمة الحرم الشريف بقدر ما يسر الله له.
(ولادة السيد الإمام أحمد بن إدريس و نشأته)
كانت ولادة هذا الحَبرُ العظيم عام 1163 هجري – 1750 ميلادي. ببلدة ميسور أو ببلدة العرائش التابعة لسلطنة فاس ومراكش وكان لهذا الإمام العظيم شأن كبير حيث نشأ أولاً في موقع رأسه الشريف "العرائش" وبعد أن ترعرع وحفظ القرآن العظيم وكثيراً من المتون ونال قسطاً وافراً من العلوم وبلغ العشرين من عمره انتقل إلى بلدة فاس عاصمة السلطنة المغربية إذ ذاك وانتسب إلى جامع القرويين بها، ومكث يطلب العلم أولاً ثم يدرِّس ثانياً نحواً من ثلاثين عاماً .. إلا أنه كان يرحل أحياناً أثناء دراسته هذه إلى بعض الشيوخ الكبار في بعض ملحقات فاس للأخذ عنهم، ولم يترك في زمنه أحداً من الشيوخ المعتبرين والذين عاصرهم إلا ورحل إليه وأخذ عنه العلم .. وهؤلاء شيوخه رضي الله عنه و عنهم.
(شيوخ الإمام أحمد بن عبدالله بن إدريس بفاس و بلاد المغرب)
أولهم الإمام المُحدث الكبير الشيخ محمد التاودي بن سودة المتوفي سنة 1209 هجري – 1795 ميلادي. والشيخ محمد أبو عبد الكريم الذهبي المتوفي سنة 1199 هجري. – 1785 ميلادي. والشيخ عبد القادر بن أحمد العربي بن شقرون المتوفي سنة 1216 هجري – 1801 ميلادي. والشيخ المجيدري الشنقيطي، وكان شيخه في السلوك أولاً ثم كان خاتمهم بفاس الشيخ الكبير عبد الوهاب التازي وهو الذي تمّ أمره وعلا شأنه على يده إذ كان عمدته في كافة مروياته، وكان الشيخ عبد الوهاب التازي - قبل أن يعرفه السيد أحمد بن إدريس - يحضر كمستمع في حلقة السيد أحمد بن إدريس وكان يعجبه صوته كما تعجبه طريقة تدريسه، وكان السيد أحمد بن إدريس يرجع في أموره ومشاوراته وسلوكه إلى الشيخ المجيدري الشنقيطي، وكان المجيدري تلميذاً للشيخ عبد الوهاب التازي .. وصادف أن عرضت مسألة للسيد أحمد بن إدريس فاستشار فيها شيخه المجيدري فقال له : حتى أشاور شيخي التازي .. فقال له السيد أحمد بن إدريس ألك شيخ أكبر منك؟ قال نعم! شيخي و عمدتي هو الشيخ عبد الوهاب التازي ، فقال له: إذن اجمعني به .. فأتى المجيدري إلى التازي و أخبره فقال له ذات مرة: ليأتيني... فجاءه الإمام أحمد بن إدريس وأخذ عنه العلم و انقطع له كلياً، وكان يلازم طريقة الحياء معه ولا يرفع صوته عنده .. فكان الشيخ التازي يقول له أحياناً: وين تلك الهدرة يا أحمد.. ويعني بذلك نبرات صوته لما كان يُدرِّس ببلدة تازة من بلدان المغرب الأقصى قرب حدود الجزائر، وكانت مدينة علم ورخاء ولا تزال كذلك. وبعد ملازمة السيد أحمد بن إدريس للشيخ عبد الوهاب التازي مدة مباركة قدر الله وتُوفي رحمه الله. وبعد وفاة العلاَّمة التازي لازم السيد أحمد بن إدريس الشيخ أبا القاسم الوزير، وكان من الصالحين الكبار وذوي المقامات العالية إلا أنه كان متستراً .. غير أن المدة لم تطل، فتوفي الشيخ أبو القاسم الوزير، وبعد وفاته عقد السيد أحمد بن إدريس العزم على التوجه إلى جهة المشرق والحجاز ليتزود بعلوم أكثر وليقضي فرضه ويتشرف بزيارة جده الأعظم سيدنا محمد وليهاجر إلى الحرمين الشريفين.
يتبع....
الشريف محمد أدهم
13-08-2008, 03:39 PM
(رحلة السيد أحمد بن إدريس من فاس إلى المشرق)
بدأت رحلته من فاس أواسط عام 1212 هجري – 1797 ميلادي. ومر في طريقه على الجزائر وتونس وطرابلس و بنغازي .. كل ذلك سيراً، وكان طريق البر من بنغازي إلى حدود مصر تَحُفُهُ المخاطر من بعض الأعراب المتحاربين.. لذلك قرر الركوب بحراً من بنغازي إلى الإسكندرية بعد أن مكث في بنغازي مدة من الزمن تعرف أثناءها على بعض العائلات وألقى دروساً في بعض مساجدها وأثنى على أهلها وعلى أهل الجبل الأخضر وبرقه وقال فيهم "هذه بلادنا.. فيها تحيا أورادنا.. حيها سعيد و ميتها شهيد .. طوبى لمن أراد الخير بأهلها وويلٌ لمن أراد الشر بأهلها" وكانت إشارته هذه إلى السيد محمد بن علي السنوسي حيث هو الذي أخذ عنه وهو خليفته الذي أحيا علومه وأوراده.. ثم أبحر من بنغازي عام 1213 هجري 1798 – ميلادي. بمركب شراعي إلى الإسكندرية، وعند وصوله إليها ونزوله بالجمرك كانت معه كُتبٌ ثمينة قيمة لا تُفارقه لحظة و لا يرضى بها بديلاً .. فجاء المفتشون بالجمرك وسألوه عنها وكانت الكتب داخل أكياس محكمة القفل لأجل الحمل في السفر، فقال لهم: هذه كُتُب..فأخذوا يطعنون الأكياس بأسياخ الحديد المجوفة وهو يصيح ويقول لهم "حرام ٌ عليكم لا تمزقوا كتبي" فلم يلتفتوا إليه .. عند ذلك رفع يديه إلى السماء وقال: يا رب.. جيب لهم النصارى .. أي سلط عليهم النصارى. وقد استجاب الله دعاءه فلم تنتهي تلك السنة حتى دخلها القائد الفرنسي نابليون بجيوشه سنة 1213 هجري – 1798 – ميلادي. واستولى على الإسكندرية وسواحلها .. وبعد وصول الإمام إلى القاهرة توقف بالأزهر مدة يسيرة قام خلالها بإلقاء بعض الدروس في جامع الأزهر .. فأُعجب به كل من حضره وسمع عنه .. و لذلك أخذ عنه شيوخٌ كثيرون، ورافقه بعضهم إلى الحجاز .. ودخل مكة آخر عام 1213 هجري – 1799 ميلادي. ومكث في الحرمين الشريفين ما بين مكة والمدينة والطائف قُرابة ثلاثين عاماً قضاها في التدريس ونفع العباد وإرشادهم إلى الطريق المستقيم ودعوتهم للعمل بما يوجبه عليهم دينهم الإسلامي الحنيف.. هذا وقد خرج الإمام بن إدريس من مكة قاصداً الصعيد بمصر لغير مرة .. قام خلالها بالدعوة إلى الله .. وأخذ العلم في الصعيد عن الشيخين الجليلين (حسن بن حسن الفنائي) و(محمود الكردي) .. ثم عاد إلى مكة المكرمة دون إقامة طويلة وإنما كانت جملة إقامته في الصعيد حوالي خمسة أعوام. ولم يبق خلال هذه الفترة عالم من علماء الحرمين الشريفين أو ممن يفد على الحرمين إلا وتتلمذ عليه وأخذ عنه .. وممن أخذ عنه الشيخ محمد بن عثمان المرغني "مؤسس الطريقة المرغنية" والشيخ إبراهيم الرشيدي مؤسس الطريقة الرشيدية والشيخ محمد حسن ظافر المدني الدرقاوي والشيخ محمد عابد سندي صاحب الأسانيد المُسمّاة "حصر الشارد في أسانيد محمد عابد" ومنهم الشيخ (محمد الصاوي الخلوتي) خليفة الشيخ "دردير" ومنهم العلامة عبد الرحمن بن سليمان الأهدل مفتي زبيد، ومنهم الشيخ عبد الرحمن بن أحمد البهكلي قاضي بيت الفقيه ومنهم أحمد بن عبدالله صائم الدهر ومنهم العلاّمة أحمد بن محمد الديلمي من قضاة زُبيد والشيخ سليمان بن أبي القاسم الأهدل والعلامة عبد الكريم العنسمي .. وغيرهم ممن لا يُحصون .. وتخرج على يديه أعلامٌ خدموا هذا الدين الإسلامي الحنيف – جزاه الله عن المسلمين خير الجزاء - وأثناء وجوده بمكة سنة 1218 هجري – 1803 – ميلادي. دخلها السعوديون وكانوا يطلقون عليهم "الوهابيون" لإتباعهم الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) داعية نجد، وكان أميرهم إذ ذاك الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود.. ثم خرجوا من الحجاز وبعد وفاة الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود عام 1220 هجري – 1805 – ميلادي. تولى ابنه الإمام سعود الكبير بن عبد العزيز بن محمد بن سعود ودخل الحجاز ثانياً عام 1221 هجري – 1806 – ميلادي. ومكث السعوديون بالحجاز سبع سنوات.. ثم حاربهم حاكم مصر (محمد علي باشا) بأمر من الحكومة العثمانية وأخرجهم عام 1228 هجري – 1813 – ميلادي. وكان أمير مكة إذ ذاك من الأشراف واسمه الشريف (غالب بن مساعد).
(دخول الأمير سعود بن عبد العزيز لمكة و لقائه السيد أحمد بن إدريس)
كان للسيد أحمد بن إدريس أتباع كثيرون..و كان بعضهم قد تصدى للرد والقدح في معتقد الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) فلما قدر الله وجاءت الجيوش السُعودية لاحتلال مكة، قال هؤلاء العلماء للسيد أحمد بن إدريس: أُخرج بنا من مكة لأنهم إن وجدونا بها بطشوا بنا، فقال لهم إنني لا آمر أحداً منكم بالخروج من مكة ولا أنهاه .. غير أني أقول لكم: من بقى فلن يلحقه إلا الخير إن شاء الله تعالى.., أما أنا فإني مقيم بمكة ولن أخرج منها.. فهرب بعضهم و بقي البعض الآخر .. وبعد وصول الأمير سعود ودخوله مكة، وقد كان شديداً ومتعصباً لمذهبه .. جاءه السيد أحمد بن إدريس حسب العادة للتهنئة والسلام عليه.. فقابله بن سعود بحفاوة بالغة وأكرمه إكراماً عظيماً وألبسه مشلحاً بيده ثم قال له: يا شيخ كنا أحق بزيارتك وما كنت لتكلف نفسك.. ثم اصدر أوامره إلى كافة حاشيته بعدم التعدي على أحدٍ من أتباع السيد بن إدريس.. كما عفا عن أصحابه الذين كانوا يطعنون في معتقد الشيخ (بن عبد الوهاب) وكان الإمام سعود الكبير هذا قد أمر بتقتيلهم من قبل ولو وجدوا متعلقين بأستار الكعبة .. فعفا عنهم وحقن دماءهم .. وهذه سجايا آل سعود ومكارم أخلاقهم التي ورثوها عن أوائلهم وهي العفو عند المقدرة وألا يؤاخذ المسيء بإساءته، وقبول عذر المعتذر مهما كان ذنبه .. وبذلك مكن الله لهم في البلاد وسخر لهم القلوب والعباد، والله لا يضيع من أحسن عملا.. فتعجب الناس لهذا التسخير الإلهي.. ثُم إن السيد أحمد بن إدريس أمر أتباعه بعدم المجادلة أو المناظرة مع أي إنسان .. وإذا سُئلوا عن أي قول أو مذهب يقولون: لا إله إلا الله فقط. وصار هذا ديدنهم مدة وجود السعوديين بمكة وهي الفترة من 1121 هجري – 1709 ميلادي. إلى غاية عام 1228 هجري – 1813 – ميلادي.
يتبع....
الشريف محمد أدهم
13-08-2008, 03:40 PM
(عود إلى رحلة السيد محمد بن علي السنوسي)
بعدما أن وصل مكة واستقر بها كما تقدم ذِكره أي آخر عام 1241 هجري – 1826 ميلادي. وأخذ العلم عن السيد أحمد بن إدريس وانقطع إليه إنقطاعاً كلياً بظاهره وباطنه.. وامتزجا امتزاجاً روحياً كاملاً.. فقد صارح السيد (أحمد بن إدريس) كافّة أتباعه و تلاميذه بأنه خلف عنه تلميذه الوقور السيد (محمد بن علي السنوسي) وأنابه عنه في حالة حضوره وغيابه وموته وحياته .. وصار يقول لهم: ابن السنوسي أنا وأنا ابن السنوسي فمن تبعه تبعنا ومن خالفه خالفنا. وكان هذا التصريح يحرك غيرة بعض تلاميذه ويثير منافستهم في مناسبات كثيرة. وفي عام 1242 هجري – 1827 ميلادي. عَنَّ للسيد أحمد بن إدريس الخروج من مكة إلى جهة اليمن حيث كثر تلاميذه و أتباعه بها، وقد أكثروا من إلحاحهم على سيادته لزيارة بلدانهم و وطنهم لنشر علومه بها، فكان يستخير الله في ذلك مرات عديدة .. فرأى من الإشارات ما يشجعه على السفر، وفعلاً تجهز وخرج من مكة بعد أن مكث بها بما تقدم ذكره.. وبعد أن ترك في الحرمين الشريفين آثاراً خالدة إلى يوم القيامة وكوَّن رجالاً خدموا الدين الإسلامي خدمة صحيحة مفيدة، وكان الإمام (بن إدريس) كثير الزواج كما كان الناس يتبركون و يتشرفون بمصاهرته، ولقد أنجب كثيراً من الأولاد غير أنهم كانت لا تُكتب لهم الحياة.. وقد سمعت من أستاذي المجاهد العظيم (أحمد الشريف السنوسي) قوله: دفن السيد (أحمد بن إدريس) في مقبرة المُعلا بمكة ستين ولداً ذكراً من صُلبه.. ولم يعش له إلا السيد محمد الملقب بالغوث والمولود ببلدة الطائف عام 1218 هجري – 1803 ميلادي. وفي آخر حياته رُزق بولد سماه (عبد العال) وثالثاً صغيراً أسماه مصطفى و قد توفي صغيراً. ولما عزم السيد أحمد بن إدريس على الخروج من مكة إلى اليمن تعلق به أتباعه و معظم تلاميذه ومنهم الإمام محمد بن علي السنوسي ..و ساروا معه مراحل حتى وصل إلى بلدة الليث التي تبعد عن مكة أربع مراحل جهة اليمن فتوقف فيها و جمع تلاميذه المتعلقين به من الحجاز و غيره وقال لهم : ابن السنوسي منا ونحن منه وهو خليفتنا والقائم مقامنا .. فمن أراد منكم أن يرجع معه فليرجع، ومن له القدرة على السفر وأراد مرافقتنا فليفعل.. ثم أمر خليفته (محمد بن علي السنوسي) بالرجوع إلى مكة وأمره أن يقوم مقامه في كل ما له وعليه من نشرٍ لدعوته وتعليم تلاميذه .. ثم أهدى له جارية حبشية هي السيدة (خديجة الحبشية) رحمها الله والتي أنجب منها أربعة عشر ولداً ذكراً ولكنهم لم تُكتب لهم الحياة حيث كان أغلبهم يولد سقطاً و كلهم مدفونون بمقبرة المعلا بمكة المكرمة. وكانت من الصالحات القانتات، وكانت ترافق السيد السنوسي في أسفاره وتتحمل المشاق في خدمته وتمريضه ولم تفارقه لا في سفر ولا في حضر حتى سفره الأخير إلى برقة حيث أبقاها في المدينة المنورة والتي توفيت بها؛ وكانت السيدة خديجة هذه قد بشرت السيدة والدة (محمد المهدي السنوسي) وشقيقه (محمد الشريف السنوسي) بأنها سوف تنجب وقالت لها: إني رأيت في المنام زوجي ابن السنوسي وقد أعطاني سوارين من ذهب وأعطاكِ سوارين من فضة .. فعرفت أنّ من تنجبيه يفُضُ ويكبر .. وأن ما أنجبه أنا يذهب.. وفعلاً كان ذلك بأمر الله، وقد كان من صفاتها أيضاً أنها كانت حادة المزاج سريعة الإنفعال مُستجابة الدعوة.
نعود إلى رحلة السيد محمد بن علي السنوسي، فبعد أن ودع شيخه السيد أحمد بن إدريس رجع إلى مكة مع من رغب الرجوع من الإخوان، وعند وصوله مكة بدأ سيره وعمله على نهج أستاذه وهديه وطريقه حذو القذة بالقذة دون زيادة أو نقصان و نزل في وسط جبل أبي قبيس حيث كان شيخه نازلاً ... بعد ما نزل السيد السنوسي في وسط جبل أبي قبيس الذي كان خالياً من البيوت والسكان.. كان سكناهم في عُشٍ من القش والجريد والخوص .. وقد أرهقهم الحر والمطر والبرد.. لذلك استخار الله تعالى في إقامة بناءٍ لأنهم كانوا يتحاشون إقامة المباني في الأماكن المرتفعة فوق سطح الكعبة المعظمة .. فرأى رضي الله عنه ما يشرح صدره للبناء.. فشرع في بناء المسجد بمساعدة إخوانه وتلاميذه في آخر عام 1243 هجري – 1828 ميلادي. كما أقام بجوار المسجد خلوات للإخوان الغرباء والمنقطعين من طلاب العلم و قد سُمِّيَ هذا المسجد وما يتبعه بزاوية جبل أبي قبيس وهي أول زاوية أسسها الأستاذ الإمام محمد بن علي السنوسي.
(إمارة الأدارسة باليمن .. و علاقتها بالحركة السنوسية)
غادر الإمام (أحمد بن إدريس) الحجاز في سفينة شراعية عام 1242 هجري – 1826 ميلادي. نحو اليمن لنشر الدعوة الإسلامية وتوعية المسلمين بأمور دينهم .. وخلال أربعة أعوام لم يترك الدروس والوعظ والإرشاد يوماً واحداً ...حتى عمَّ نفعه للخاص والعام، وكان يقوم أيضاً بدور الإصلاح بين القبائل المتنازعة .. وأثناء ترحاله لنشر العلم والدعوة إلى الله؛ حط رحاله ببلدة (أبي عريش) وكان أمير تلك المنطقة هو الشريف (علي بن حيدر بن حمود ) من الأشراف، فأكرم نُزُل السيد (بن إدريس) وهيأ له كل أسباب الراحة والإستقرار. ولذلك آثر الإقامة في بلدة (صبيا) بالقرب من أبي عريش، وهناك اجتمعت عليه أممُ كثيرة، ولقد غلب الجهل بالدين والشرع على أكثر أحوال تلك الجهة، ولم يبق لهم من الإسلام إلا اسمه ومن المصحف إلا رسمه .. ولذلك كرس الإمام بن إدريس جهوده في المساجد والمجتمعات وفي بيته حتى كونَّ نخبة مباركة ً من طلاب العلمِ حملوا الأمانة من بعده عملاً بكتاب الله وبالتي هي أحسن ... وهناك وفد إليه تلميذه وخليفته (محمد بن علي السنوسي) من مقر إقامته بمكة مراراً .. وكان يُرتب له قافلةً من مكة تخرج على رأس كل شهر تحمل للشيخ بن إدريس ماء زمزم و كل ما هو ضروري لسيادته طيلة مُكثه في (صبيا ) والتي دامت تسعة أعوام، وقد كانت وفاة الإمام (بن إدريس) في (صبيا) سنة 1253 هجري – 1837 – ميلادي. ولم يحضر السيد محمد بن علي السنوسي وفاة شيخه السيد (أحمد بن إدريس) وبعد وفاته رجع من كان معه من الإخوان إلى مكة. وممن لحق بالإمام السنوسي بمكة ورافقوه في رجوعه إلى برقة و لازموه مدة حياته الشيخ محمد الشقيع ومحمد بن عبد الله السٍني وأحمد أبو القاسم التواني والشيخ عمر بو حوا الأوجلي. ثم استمر أحفاد الإمام أحمد بن إدريس في نشر العلم الشرعي.
الشريف محمد أدهم
13-08-2008, 03:42 PM
http://www.libya-al-mostakbal.com/Books/mohammad_ben_ali_aledreesi.jpg
الأمير(محمد بن علي الإدريسي)
مؤسس إمارة الأدارسة باليمن
و لقد برز منهم على الساحة السياسية السيد (محمد بن علي الإدريسي) مؤسس إمارة الأدارسة باليمن .. فقد اشتغل بطلب العلم في (صبيا باليمن) ثم انتقل إلى الأزهر بالقاهرة وأتم فيه دراسته الشرعية، ثم ارتحل إلى واحة الجغبوب بليبيا ومنها إلى الكُفرة حيث إقامة الإمام (محمد المهدي السنوسي) فزاره بها ومكث عنده مدة يتتلمذ على يديه.. ثم عاد إلى صعيد مصر حيث زار أبناء عمومته آل السيد (عبد العال الإدريسي) بمنطقة (الزينية) ثم كانت عودته إلى مسقط رأسه باليمن عام 1323 هجري – 1905 – ميلادي. وكانت عودته بطلبٍ مُلحٍ وسريع من والده ومُريديه ومُحبيه وشيوخ القبائل .. وبعد وصوله بقى مع والده قرابة عامٍ ونصف، ثم تُوْفي والده (علي بن محمد بن أحمد بن إدريس). قام بعد ذلك السيد محمد مقام والده بالدعوة إلى الله والإرشاد .. فغار منه الأتراك الموجودون بمنطقة (جيزان وعسير والحُدَيدة) وأرادوا الكيد به وإلقاء القبض عليه ومن ثَمَّ إرساله إلى استانبول مركز الخلافة .. فحال دونه أهل تِهامة قاطبةً وحاربوا الأتراك حتى أجلوهم من تلك الجهة ... وأقاموا السيد (محمد بن علي الإدريسي) أميراً عليهم، وبذلك تأسست الإمارة الإدريسية وتوسعت حتى بلغت نجران والحُدَيدة وعسير .. وحتى قُرب منطقة القُنفدة من ناحية مكة .. ولذلك تضايق من اتساع نفوذ الإمارة الإدريسية كل ُمن إمام اليمن وأمير مكة .. هذا وقد استمرت إمارة الإمام (محمد الإدريسي) أربعة عشر عاماً ثم كانت وفاته سنة 1341 هجري – 1923 – ميلادي. فتولى إبنه الأكبر (علي بن محمد الإدريسي) وبقي في الإمارة ثلاثة أعوام ..ثم تنازل لعمه (الحسن بن علي الإدريسي) والذي استمرت إمارته سبعة أعوام.. ثم ما لبثت إمارة الأدارسة في اليمن أن اضمحلت بعد عدة عوامل يطول شرحها ويضيق بنا المقام لسردها.. فهاجر بعدها السيد (الحسن الإدريسي) وكافة العائلة الإدريسية باليمن إلى مكة وهم الآن مقيمون بها وهم فَرْعُ السادة الأدارسة باليمن. نفع الله بهم وجعلهم شجرة صلاح وفلاح مباركة إلى يوم الدين.
يتبع....
الشريف محمد أدهم
13-08-2008, 03:43 PM
( الزواية السنوسية تنطلق من الحجاز إلى ليبيا )
( تأسيس زاوية جبل أبي قبيس و بقية زواية الحجاز)
بعد أن شرع الإمام محمد بن علي السنوسي في تأسيس زاوية أبي قبيس بمكة و أتمها، تصدر فيها للإفادة والنفع العام فافتتح دروساً في شتى العلوم .. وبذلك أضحت زاوية أبي قبيس كعبة طلاب العلم الشرعي ورواده، ووفد إليه طُلاب العلم من مختلف البلدان الإسلامية .. وكانت دروسه مقسمة للمبتدئين وحفاظ القرآن، و قسمٌ لمن درجوا وقطعوا مراحل في طلب العلم الشرعي، ولذا فقد كان الإمام السنوسي رحمة شاملة لأصناف طبقات الأمة ... كما كانت له دروس عامة في الوعظ والإرشاد إلى عبادة رب العالمين بالطريقة السليمة المستقيمة بلا شائبة زيغ أو إلحاد أو حظ نفسي. بل لقد سلك طريق جده المصطفى – صلى الله عليه وسلم – والتي كان عليها هو وأصحابه – رضوان الله عليهم أجمعين – وكان الإمام السنوسي يُحذر وينهى أشد النهي عن الشعوذة والضلالات .. وكان كذلك يَحُضُ أتباعه على العمل والكسب بعرق الجبين، ويحذرهم من الركون للراحة والبطالة والتطلع إلى ما في أيدي الناس " وهذه التوجيهات كانت تمثل أقوى دعائم نجاح عمل وآليات الحركة السنوسية وتميز أفرادها (لإخوان السنوسيين) إذ كانت كل زاوية بمثابة خلية نحلٍ الكل يعمل بنشاط دؤوب لا كلل فيه .. فبعد طلب العلم الشرعي هناك تعلم الحرفة لطلب الرزق أو الإتجار للإستغناء عن الخلق .. ومن هنا كانت حيوية الدعوة السنوسية تؤهلها لتكون حركة إسلامية تدفع نحو أفق الدولة لا محالة".
(تأسيس الزاوية السنوسية بالطائف)
كان الإمام السنوسي في هذه الأثناء يتردد بين الحرمين الشريفين وبين الفينة والأخرى يزور مدينة (الطائف) حيث كانت إقامته الصيفية بها، وهناك أسس زاويته ما بين عام 1254 – 1254 هجري – 1837 – 1838 – ميلادي. وكان محل هذه الزاوية حيث ركز فيه سيدنا محمد – صلوات الله عليه – رايته حينما فتح الطائف بعد وقعة حُنين؛ ولقد امتزج أهل الطائف بالإمام السنوسي من خلال هذه الزاوية .. ولقد أخذ عنه العلم من أهلها كثيرون، ومن أبرز طلابه في الطائف الشيخ محمد البكري و أخوه أحمد بن صادق البكري، وكذلك الشيخ (حامد بن محمد غانم خيره) وكان أُمياً ففتح الله عليه ببركة إخلاص نيته وجِده واجتهاده، فتعلم قراءة القرآن والكتابة؛ ولما سافر الإمام السنوسي إلى ( برقة ) بليبيا - حيث كانت سفرته الأخيرة – كان الشيخ حامد نائباً لمسئول الزاوية وهو الشيخ (محمد بن إبراهيم الغماري الكبير) وبعد وفاة الشيخ الغُماري ..أصبح الشيخ حامد هو خليفة الإمام السنوسي بالأصالة . ولقد كان مثالاً للصدق والأمانة والإخلاص والنزاهة." وهذه أيضاً من عوامل نجاح دور الزواية السنوسية (معادن الرجال) وحُسن اختيارهم. (*) ثم بعد وفاة الإمام السنوسي أبقى السيد محمد المهدي السنوسي (الشيخ حامد) مسئولاً على زاوية أبي قبيس حتى عام 1303 هجري – 1886 – ميلادي . حيث توفاه الله بالمدينة المنورة؛ فعين الإمام محمد المهدي السنوسي ابن الشيخ حامد المُسمى – محمد السنوسي – خليفة بدل والده. فقام بهذه الخلافة خير قيام ووسع نطاق الأوقاف العائد للزوايا بمكة وجدة والطائف وكثر في عهده (الإخوان السنوسيون) إذ كان مؤلفاً بينهم و مصلحاً بحق وعفيفاً ورِعاً .. ومما يدل على كمال دينه وورعه ما ذكره في ثنايا وصيته من أنه " لا يملك قليلاً ولا كثيراً وليس له حق في أي شيء يتعلق بالوقف السنوسي وأن كل ما أسسه من مباني أو مزارع وملحقاتها فهو مِلكٌ السيد محمد المهدي وأخيه السيد محمد الشريف السنوسي ووقفٌ عليهم وليس له إلا ثوبٌ يلبسه أو لُقمة يأكلها انتهى. وكان رحمه الله تعالى يُكثر التردد على واحة (الجغبوب) ثم في سنة 1320 هجري – 1902 – ميلادي. توجه من الحجاز قاصداً - بلدة (الكُفرة) الواقعة جنوب برقة – لغرض زيارة السادة السنوسية .. فعاجله القضاء والقدر وتوفاه الله بها.. فعظم مصابه على السادة السنوسية والإخوان السنوسيين.
(الأمير عبد القادر الجزائري في ضيافة الإمام السنوسي)
في عام 1242 هجري – 1827 – ميلادي. قدم إلى الحج بطل الجزائر الأمير عبد القادر في صُحبة والده السيد (محي الدين بن عبد القادر الحسيني) وهم من آيالة وهران التابعة للجزائر. كان عمر الأمير عبد القادر حينذاك تسعة عشر عاماً حيث كانت ولادته عام 1223 هجري – 1808 ميلادي. وكان بين الفقيه (محي الدين الحسيني) والسيد (محمد بن علي السنوسي) معرفة سابقة بالجزائر .. فقام والد الأمير عبد القادر بزيارة الإمام السنوسي في زاويته بجبل أبي قبيس ومعه ابنه عبد القادر..فأكرمهما الإمام السنوسي وقدم لهم وجبة من (الكسكسي) وجلس معهم على المائدة غير أنه لم يأكل لمرض ألّمّ به ، فوجه نظره إلى الأمير عبد القادر وصار يعقد أصابعه و يعد اللقم التي يأكلها فأكل الأمير أربع عشرة لُقمة ثم رفع يده عن الطعام فقال له الإمام السنوسي: زد فقال لا أستطيع فكرر له القول وهو يعتذر و يقول لا أستطيع، فقال له الإمام : يا ودِّي زيد... يزيدوك - أي يا ولدي زد زادك الله - فقال: لا أستطيع. فرد عليه الإمام السنوسي قائلاً : هذا الذي كتبه الله . ولكن الأمير لم يفطن لهذه الإشارة ولم يلقِ لها بالاً كما لم يعرف المعنى !! هذا وقد كانت الإشارة من الإمام السنوسي للمدة التي سيحكمها الأمير، وهذا من قبيل الإلهام والكشف الذي يمن الله به على من يشاء من عباده. ولما فرغ الأمير عبد القادر وأبوه من أعمال الحج وأتما الفريضة عام 1243 هجري – 1828 ميلادي. وعزما على العودة إلى الجزائر.. قام الإمام (محمد بن علي السنوسي) يودعهما وقال مُخاطباً الفقيه (محي الدين عبد القادر الحسيني): إن الدين الإسلامي يُحتم على كل مسلمٍ بأن يُدافع عنه بقدر استطاعته ويُحرِّم على المسلمين الاستسلام للعدو الغاصب المعتدي والمنتهك لحرمات الدين والإسلام والمُعطِل لأحكام الله؛ وإني أستوصيك بولدنا عبد القادر هذا خيراً فإنه ممن سيدافع عن حرمات الإسلام ويرفع راية الجهاد .. فكان هذا سبباً في ‘يجاد روح الجهاد والمقاومة فيهما وتفكيرهما في كل ما أوصاهم به السيد السنوسي. وقد صدقت فراسة الإمام السنوسي فلم يمض عام على وصول الأمير عبد القادر وأبيه محي الدين حتى استولى الفرنسيون على مدينة الجزائر العاصمة .. فكانت البيعة للشيخ (محي الدين الحسيني) أولاً ثم بويع للأمير عبد القادر ابن محي الدين الجزائري عام 1248 هجري – 1832 ميلادي. فقام بتنظيم الجيوش وتقدم إلى ساحات الوغى حيث أحرز انتصارات باهرة خاصة في مدينتي وهران ومستغانم ولذلك اضطرت فرنسا إلى عقد عدة اتفاقيات للهدنة .. ثم ما لبثت الحرب أن اشتعل أوارها من جديد .. ولم تستطع فرنسا أن تكسر شوكة الأمير عبد القادر الجزائري إلا بالدسائس وتحريض سلطان المغرب وتهديده.. فأرسل جيشاً قوامه خمسون ألف محارب ، فوقعت ما بين الفريقين حروب طاحنة ضاع فيها مع الأسف خلق كثير من الجانبين الجزائري و المغربي!!! مما اضطر الأمير للتفاهم مع فرنسا على إنهاء حالة الحرب بينهما. وبذلك تمت مقاومة الجهاد التي دامت سبع عشرة سنة كان اللواء لوالده الفقيه (محي الدين) لفترة سنتين ونصف، وبعدها كان اللواء بيد المجاهد البطل الأمير (عبد القادر الجزائري) لفترة أربعة عشر عاماً ونصف حيث تم بعدها التسليم سنة 1261 هجري – 1845 ميلادي.. ولله الأمر من قبل ومن بعد. وكان من بنود المعاهدة أن ينتقل الأمير عبد القادر الجزائري بكامل عائلته إلى مدينة (طولون) بفرنسا. وبعد إقامته بها خمس سنوات سمحت له الحكومة الفرنسية بالسفر إلى استانبول ومنها إلى (بروسه) بتركيا فأقام بها مدة سنتين .. ثم توجه إلى دمشق الشام سوريا حيث أقام بها بقية حياته حتى وافته المنية سنة 1299 هجري – 1883 ميلادي. بعد أن عاش من العمر خمسة وسبعين عاماً... عليه رحمة الرحمن وجزاه الله على جهاده خيراً وأسكنه أعالي الجنان آمين.
يتبع....
الشريف محمد أدهم
13-08-2008, 03:46 PM
(التعريف بحقيقة الزوايا السنوسية)
السنوسية علم وعمل... دعوة وتربية و جهاد
في الحقيقة أن الزوايا حسبما هو معروف في لغة العرب (هي ملتقى كل رُكنين) وزاوية كل شيء تعني رُكنه وجمعه زوايا وزوايا كل شيء أركانه ، مثلما أُحدثت الملاجئ في العهدين الأُموي والعباسي وأصبحت معروفة ومبذولة بكثرة، ولقد أوجدوا بداخل هذه الملاجئ أماكن للغرباء والفقراء والمنقطعين .. وخصصوا لهم معلمين يعلمونهم القرآن وشيئاً من العلوم بصفة مشجعة لطلب العلم .. واشترط أصحاب هذه الملاجئ أنَّ الساكن بها لا بُد وأن يكون من طلبة العلم .. ومع الوقت تغيرت أسماء الملاجئ إلى مدارس وأصبحوا يطلقون عليها مدارس. ولا تزال بعض هذه الأماكن معروفة بهذا الاسم إلى تاريخه في عموم بلدان المسلمين وأغلبها في دمشق ومصر ومكة والمدينة .. ثم تطورت هذه المدارس وكثُر بها الطلبة وسُميت بأسماء الشخصيات الكبيرة التي أسستها، وهذه الشخصيات لها شأنها العظيم من العلم والصلاح والزهد.. كما أصبح لأتباع هذه الشخصيات زيُ مخصوص في أوقات مخصوصة بكيفية مخصوصة، وعُرِفوا بالسادة الصوفية جمع صوفي والصوفي معناه حسب الإصطلاح (هو ذاك الرجل العابد الزاهد في الدنيا وشهواتها والمنقطع لعبادة الله والمشتغل بما يقربه لربه ويبعده عمَّا لا يرضاه و يسعد به في الآخرة). وطبعاً حسب رسوخ هؤلاء السادة في العلم الشرعي وصلاحهم ومكانتهم أصبح لهم أتباعٌ يُعرفون باسم الشخصية التي اختاروها واتبعوها. وكما هو معلوم أن المذاهب الفقهية عند المسلمين محدودة والمعتمدة المتفق عليها أربعة (الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي) لذلك لم يستطع الأتباع أن يتسموا باسم المذهب الفقهي .. فاصطلحوا على اسم جديد وهو الطريق (أي طريق فلان) ومعناه "طريقة سلوكه في عبادته وزهده وتعليمه وإرشاده" وأصبح معلوماً لدى عموم المسلمين أن أتباع أي شخص هم أهل طريقته .. ثم اصطلحوا على تسمية المدرسة التي يجتمعون بها ويتعلمون فيها العلم الشرعي ويقيمون فيها أذكارهم وأورادهم (بالزاوية) وعادة تكون الزاوية هي مقر صاحب الطريقة ومقر من يقوم مقامه .. ومع الوقت تطورت هذه الزوايا حتى أصبحت أماكن معروفة للضعفاء والعجزة والمنقطعين والمتطلعين إلى حسنة المحسنين باسم الدين ويغلب عليهم الجمود والكسل.. وربما يظنون أن هذا مما يوجبه الدين لإسلامي !!! وطبعاً لا يقول بهذا إلا الجهلة والراكنون إلى الكسل والبطالة.
(حقيقة الطريقة السنوسية وأصولها)
أما حقيقة الطريقة السنوسية عند السادة السنوسية فهي كما قال مؤسس الطريقة السيد الإمام محمد بن علي السنوسي حيث قال : طرقتنا الكتاب والسنة أي القرآن والحديث وهي مبنية على ثلاثة أصول.
1 – تعلم العلم و تعليمه.
2 – إرشاد العباد لرب العباد ودعوتهم إليه.
3 – الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته .(*)
وكان الإمام السنوسي يأمر أصحابه ومريديه و متبعيه بالجد والإجتهاد والمثابرة على العمل وترك التكاسل والكسل .. وكان يقول لهم : الكيمياء في سكة المحراث .. ويقول أيضا: الإسلام قولٌ وعملٌ .. والمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وكان يأمر أصحابه ويحتم عليهم بعد تلقيهم العلم الضروري أن يتعلموا أنواع المهن والحِرَف وكيفية الإشتغال بها .. فكان بين أتباعه العلماء الفطاحل والبناؤن الحاذقون والنجارون والخياطون والخرازون والحدادون والمزارعون .. وكان من بينهم أيضاً من يُحسن عمل البارود وأنواع الأسلحة وكيفية إصلاحها .. وفيهم من يجيد عمل السيوف وأنواع آلات السلاح الأبيض .. وبإختصار كانت الزاوية السنوسية بالمعنى الصحيح في كل مكان عبارة عن (وحدة كاملة صغيرة) تحتوي على عموم المستلزمات لحياة الإنسان في دنياه ودينه .. ولذلك عندما قامت الحرب بين السنوسيين والفرنسيين في السودان "قرو – تشاد" وأخيراً مع الطليان في ليبيا .. وجدت الدولتان (فرنسا وإيطاليا) أهل ليبيا على عمومهم جنوداً مجندة مُسلحة بكل ما يلزم وهم يحسنون استعمال أنواع الأسلحة والآلات الحربية ..كما أنهم يتقنون ركوب الخيل ويعرفون فنون المهن الضرورية لهم .. وبذلك استطاعوا المقاومة والصمود أمام عدوهم القوي والمدجج بكافة أنواع السلاح حتى "سلاح الطيران الذي أستخدم لأول مرة في التاريخ" ومع ذلك صمدوا لمدة أثنين وعشرين عاماً مع قلة عددهم وعتادهم أمام قوات الأعداء المؤلفة والمزودة بأحدث آلات الحرب المدمرة من طيارات ودبابات ومدافع ورشاشات ...
ومن هنا يتضح للقارئ الكريم أن (الشخص السنوسي) معناه هو "ذلك الأخ المتعلم والعامل بعلمه ... الداعية الحركي المحترف والمجاهد في سبيل الله. وفي حقيقة الأمر إن السنوسيين لم يأتوا بجديد في دين الإسلام، كما أنهم لم يخرجوا عن كونهم إخوان مسلمين يعملون بأوامر دينهم الحنيف ويطبقونها فعلياً: فهم للصلاة المفروضة مقيمون في أوقاتها وللزكاة هم مؤدون للسائل والمحروم وللعلم هم به آخذون وبه يعملون وهم يعدون العُدة لدفع العدو الصائل المعتدي الغشيم (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) ويأكلون من عرق الجبين وما كسبت أيديهم (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) ويذكرون الله صباح مساء (والذاكرين الله كثيراً والذاكرات) وذكرهم تلاوة القرآن وحفظه عن ظهر قلب والعمل بأوامره وإجتناب نواهيه. هذه حقيقة الفرد السنوسي وحقيقة الزاوية السنوسية أينما وُجِدَت.
(استجابة الإمام السنوسي لداعي الجهاد في الجزائر)
بعد تأسيسه لزاوية الطائف .. تاق الإمام (محمد بن علي السنوسي) للمساهمة في دفع "الصائل الغاشم الفرنسي" عن أرض الجزائر الإسلامية مدفوعاً بالغيرة الإسلامية والحمية الدينية .. فعقد النية لخوض غمار الجهاد المقدس .. فأحضر الإخوان (السنوسيون) وأخبرهم بعزمه قائلاً لهم: من رغب مرافقتنا فليجهز نفسه، ومن أراد جوار الحرمين فله الإذن ولا حرج عليه .. وهذه زاويتنا وبها خليفتنا (الشيخ عبد الله التواتي) - وهو أول شيخ تولى مسئولية زاوية أبي قبيس من بعد المؤسس ابن السنوسي .. ثم توجه الأستاذ السنوسي وبصحبته عدد كبير من (الإخوان السنوسيون) وذلك آخر عام 1255 هجري - مارس 1840 ميلادي. حسبما هو مدونٌ في مذكرات مرافقه الشيخ (محمد صادق البكري) والذي تولى فيما بعد مسؤولية زوايا الجريد بتونس . فتوجه الإمام السنوسي من مكة إلى المدينة المنورة ثم إلى القاهرة و كان قد ذاع صيته في كافة الأمصار الإسلامية، فلما حل بالقاهرة ونول بالجامع الأزهر .. وفد إليه الوفود من طلبة العلم الشرعي من مختلف طبقات الأمة .. وطلب منه بعض شيوخ الأزهر إسماعهم بعضاً من دُررِِ علومه النافعة، فعقد لهم عدة محاضرات ومجالس للعلم.. وفي أثناء إحدى دروسه وقف أحد كبار شيوخ الجامع الأزهر وقال مخاطباً العلماء: أنصتوا أيها العلماء .. فقد حل بين أظهركم إمام الأمة المحمدية ونبراس الشريعة المُطهرة وشمس المعارف الإلهية ألا وهو الشيخ (محمد بن علي السنوسي) - وهذا القول مثبت حرفياً في مخطوط الرحالة التونسي (محمد بن عثمان الحشائشي) والمحفوظ بدار الكتب المصرية - هذا ولقد حاز الإمام السنوسي رضا الجميع عدا شخص واحد وهو الشيخ (عُليش المالكي) والذي رأى في شخص السنوسي منافساً له ونجماً سطع نوره .. فوقعت الغيرة في قلبه !! وأثناء تواجد الإمام السنوسي بالقاهرة كانت صحته معتلة وكان لا يأكل شيئاً سوى شراب من الحليب صباحاً ومساءً فقط .. وكان الذي يقوم على خدمته أحد تلامذته - وهو طالب علم تركي - كان يقدم له كأس الحليب .. فأغواه الشيطان من الإنس أو الجن فوضع له السُمَ في الحليب !!! فما أن شرب الكأس حتى سقطت جميع أسنانه .. واشتد به ألم السُم حتى تدهورت صحته وأشرف على الهلاك. وأخيراً منَّ الله عليه بالشفاء بعد الإسعاف والعلاج إلا أن تداعيات المرض قد أصابته بأوجاع مزمنة في العظام وطفح جلدي كان يظهر عليه سنوياٌ بعد هذه الجريمة.. ثُم أرسل الإمام السنوسي في طلب الشيخ (عبد الله التواتي) من مكة، وعزم على السفر إلى الجزائر .. فاتخذ طريق الصحراء ماراً بواحة (سيوة) ثم واحة (جالو) و قد كان الشيخ (عمر بو حوا الأوجلي) في صحبة ابن السنوسي .. ثم انتقلوا إلى واحة (أوجلة) لزيارة صاحب رسول الله ( عبد الله بن سعد بن أبي السرح) وقد تعرف أهل أوجلة على الإمام السنوسي من قبل حيث مر بهم عام 1238 هجري - 1823 - ميلادي. ففرحوا بمقدمه فرحاً لا يكاد يوصف خاصة أن أوجلة هي بلدة الشيخ (عمر بو حوا) وبعد أسبوع توجه إلى برقة فنزل على نجع عائلة (اللواطي) من قبيلة العواقير فأكرموا نُزله ثم رافقوه إلى منتجع قبيلة المغاربة حيث شيخ قبيلتها (علي لطيوش) والذي تشرف بمعرفة السيد السنوسي من قبل وذلك خلال سفره الأول قاصداً مصر والحجاز. وبعد كرم الضيافة الحاتمي .. رافق الشيخ (علي لطيوش) الإمام السنوسي إلى منطقة (الهيشة) ما بين (سرت) ومصراتة .. وهناك استقبله (آل المنتصر) ومعهم أعيان مصراته ... ولم يلبث طويلاً بمصراته حيث غذى السير إلى (زليتن) ومنها إلى (طرابلس الغرب) حيث نزل سراً عند تلميذه ومُحبه (أحمد باشا المنتصر) ثم سافر إلى (زواره) ودخل الحدود التونسية - وكانت حكومة فرنسا الملعونة - تتتبع تحركات الإمام السنوسي وتنقلاته بإهتمام بالغ !! حيث أوعزت للحكومة العثمانية أن هذا الرجل مثير وله أتباع وأهداف تضر بمصلحة الحكومة التركية والخلافة !! ولا يُؤمن تحريضه للأهالي وقيامه بالدعوة ضد الحكومة التركية .. ولقد أزعجت هذه التقارير الزائفة حاكم ولاية طرابلس (علي عشقر باشا) كما قامت فرنسا أيضاً بإخطار حاكم تونس وطالبته بضرورة منع الإمام السنوسي من الوصول إلى الجزائر.
يتبع
الشريف محمد أدهم
13-08-2008, 03:48 PM
(بلدة زوارة شريان متدفق لروح الجهاد الجزائري)
عند وصول الإمام السنوسي الجدود التونسية أبلغته قوات الحدود بحظر سفره إلى الجزائر وخيرته بين العودة من حيث جاء أو البقاء في الأراضي التونسية، فاضطر للمكوث في (قابس) مدة ثم خرج منها إلى بلدة (مطماطة) ثم عاد إلى مدينة (زواره) ليتمكن من تواجده بها من الوقوف على أخبار المقاومة والجهاد في الجزائر ضد المحتل الغازي الفرنسي .. وقد أخذ يشحذ همم المسلمين ليهبوا لنجدة إخوانهم في الجزائر المحتلة.. داعياً إلى حملات التبرع بالمال والسلاح والعتاد وإرسال جماعات من المجاهدين للقتال تحت لواء الأمير (عبد القادر الجزائري) وكان يترأس تلكم الجماعات عادة الشيخ (عبد الله التواتي) الذي لحق به أثناء بقائه بمدينة (قابس). لقد كان دور الإمام السنوسي عندما منعه الفرنسيون من المشاركة الفعلية بنفسه في الجهاد بالجزائر هو نشر الوعي الديني والتعريف بفريضة الجهاد وتحريض المؤمنين على القتال (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً) هذا ولم ينقطع دعم الإمام السنوسي - طيلة مكثه بمدينة (زواره) - لحركة الجهاد المقدس ضد المحتل الفرنسي لأرض الإسلام (الجزائر) واستمر إرساله للإخوان زرافات ووحداناً محملين بالعتاد الحربي والزاد للمجاهدين للذود عن بيضة الإسلام وحِمى المسلمين في أرض الجزائر. ثم عاد الإمام السنوسي إلى مدينة (طرابلس) عام 1257 هجري - 1841 - ميلادي. وعند وصوله تناهت أخباره للحاكم التركي (علي عشقر) والذي شدد على الفور في طلبه وأمر بالقبض على من وَجد من (الإخوان) في بيت (أحمد باشا المنتصر) ثم قال للمنتصر: أنت تعرف السنوسي ولا يخفى عليك أمره ومحله.. ولا بد أن تدلنا عليه لأنه يمثل مصدر إزعاج للحكومة - وطبعاً كان هذا الدس والكيد من فرنسا الملعونة ومن بعض الحُساد أيضاً حيث لا يخلو منهم زمان ولا مكان. فقال المنتصر للباشا: يا سيدي .. إن هذا الرجل هو خلاف ما سمعت عنه، وهو من المخلصين والمحبين للدولة والخلافة، وأنا آتيك به دون عناء . فأمر الباشا بأن يأتي به .. وأختار له خيرة علماء طرابلس لمناظرته ومعرفة حقيقة أمره، وكان من جملتهم العلامة الشيخ (أحمد المقرحي الطرابلسي) أحد القضاة بطرابلس والشيخ (علي القزيري) فلما حضر الإمام السنوسي وبادر الحضور والعلماء بما فتح الله عليه .. انبهروا وعلاهم الخجل؛ وبدل أن يُناظروه انخرطوا في سلكه وبدؤوا يرتشفون من معين مناهل علومه المفيدة وقالوا للباشا : هذا نعمة من الله ساقها إلينا . ففرح الباشا بذلك واجتمع بالإمام السنوسي حيث اعتذر له وقال: هذه بلادك والأهل اهلك.. فانفعهم بقدر استطاعتك ونحن في حاجة شديدة لأمثالك. فأقام الإمام (محمد بن علي السنوسي) في مدينة طرابلس يتردد على مساجدها ويجتمع بالناس يذكرهم ويعلمهم .. فشاع ذِكرُه وعرفه أهل طرابلس وتعلقوا به، وسارت إليه الرُكبان .. ومر في بعض جولاته على حضرة الشريف (أحمد بن فرج الله الفيتوري)(*) في إحدى ضواحي طرابلس ووقف عليه في منزله وزاره في مزرعته المتواضعة .. وكان بن فرج الله كبيراً في سنه مستوراً في حاله عفيفاً في نفسه ذي عيال فقير الحال فقال له ابن السنوسي : يا أخونا أحمد .. لنا بك حاجّة أكيدة و نحب أن تلحقنا بأهلك إذا سمعت بنا وصلنا (بنغازي) فقال له يا سيدي حُباً وكرامةً. ثم غادر مدينة طرابلس إلى (زليتن) حيث مكث بها يلقي الدروس والمواعظ فأخذ عنه العلم أناسٌ كُثُر من الإخوان السنوسيين والذين صاروا فيما بعد رجال الزوايا السنوسية والحركة السنوسية في تلكم المناطق الغربية من ليبيا ... ثم تقدم إلى بلدة (مصراتة) والتي كان قد أقام بها خلال رحلته الأولى وأقام بزاوية (المحاجيب) وبهذه البلدة مقام الشيخ العالم المالكي المشهور (أحمد الزروق).
(السنوسي الكبير يغادر مصراتة إلى سرت وبنغازي)
خرج أعيان مصراتة وبعض أمراء آل المنتصر في صحبة الإمام السنوسي حتى وصل الحدود ما بين برقة وطرابلس .. وفي (سرت) كان في استقباله كوكبة عظيمة من الفرسان هم بعض أعيان وشيوخ ووجهاء قبائل برقة من العواقير والمغاربة وأهل الجبل ومدينة بنغازي .. فرحبوا بسيادته وتشرفوا بمرافقته وخدمته حتى مدينة بنغازي مروراً بطريق الساحل هذه المرة .. وعند وصوله إلى بنغازي تنازعت في ضيافته البيوت البارزة في ذلك الوقت، ففضل الإمام السنوسي أن ينزل مع إخوانه في محل زاويته الآن ببنغازي وكان السر في ذلك أنه طلب تلك القطعة من الأرض لتكون بها الزاوية فيما بعد .. وفعلاً تم إنشاؤها في نفس المحل، ولم تطل مدة إقامته في بنغازي حيث صام بها شهر رمضان عام 1257 هجري - أكتوبر 1841 ميلادي -. وبعد عيد الفطر صادف أن مرض أثناء تلكم الفترة شيخ قبيلة العواقير (الشيخ أبو شنيِّف الكِزَّة) مرضاً تحققوا منه الموت .. فأرسلوا رجلين إلى مدينة بنغازي ليأتوهم بالكفن ولوازمه ... فمر الرجلان على الشيخ الصالح المشهور (علي خريبيش) وكانت لهم به معرفة .. فأخبروه بمرض الشيخ (أبو شنيِّف الكِزَّة) حيث طلبا منه الدعاء له بالشفاء فقال لهم : لقد حل بنا رجل غريب ظاهره الصلاح نزوره أنا وأنتم لعله يدعو بالشفاء، فلما وصلوا إلى محل إقامة الإمام السنوسي أخبروه بحاجتهم .. فأظهر لهم عدم الإنزعاج وأطال معهم الحديث وهم على عجلة من أمرهم .. فألحوا في طلب الإذن لهم بالإنصراف فقال لهم الإمام السنوسي: رُبّما يحضر هذا المريض دفن بعض الحاضرين منا الآن!! وفعلاً كتب الله الشفاء للشيخ (الكِزَّة) كما سنذكر لاحقاً .. وحضر بنفسه دفن الرسولين.. ثم وافقهم على الذهاب لزيارة الشيخ أبي شنيِّف حيث كان نازلاً بأهله بمكان يبعد عن بنغازي مسافة يوم كامل .. فلما وصلوا طلب الإمام السنوسي أن يبنوا له خيمة خارج المضارب، ثم دخل على الشيخ أبي شنيِّف وكان في حالة غيبوبة تامة وداؤه ببطنه .. فوقف عليه الإمام السنوسي ووضع يده الشريفة على بطنه ودعا الله أن يشفيه .. فأفاق المريض في الحال وتكلم... فعلت أصوات النسوة بالزغاريد وفرحت القبيلة بشفاء عميدها .. وكان هذا الموقف أول فتح لسيادته في برقة و الجبل الأخضر ... فأقام في نجوع قبيلة العواقير قرابة الشهر .. ووفدت عليه جموع الناس من أنحاء برقة لزيارته واكتساب دعواته .. ثم توجه الإمام السنوسي بصحبة جمع غفير من الإخوان وشيوخ مختلف القبائل من الحرابي والعواقير .. وسلك طريق برقة الحمراء ومنها إلى الجبل الأخضر وتوغل في الجبل حتى وصل إلى المكان المُسمى (ماسه) وتقدم من ماسه إلى مكان يُسمى (دنقله) حيث مكان الزاوية البيضاء الموجودة الآن بالقرب من ضريح الصحابي الجليل ( ويفع بن ثابت الأنصاري) رضي الله عنه، ثم خاطب شيوخ القبائل وكان على رأسهم الشيخ (أبوبكر بو حدث) شيخ مشايخ قبيلة البراعصة المشهورة بالشهامة والكرم وشدة البأس ... وابن عمه الشيخ (عمر بو جلفاف) وقال لهم السنوسي: إني أريد بناية مسجد وزاوية هنا تكون أصل زوايانا ببرقة و الجبل الأخضر، و نريد أن يُخصصَ لها محلٌ في هذا المكان بموافقة أهله ورضاهم... وكانت البقعة في حوزة فخذ من قبيلة البراعصة فتشاور الشيخان (أبو بكر وعمر بوجلفاف) مع من رأوا مشاورته ... وقرروا التنازل عن البقعة المطلوبة لصالح المشروع الذي أقترحه الإمام السنوسي الكبير .. ففرح بذلك الإمام ودعا لهم بالخير.
يتبع....
http://www.libya-al-mostakbal.com/Books/ahmad_asharif_alquds.jpg
صورة نادرة للمجاهد السيد أحمد الشريف السنوسي و المجاهد السيد ( الشيخ محمد الزوي )
مع ثلة من علماء المسجد الأقصى في القدس الشريف
الشريف محمد أدهم
13-08-2008, 03:51 PM
(الزاوية البيضاء في الجبل الأخضر)
خاطب الإمام السنوسي الحاضرين قائلاً لهم: أريد أن أبني لكم مسجداً تجتمعون فيه لصلاتكم وتعقدون فيه مشاوراتكم ومصالحكم .. وفيه يتلقى أبناؤكم العلم الشرعي... وسوف نعين لكم خليفة ينوب عنا يقوم بأمر المسجد وتعليم القرآن وتحفيظه .. ويقوم بدور الإرشاد الديني وكذلك فض النزاعات بينكم... ولقد لمس الجميع فائدة هذا الدور الذي سيضطلع به نائب الإمام السنوسي في المسجد والزاوية .. فبادروا بالتلبية والإجابة .. وعند ذلك أمر الإمام السنوسي إخوانه الذين كانوا معه أن يبادروا بجمع الحجر والبناء في الأماكن التي خطها لهم .. ثم وضع حجر الأساس بيده الكريمة، وهذا الحجر موجود بعينه في جدار المسجد المذكور ثم قال لهم: إبدأوا باسم الله وعلى بركة الله، فجدوا واجتهدوا .. ووقف الشيوخ (أبو بكر بو حدوث) و(مُقَرَّب بو حدوث) و(عمر بو جلفاف) ونظموا القبائل المجاورة حيث قسموا أيام الأسبوع بينها، فكانت كل قبيلة تقوم بعملها في يومها المخصص لها على أكمل وجه .. فتجمع الأحجار وتأتي بالماء والأخشاب والزاد والذبائح حتى تم بناء المسجد والزاوية البيضاء. وفي عام 1258 هجري - 1842 - ميلادي. بدأت طلائع الإخوان تتسابق وتفد إلى الإمام السنوسي في زاويته البيضاء.
(الإخوان السنوسيون)
كان من أبرز الإخوان الذين لحقوا بالإمام السنوسي في الجبل الأخضر خلال عامي 1258/1259 هجري - 1842 / 1843 - ميلادي. السادة:
عمران بن بركة الفيتوري الزليتني الطرابلسي - مصطفى المحجوب - مرتضى فركاش - عمر الأشهب - محمد بن إبراهيم الغماري الكبير وأخوه محمد بن إبراهيم الغماري الصغير- علي أبو عبد المولى والذي كان قد خلفه في مدينة (قابس) بتونس لإنجاز لوازم ضرورية للإخوان الذين توجهوا للجهاد في الجزائر. كما لحق به أيضا كل من السادة (أحمد المقرحي) و(علي القزيري) والذَين قد أخذا عنه العلم في طرابلس بعدما جاءا لمناظرته، ولحق به كذلك السادة: منصور محجوب الزليتني والذي وافاه أجله المحتوم فيما بعد في الطائف بالحجاز - أحمد أبو القاسم العيساوي - الشيخ حسين الغرياني - الشيخ محمد بن أحمد الفيلالي - إبراهيم بن إبراهيم الغماري - وأخوه أحمد بن إبراهيم الغماري - محمد أحمد السكوري - إسماعيل الفزاني - أحمد القسطنطيني الجزائري - حسين الحلافي - محمد الأزهري الزنتاني - كما التحق به صغيراً السيد عبد الرحيم المغبوب والمشهور بالمحبوب - الشيخ أبو سيف مُقَرّب. و بعد إتمام بناء الزاوية البيضاء وقبل زواج الإمام السنوسي الكبير .. أمر خليفته بالحجاز السيد (عبد الله التواتي) بالرجوع إلى عمله بزاوية أبي قبيس بمكة، وذلك بعد أن حصلت على يديه قصة قبيلة البراعصة المشهورة وهي كما يأتي:
(هجرة البراعصة إلى مصر ومحاولة العودة)
قبيلة البراعصة في الجبل الأخضر لها ميزة خاصة دون غيرها من القبائل الحرابي و فيها مشيخة المشايخ. والمشيخة تتناوب بين أبناء (جليد) من زوجتيه (خضراء) و(مغيربية) فوقع بينهما تنافساً على مشيخة القبيلة نشب على إثره نزاعاً أدى إلى إندلاع حرب بين أبناء (خضرة) وأبناء (مغيربية) وانقسمت القبائل التابعة لهما كُلٌ يُناصر حزبه ... وأخيراً تغلب أبناء مغيربية على أبناء خضرة.. و أجلوهم من برقة والجبل الأخضر وبقية القطر الليبي حتى دخلوا الحدود المصرية، وانفرد أبناء مغيربية بالإمارة. وعند قدوم الإمام السنوسي إلى الجبل الأخضر كان شيخ قبيلة البراعصة هو (أبو بكر بو حدوث) فتابع الإمام السنوسي وانخرط في سلكه وسخره الله لمساعدته في كل شيء، وكانت محبته عظيمة ولذا كان يشارك الإخوان في كافة أعمالهم بنفسه فضلاً عن أتباعه. وكان بجلالة قدره ممن يخلط الطين للبنائين أثناء بناء المسجد والزاوية البيضاء رغبة منه فيما عند الله من ثواب.
نعود إلى أبناء (خضرة) فبعد أن قضوا برهة من الزمن في الأراضي المصرية ... أخذوا يفكرون في العودة للوطن .. ووافقهم على ذلك بعض منافسي آل مغيربية، ووعدوهم بنصرتهم إذا عادوا إلى الوطن ... فتهيأ بنو خضرة للرجوع وركبوا البحر في مراكب شراعية يزيد عددها على العشرين مركباً، ونزلوا في بلدة (درنة) على كبيرها في وقته الشيخ (حمد بن سالم بن علي) وجاء نبأ وصولهم ونزولهم بدرنة إلى مسامع الشيخ (أبو بكر بوحدوث) حينما كان وسط عجنة الطين.. فخرج من العجنة وجاء إلى السيد (عبد الله التواتي) وقال له: يا سيدي عبد الله عيلة خضرة جو وما دون الحلق إلا اليد فقال له التواتي: إصبر حتى نخبر السيد السنوسي، فدخل التواتي على الإمام السنوسي وقال له: يا سيدي عيلة خضرة جوْ أي وصلوا فقال له الإمام السنوسي: ويش نعمل؟ فسكت التواتي ووقف لحظات ثم أعاد القول ثانية فرد عليه ابن السنوسي: ويش نعمل يا أخانا عبدا لله ؟ فحار التواتي جواباً ووقف واجماً ثم أعاد سؤاله، فرد عليه الإمام بشدة: ماذا نفعل نعاند أمر الله؟! فعند ذلك قال التواتي: يا سيدي ناخذ بندقيتي ونضرب مع أصحابي فقال له الإمام السنوسي: يهودية يا عبد الله ؟!! فقال: يا سيدي اليهودي الذي يخلي صاحبه أي يتركه ويخذله.. فعند ذلك انفعل السيد السنوسي .. ثم تبسم قائلاً: قل لأبي بكر يرجع في عجنته.. مثل ما جوْ يرجعوا .. فخرج التواتي إلى الشيخ (أبو بكر) وأبلغه بما قال السنوسي .. فرجع إلى العجنة واستأنف عمله ولم يكترث لأمرهم.. فجاءه بنو عمه وقبيلته وقالوا له: عيلة خضرة في درنة وأنت قاعد هنا ؟! فرد عليهم بهدوء وحُسن نية: سيدي قال: مثل ما جوْ يرجعوا. وفعلاً بعد إقامتهم في درنة عشرين يوماً في ضيافة الشيخ (حمد بن علي) رجعوا في سفنهم التي جاءوا بها وأنشدت مغنيتهم في ذلك:
إن طالت لعيت بياض جميل بن علي ما ينتسا.
ومعنى ذلك إن طالت الأيام لآل بياض وهم آل خضراء فلن ينسوا جميل الشيخ حمد بن علي.
هذا وبعد أن استقر الإمام السنوسي بالزاوية البيضاء وبدأ أعماله النافعة فيها من تدريس ووعظ وإرشاد .. بدأت القبائل تتوافد إليه طالبة منه إقامة زوايا لها أُسوة بالزاوية البيضاء .. فكان رضي الله عنه يتوجه بنفسه إلى القبيلة أو المكان المطلوب إقامة الزاوية فيه؛ وأحياناً كان يُرسل بعض الإخوان لينوب عنه .. وبهذه الطريقة تنافست القبائل في نشر الزوايا وعمران المساجد.
(زواج الإمام السنوسي)
وفي آخر عام 1258 هجري - 1842 - ميلادي. حضر السيد أحمد بن فرج الله الفيتوري بأهله من طرابلس إلى بنغازي ومنها إلى الزاوية البيضاء امتثالاً لطلب السيد السنوسي ... وبعد وصوله بأيام قلائل جمع الإمام السنوسي الإخوان وقال لهم: تعلمون إخواني أنني قد تقدمت بي السن - وكان عمره إذ ذاك سبعة وخمسين عاما - ولقد ضعف جسمي وقوتي بعد شربي للسم ولم يبق لي مأرب في النساء .. غير أنني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامي وقال لي: تزوج إحدى بنات هذا الرجل أي ( السيد أحمد بن فرج الله الفيتوري) ولسوف يرزقكم الله بولدين يكونان من المهاجرين والأنصار، وإني امتثالاً لأمره صلى الله عليه وسلم أريد أن أخطب إحدى بنات أخينا السيد أحمد .. وكان للسيد أحمد بن فرج ثلاثة بنات إذ ذاك.. ففرح الإخوان وعمهم السرور بهذه البُشرى وقاموا يهنئون السيد أحمد بن فرج الله بهذه المِنة التي ساقها الله إليه .. ثم عقد الأمام السنوسي على السيدة (فاطمة أحمد بن فرج) وهي الوسطى من البنات، وكانت تلك الليلة مُزهرة وجامعة للخير العظيم.
يتبع....
الشريف محمد أدهم
13-08-2008, 03:52 PM
(دور الإمام السنوسي الكبير في الدعوة و الإرشاد و الإصلاح)
ظل الإمام محمد بن علي السنوسي خلال الأعوام الثلاثة - 1258 هجري إلى عام 1261 هجري – في برقة و نواحيها من الجبل الأخضر يزور القبائل ويؤسس الزوايا حتى تم تأسيس ما ينوف عن عشرين زاوية كما كان طيلة هذه الأعوام يصلح ما بين القبائل المتنازعة باذلاً كل جهد لإزالة الأحقاد والضغائن من قلوب الرجال والتي طال أمدها وعمّ ضررها واعظاً ومُذكراً وراشداً إلى مكارم الخلاق، آمراً بترك العقائد الفاسدة والعادات القبيحة مثل تبرج النساء الذي كانوا يتباهون به والإختلاط الذي كانوا لا يعيرونه بالاً، ونهب بعضهم بعضا. و قتل النفس بأتفه الأسباب وضعف الإنقياد لأوامر الدين والدولة، وكان الشيخ السنوسي يأخذ من الرجال العهود والمواثيق على أن تكون الزوايا السنوسية وشيوخها هي مرجعهم في مختلف قضاياهم و مشاكلهم، ويرشدهم إلى توجيه أبنائهم لتلقي علوم القراءة والكتابة وأمور الدين وحفظ القرآن من خلال الزوايا التي تأسست لتوعية الجيل، كما كان يأخذ عليهم العهد باحترام الزوايا وشيوخها الإخوان وأن يبذلوا جهودهم لمساعدة أنشطة الزوايا فيما هو ضروري لبقائها عامرة .. وكانت كل قبيلة تطلب إقامة زاوية لها يشترط عليهم الإمام السنوسي تلكم الشروط والتي كانت سبباً في بعث الروح الإسلامية في النفوس ونشر العلوم بين أبناء البلد.
وهذه هي الزوايا التي تم تأسيسها خلال العوام الأربعة المتقدمة في الجبل الأخضر وبرقة وباقي بقاع القطر الليبي (البيضاء – شحات – بنغازي – مارة – درنة – أم الرزّم – العرقوب – توكرة – طلميثة – الطيلمون – الفايدية – المخيلي – القصور – المرج – أم رُكبة - مزدة – طبقة – الرجبان – تونين – مصراتة – زليتن – زلة - مرزق – واو – زويلة – هون – سوكنة). وفي تونس زوايا منطقة الجريد.
(ولادة السيد محمد المهدي السنوسي)
بعد زواج السيد محمد بن علي السنوسي بالسيدة (فاطمة أحمد بن فرج الله الفيتوري) بعامين رزقه الله تعالى بمولود اختار له اسم (محمد المهدي) فكان لولادته شأن عظيم حيث عمَّ السرور طبقات الإخوان لتحقيق ما كانوا يتمنون من الذرية للإمام السنوسي. ولقد بُشِر به والده قبل ولادته حيث أخبر الإخوان ليلة عقده على والدته إن الله سيرزقه ولدين يكونان من المهاجرين في سبيل الله، ومن الأنصار لدين الله. وحين جاءته البُشرى بولادة ابنه (المهدي) قال: الآن ظهر الصباح، وطُفِيء المصباح .. ويعني بالصباح ابنه وبالمصباح نفسه. وكانت ولادة السيد المهدي أول ليلة من شهر ذي القعدة عام 1260 هجري - ديسمبر 1844 ميلادي. عند طلوع الفجر بالمغارة التي سكنها والده في جبل (ماسّة) بالقرب من ضريح صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا (رويفع بن ثابت الأنصاري) بالجبل الأخضر، ولما وُلِد السيد محمد المهدي سماه والده أولاً باسم أستاذه السيد أحمد بن إدريس، وبقي مدة أسبوع بهذا الاسم .. وفي سابع ليلة أبدل اسمه باسم (محمد المهدي) وقال: سميته بهذا الاسم إمتثالاً لأمر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث رأيته في المنام وقال لي: سمِّه (محمد المهدي) هذا ولقد بشره أستاذه السيد أحمد بن إدريس العرائشي بهذا الغلام و سماه بهذا الاسم قبل عشرين عاماً وقال لوالده: هو الخليفة بعدك. وبعد أن أتم المولود السعيد بضعة أسابيع عند والدته سلمه أبوه للشريف (حسين أبو خضراء) أحد تلاميذه لتقوم زوجه بإرضاعه.
( تأسيس زاوية درنة )
في منصف عام 1261 هجري - يوليو 1845 ميلادي. انتقل الإمام محمد بن علي السنوسي من الزاوية البيضاء إلى بلدة (درنة) وهي بلدة لطيفة ذات أنهار وأشجار ومناظر جذابة على شاطئ البحر الأبيض وتبعد عن الزاوية البيضاء بمقدار 150 كيلو متراً شرقاً، وتمتاز هذه المدينة أيضاً بجودة هوائها وعذوبة مائها و كثرة فواكهها ومحبة أهلها عموماً للحضرة السنوسية (الحركة والدعوة السنوسية ورموزها) .. فنزل الإمام السنوسي الكبير بها وأسس زاوية لتصبح مركزاً للدعوة الإسلامية والإرشاد والتوعية لدين الله تعالى.. ولقد ظل الأمام يقوم بواجب العمل الإسلامي في هذه المدينة عماً كاملاً وزيادة.
(ولادة نجله الثاني السيد محمد الشريف السنوسي)
كانت ولادته يوم الجمعة 26 – رمضان عام 1262 هجري - 18 - سبتمبر 1846 ميلادي. وقد سمعت من أستاذي السيد (أحمد الشريف السنوسي) قوله: مكث سيدي ابن السنوسي في درنة زيادة على السنة كان عموم أهل درنة بدون تخصيص قد تعلقوا به وانتفعوا بعلمه ما عدا الشيخ (محمد بللو) فإنه كانت له منزلة بين أهالي درنة قبل وصول السيد ابن السنوسي إليها، وكان قد رأى لنفسه ميزة .. وبقى في درنة سنة كاملة لم يُكتب له زيارة الإمام السنوسي ولا مواصلته .. وبعد تمام السنة خطر للشيخ (محمد بللو) خاطر وقال هذا الرجل الذي عم صيته الوطن ومن أحد إلا ويثني عليه و يصله إلا أنا فهذا حرمان أي؛ ولكن يلزم عليَّ زيارته وأنوي بها وجه الله، فإذا وجدته مثل ما يقولون فيه من العلم والصلاح فسوف أحمد الله، وإذا كان خلاف ذلك فأجري ثابت حسب نيتي .. ثم هيأ نفسه وتوجه إليه، وعندما أُخبر السيد السنوسي بقدومه فرح وقال: ليدخل .. فلمَّا رآه الإمام ابتسم وبعد السلام عليه ومحادثته وجد الشيخ (محمد بللو) أن الإمام السنوسي حاله كما أخبر عنه الناس وأنه كاد أن يُحرم من علمه وفضله ..فتمسك به وانقطع إليه حتى صار من خواص الإخوان إلا أنه يحز في نفسه تلك الحادثة وهي "ضحك الإمام السنوسي حينما رآه أول مرة .. فتجاسر يوماً من الأيام على الإمام قائلاً: يا سيدي في خاطري شيء أريد ن أسألكم عنه فقال له معك الإذن اسأل فقال: يا سيدي حينما دخلت عليكم أول مرة ضحكتم عليَّ ! فما كان سبب ذلك .. لأنني اتهمت نفسي بأني اقترفت ما يوجب ذلك. فرد عليه الإمام السنوسي قائلاً: نعم الذي أضحكني هو وجودي ووجودك في درنة سنة كاملة لم نتقابل فيها .. ولما حان الأوان وأصبحنا على الحالة التي اجتمعت فيها أرواحنا يوم (ألست بربكم)* قدر الله لنا الإجتماع .. فتذكرت ذلك المعنى وضحكت .. فقال الشيخ محمد بللو: الحمد لله الذي جمع أرواحنا يا سيدي قبل خلقِنا .. فقال له الإمام السنوسي: الأرواح جنود مُجندة ما تعارف منها يوم (ألست بربكم) اتلف وما تناكر منها في ذلك اليوم اختلف، ثم تلا قوله تعالى (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم الست بربكم قالوا بلى شهدنا) فهناك تعارف من تعارف وتناكر من تناكر ..
هذا ولمَّا أتم السيد (محمد المهدي) رضاعه، وتمت ولادة السيد (محمد الشريف) جمعهما أبوهما بدرنة أولاً كما جمع الإخوان وقدم عليهم الشيخ (محمد بن حمد الفيلالي) وجعله شيخاً للزاوية البيضاء ومُقدماً على شيوخ زوايا برقة والجبل الأخضر وأمر الشيوخ والإخوان بإطاعته وتنفيذ أوامره وقال لهم: هو خليفتي عليكم. وأبقى زوجته السيدة (فاطمة أحمد بن فرج الله الفيتوري) مع أولادها ما بين الزاوية البيضاء ودرنة.. وترك معهم بعض الإخوان، ووَكَّل على أهله وأولاده السيد (عمران بن بركة) والسيد (محمد بن إبراهيم الغماري الكبير).
يتبع....
الشريف محمد أدهم
13-08-2008, 03:55 PM
(عودة الإمام السنوسي من الجبل الأخضر إلى الحجاز)
تأسيس الزوايا السنوسية في القطر المصري
في منتصف عام 1262هجري – يونيو 1846 ميلادي. توجه الإمام السنوسي الكبير إلى الحجاز عن طريق البر من درنة إلى حدود مصر الغربية ثم واحة سيوة و كلما مر في طريقه على قبيلة من القبائل تعلقوا به وقاموا بخدمته وطلبوا منه إقامة زاوية لهم أُسوة بقبائل برقة والجبل الأخضر، فأسس في طريقه زاوية (أُم الرزّم) وزاوية (دفنة) ونزل ضيفاً على (عبد الله بوسويحل) شيخ مشايخ عائلة بو مريم واستراح في بيته أياماً .. ولمل دخل الصحراء الغربية أسس فيها زاوية (حوش عيسى) و(أُم الرخم) وزاوية (النجيلة) وزاوية (الحقنة) وقد مر في طريقه على عائلة (عميره) فأكرموا نزله و قام بالإصلاح بينهم وبين خصومهم، ثم أسس زاوية (الزيتون) ثم قصد الواحات البحرية ومكث بها أياماً ليؤسس زاوية.. وتعرض لسيادته أعيان من أهل الفيوم وطلبوا عودته إليهم وزيارتهم فاعتذر لهم لضيق الوقت وقُرب موسم الحج وأمر بتأسيس زاوية لهم ثم تابع سفره إلى واحة (الفرافرة) ولم يتسنى له تأسيس زاوية، وقد أسسها بعده أبنه السيد المهدي. ثم توجه من الفرافرة إلى الواحات الداخلة حيث أسس بها زاوية سنوسية لأهل تلك الناحية .. ثم استكمل سيره إلى الواحات الخارجة وأمر بتأسيس زاوية بها ثم والى سفره إلى مديرية (قِنا) ومنها إلى القصير "وهو ميناء على البحر الأحمر" وكان هو الميناء الوحيد الذي يركب منه الحجيج إلى الحجاز سواءً إلى جدة رأساً أو إلى الوجه المقابل ..
(الوصول إلى المدينة المنورة)
وركب الإمام السنوسي من ميناء القصير إلى ميناء الوجه، ففرح به أهل الوجه كثيراً وأقام عندهم أياماً قلائل وأمر بتأسيس زاوية لهم وذلك تلبية لرغبتهم وإلحاحهم .. ثم واصل المسير إلى (ينبع) ومنها عرَّج على المدينة المنورة – على ساكنها أفضل الصلاة والسلام – وكان بها حضرة الخليفة بالحجاز السيد (عبد الله التواتي) ومعه كثير من الإخوان والعرب ينتظرون قدوم الإمام؛ وكانت زاوية المدينة لم تُؤسس بعد فنزل خارج المدينة في خيام ولم يمكث أكثر من ثلاثة أيام .. ثم اتخذ طريق الحجيج المعروفة إلى مكة المكرمة والتي تمر بموقعة بدر.
(وصوله إلى مكة المكرمة)
وصل الإمام محمد بن علي السنوسي مكة آخر شهر ذي القعدة و حضر حج عام 1262 هجري - ديسمبر 1846 ميلادي. وكان أمير مكة وقتها هو الشريف (محمد بن عون العبدلي) وعند نزول الإمام السنوسي بزاويته بجبل أبي قبيس انهالت عليه الوفود من بادية وحاضرة لأنهم كانوا قد عرفوه وعاشوا معه ولمسوا بركته .. ولذلك كانوا متعطشين لرؤيته وزيارته واكتساب دعواته .. هذا وقد ظل شريف مكة يزوره من حين لآخر.
بدأ الشيخ محمد بن علي السنوسي كعادته دروسه المفيدة في زاوية جبل أبي قبيس .. فأصبحت تلكم الزاوية كعبة طلاب العلم ومحبي الخير .. وانتشر صيته بين أهل الحرمين الشريفين وما بينهما من البوادي .. فلقد سخر الله له قلوب المحبين وأنار به بصائر من أراد الله به خيراً. وأخذ الإمام يتردد ما بين الحرمين الشريفين لينشر العلم الشرعي والدعوة والإرشاد من خلال تأسيسه لزوايا : جدة – بدر – المدينة المنورة – الحسنية – ينبع – رابغ – الوجه – أملج – المويلح – ضبا. أمَّا الطائف فقد سيق أن ذكرنا أنه بدأ في تأسيسها قبل سفره الأول إلى المغرب العربي .. وقد شاع ذكر الإمام السنوسي في الحجاز واليمن والهند وجاوه والسودان والشام ومصر .. وانتفع به خلق كثير وهيأه الله لنفع الأمة على اختلاف طبقاتها (وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم).
(الأمير عباس الأول بن طوسون بن محمد علي حاكم مصر)
حينما كان الإمام محمد بن علي السنوسي بمكة عام 1242 هجري – 1826 ميلادي. وصل إليها الأمير عباس الأول بن طوسون مُرسلاً من قِبل جده محمد علي ليكون في مكة بعيداً عن عمه (إبراهيم باشا بن محمد علي) لأنه كان يخشاه عليه، وكانت للقائد إبراهيم سلطة نافذة خاصة بعد أن نجح في محاربة السعوديين ومحاربته للأتراك أيضاً ..و فعلاً مكث الأمير عباس في مكة مدة تزيد على ثلاثة عشر عاماً كان يتردد خلالها على السيد الإمام محمد بن علي السنوسي في زاويته بجبل أبي قبيس و يشرب عنده الشاهي الأخضر الذي كان لا يتوفر إلا في زاويته إذ كان يُجلب إليه من الهند والصين بواسطة تلاميذ الإمام السنوسي .. وكان الأمير عباس يشكو للإمام جبروت القائد إبراهيم ويخشى بطشه وغائلته .. فكان رد الإمام السنوسي للأمير عباس: أنت إذا بلغت من العمر كذا "وحدد له سناً محددة" تكون عزيز (مصر). وكان عباس يستبعد ذلك .. فقدر الله وفاة القائد إبراهيم، فأرسل محمد علي حاكم مصر إلى عباس يستدعيه .. وولاه الحكم في حياته، ولذلك عقد عباس النية أن يبني للإمام السنوسي زاوية في القاهرة تكون وحيدة عصرها وزمانها .. وفعلاً قام بتخطيطها في محل محطة بوابة الحديد الموجودة بالقاهرة اليوم .. وبدأ في تشييدها وظل العمل جارياً مدة عام ونصف وقد بالغ في زخرفتها و فرشها و اقتطع لها ثلاثمائة فداناً وجعل هذه المساحة وقفاً للزاوية .. ولم يبق إلاّ تسليمها لمن يعينه لها الإمام السنوسي .. ولكن السيد الإمام لم يكن له حرص عليها ولا رغبة فيها .. فقدر الله بوفاة الخديوي عباس و تولية سعيد باشا .. وكان الأخير على العكس يكره الإمام السيد السنوسي فأمر بهدم مبنى الزاوية و جعل أرضها أميرية (ملكاً للدولة ) كما أمر بإلحاق أرض الوقف إلى إدارة الأوقاف .. ولقد أقيمت فيما بعد على هذه الأرض محطة بوابة الحديد الموجودة اليوم بالقاهرة.
(إمارة الشريف عبد المطلب بن غالب الثانية لمكة المكرمة)
في عام 1267 هجري – 1851 ميلادي. عزلت الحكومة العثمانية أمير مكة الشريف (محمد بن عون العبدلي) عن إمارة مكة ونفته إلى استانبول مع أولاده، وعينت مكانه الأمير (عبد المطلب بن غالب الزيدي) وكان الشريف عبد المطلب من المحبين المتفانين في خدمة السيد الإمام السنوسي ويُعد من تلاميذه لأنه كثيراً ما كان يحضر دروسه ومجالسه قبل توليته الإمارة وذلك خلال الأعوام 1242 هجري إلى 1255 هجري – 1827 ميلادي إلى 1839 ميلادي. فبذل الشريف عبد المطلب لسيادته شتى أنواع المساعدات وأقطعه أرضاً واسعة للزوايا بجبل أبي قبيس و كذلك مجموعة من الجياد و منحه صكاً بذلك ثم زاد وأقطعه أراض للوقف السنوسي في كل من جدة والطائف والمدينة المنورة .. كما سعى لدى السلطان عبد المجيد بن محمود العثماني وحصل له على فرمانٍ (قرار سلطاني) بإعفاء الزوايا السنوسية من العوائد الأميرية (الضرائب الحكومية) عموماً وأينما كانت، ودرج على ذلك بعده سلاطين وأمراء مكة وحكامها حتى هذا التاريخ "1386 هجري – 1966 ميلادي". وخلال الأعوام السبعة التي أقامها الإمام السنوسي في الحرمين الشريفين وبعد عودته من الجبل الأخضر كثر أتباعه وأصبح اغلب خواص أهل الحرمين في سلك الدعوة السنوسية وتلاميذاً للشيخ السنوسي و تعلق به كثيرٌ من أهل البادية والحاضرة والأشراف.
(وفود من الليبيين تزور الإمام بمكة والمدينة)
في موسم الحج من كل عام كانت تفد على الإمام محمد بن علي السنوسي وفود عظيمة لزيارته وأخذ العلم الشرعي عنه واكتساب دعواته الصالحات ثم تلتمس منه العودة إليهم .. ومن جملة من وفدوا إليه مراراً لهذا الغرض الشيخ (علي لطيوش) شيخ قبائل المغاربة ببرقة البيضاء والشيخ (بوشنيف الكِزَّة) رُغم كبر سنه والشيخ (يونس الكزة) والشيخ ( بوبكر بوحدوث) وابن عمه الشيخ (عمر بو جلغاف) والشيخ (مقرب بوحدوث) والشيخ (الكاسح بوديهوم) والشيخ ( الفضيل بوخريص) ومن الحاضرة (الحاج سنينة) والحاج (عبد الله شتوان) والحاج (محمد كاهية) والحاج (الأمين الشتيوي) والحاج (حمد بن علي) والذي توفي بالحجاز والشيخ (محمد بللو) كل هؤلاء وفدوا إلى الحجاز في موسم الحج كما وفد إليه من طرابلس الحاج (أحمد باشا المنتصر) وكان أمر الوصول إلى الحج صعباً جداً و خطراً على النفس والمال .. ولكن محبتهم القوية وعقائدهم المتينة دعتهم إلى تحمل المشاق واقتحام المخاطر لإتمام ركن الدين الخامس وكذلك للتشرف بزيارة الإمام السنوسي والتماس عودته إلى وطنهم الليبي.
(زواج الإمام بالسيدة فاطمة البسكرية)
تزوج الإمام السنوسي بمكة بعد عودته إليها من برقة بأمنا السيدة (فاطمة البسكرية) شقيقة السيد محمد حسن البسكري ووالدها هو السيد (حسن بن السيد أحمد البسكري) والذي وفد من الجزائر إلى مكة في النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري – الثامن عشر الميلادي. فحج و جاور مكة المكرمة .. وقد رزقه الله بنتين وولد .. أما الأولى فهي السيدة (فاطمة حسن البسكري) زوجة الإمام السنوسي، والثانية قد اقترنت بالشيخ (محمد وهبو) من الإخوان السنوسيين بمكة وهم موجودن بمكة ويشتهرون بلقب (بيت عالم) أما الإبن فإنه السيد (محمد علي حسن البسكري). ولقد كان السيد حسن البسكري من الإخوان الذين اخذوا العلم عن السيد (أحمد بن إدريس الكبير) ثم التحق بمولانا السيد (محمد بن علي السنوسي) وقد تلقى على يديه العلم الشرعي ثم رافقه في سفره عند عودته إلى برقة.
http://www.libya-al-mostakbal.com/Books/albaskary.jpg
صورة السيد (محمد بن محمد علي بن حسن بن أحمد البسكري (*)
يتبع..
(( (*) هذه الصورة ليست في أصل الكتاب، والسيد (محمد البسكري الصغير) هو شيخ زاويا الكفرة إبان حكم الملك (إدريس السنوسي) رحمه الله .. كان أبوه السيد (محمد علي البسكري) صنواً ورفيقاً للإمام (محمد المهدي السنوسي) وجده هو السيد (حسن أحمد البسكري ) الذي ورد ذكره في متن كتاب الفوائد الجلية حيث كان نزيل مكة ثم رافق السيد (محمد بن علي السنوسي الكبير ) إلى برقة عند عودته الأخيرة للبلاد.
- طلب الملك إدريس السنوسي من السيد (محمد البسكري الصغير) مرافقته في رحلته الأخيرة لتركيا للعلاج في مدينة (بورصة التركية) وقد رجع السيد (محمد البسكري) عائداً من رحلته بتوصية من الملك إدريس .. فوصل إلى بلدته الكفرة بيوم واحد قبل 1/09/1969 ميلادي.))
..
الشريف محمد أدهم
13-08-2008, 03:59 PM
(طلب السيد السنوسي لابنه محمد المهدي ووصوله إلى المدينة المنورة)
وفي عام 1267 هجري – 1851 – ميلادي . طلب حضور ابنه محمد المهدي من الجبل الأخضر وكان قد بلغ من العمر سبعة أعوام ، فقدم إليه برفقة السيد ( محمد بن إبراهيم الغماري الكبير ) بطريق البحر من بلدة درنة إلى بلدة ( خانية ) بجزيرة ( كريت ) و في " خانية " التقى السيد المهدي بأحمد باشا المنتصر متوجهاً إلى الحجاز أيضاً لمقابلة والده .. و من خانية توجه إلى الإسكندرية و منها إلى القاهرة ... ومن القاهرة إلى مدينة السويس و منها ركب مركباً شراعياً إلى ميناء ( ينبع ) و عند وصوله ينبع نزل في زاويتها .. و كان شيخها من الأشراف الهجارين ..فسأل السيد الغماري عن الغلام الذي معه فقال له : هو ولدي ..ثم غاب السيد الغماري لبعض الوقت و سأل الشريف " شيخ زاوية ينبع " الغلام الصغير السيد (محمد المهدي ) و قال له : هل تعلم أن للسيد محمد بن علي السنوسي أولاد بالمغرب " ليبيا " ..فأجابه: نعم ..فقال له كم عددهم ؟ قال له : إثنان ..فسأله : كم أعمارهم فقال له : الكبير مثلي و الثاني أصغر منه .. فحمد الله و أثنى عليه .. و في تلك الأثناء حضر السيد الغماري ، فقال له الشريف الهجاري : ولدك هذا أخبرني بأن سيدي محمد بن علي السنوسي له بالمغرب ولدان أحدهم في عمره و الآخر أصغر منه ، فقال السيد الغماري : صدق . ثم توجه السيد الغماري بولده إلى المدينة المنورة و كان بها السيد محمد بن علي السنوسي ..فلما وصل السيد محمد المهدي إلى والده و سلم عليه رأى الإخوان من السيدين العجب العجاب .. رأوا الوالد يعامل إبنه الصغير معاملة الكبير و يُجِلهُ إجلال الكبار و يوقره و يخدمه .. و رأوا السيد المهدي الصغير الذي لم يتجاوز عمره السابعة يتأدب مع والده تأدب الشيوخ الأجلاء الكبار في كلامه وقيامه وخطابه و أخذه و رده و استئذانه ..ثم طلب الإمام السنوسي من أمين الروضة الشريفة و يقال له " المستسلم " أن يدخله في الروضة المطهرة الشريفة و أن يبقيه مدة ثم يعيده إليه ... فأخذه و فتح له الروضة الشريفة و أدخله على جده الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ،و أدخله تحت الستارة الداخلية المُسدلة على حجرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها و التي بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم و صاحباه سيدنا أبو بكر الصديق و سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنهما ..و تركه ساعة زمنية لوحده ..ثم عاد إليه فوجده على هيئته التي تركه عليها و الأنوار تشع من وجهه الكريم فأخرجه و أتى به إلى والده و قال له : ولدكم هذا صغير في جسمه كبير في أدبه و عقله ..نهنيك به .. و صادف أن حضر الشيخ الشريف الهجاري " شيخ زاوية ينبع " لزيارة أستاذه الإمام محمد بن علي السنوسي ..فوجد السيد المهدي نجله بجانبه فقال له : هذا إبني محمد المهدي فصاح الشيخ الشريف و قال : يا سبحان الله كيف ضَحِكَ عليَّ و قال إن لسيادتكم ولدٌ مثله ..فقال : صدق هو بنفسه مازجك و لم يكذب ..و لقد كان النبي صلى الله عليه و سلم يمزح و لا يقول إلا حقاً ..فقال الشيخ الشريف : سبحان الله من كمَّلكُم كباراً وصغاراً.
(طلبه لإبنه الثاني محمد الشريف السنوسي)
وبعد وصول السيد محمد المهدي إلى واله و استقراره معه رأى والده أن يرسل في طلب إبنه الثاني (محمد الشريف السنوسي) و معه والدته و جده السيد ( أحمد بن فرج الله الفيتوري ) .فحضر في حج عام 1268 هجري – 1852 – ميلادي . مع بعضٍ من الإخوان يتقدمهم الشريف العلامة السيد ( عمران بن بركة الفيتوري ) فنزلوا ميناء ( ينبع ) ثم قصدوا المدينة المنورة حيث وجدوا كبير الإخوان السنوسيين ومقدمهم الشيخ( عبد الله التواتي ) فخرج للقاء السيد ( محمد الشريف ) و من معه .. كما خرج للقائهم خارج المدينة الباشا التركي القائم بإدارة المدينة المنورة يصحبه بعض الجنود و بعض أعيان المدينة المنورة و ذلك6 لما للسيد ( محمد بن علي السنوسي ) من حبٍ و احترام في قلوب العامة و الخاصة .. ثم واصل السيد محمد الشريف رحلته إلى مكة المكرمة و في حراسته العلامة السيد عبد الله التواتي .. وبعد خروجهم من المدينة بأربعة مراحل كان الرجل العظيم ( عبد الله التواتي ) في موعد مع الشهادة بمكان يُقال له (وادي الصفراء) بالقرب من موقعة ( بدر الكبرى ) و ذلك عندما اعتدى عليه اثنان من الأعراب من قبيلة (حرب) أثناء أدائه لصلاة الصبح وراء القافلة !! .. و كان أول الإخوان الكبار وفاةً و دُفن رحمه الله أولاً في محله الذي استشهد فيه ..ثم أمر السيد محمد بن علي السنوسي بنقله إلى بدر و دُفن بجوار شهداء بدر ..رضي الله عنهم و عن الشيخ التواتي ذلك التقي العابد الورع الزاهد مٌقدم الإخوان على الإطلاق .. و أما القاتلان من قبيلة تُسمى ( اللهبة ) فخذ من قبيلة ( عوف ) و عوف فرع كبير من قبيلة (حرب ) فقد أصابهم بعد هذا الإعتداء مرضُ لا يعرفون له إسماً قبله !! و هو انتفاخ في الجلد و الجسم أولاً ثم يبدأ الجلد في التشقق ثم تتفتح بذلك جروح كريهة تسيل بالقيح و الدم ..و يدوم الحال حتى يهلك المُصاب ..و لقد أفنى هذا الوباء من قبيلة ( اللهبة ) عدداً كثيراً من أفراد تلك القبيلة..و لقد أصبحت هذه الحادثة عبرة لكل من سمع بها من القبائل من ( حرب ) و( هُـذيل ) فكانوا يتحاشون السنوسية و أتباعهم فلا يمسونهم بسوءٍ أبداً..حتى أن أهل مكة و المدينة كانوا إذا أرادوا الحج أو الزيارة فلا يخرجون إلا مع الركب السنوسي لكي يأمنوا على حياتهم و أمتعتهم.
(الجيل الأول من شيوخ الإخوان السنوسية)
انتسب الشيخ ( محمد فالح الظاهري المهنوي ) إلى الدعوة السنوسية عام – 1266 هجري – 1850 ميلادي . و تتلمذ على يد الإمام محمد بن علي السنوسي ..كما انتسب إلى السيد السنوسي أيضا و في نفس العام التقي الصالح السيد ( أحمد بن عبد القادر الريفي المازوني القلعي ) هو أصلاً من مازونة إحدى مدن الجزائر و انتقل والده إلى القلعة بالريف تبع سلطنة مراكش فهو مازوني الأصل قلعي الولادة ريفي الشهرة.. و كان عمره حين التحاقه و أخذه العلم عن الإمام السيد السنوسي اثنين و عشرين عاماً حيث كانت ولادته عام 1244 هجري – 1828 – ميلادي . و هو آخر الإخوان الكبار وفاةً حيث كانت وفاته سنة 1329 هجري - 1911 – ميلادي . كما أخذ عنه الفقيه الصالح الحافظ لكتاب الله بالروايات السبع ( محمد بن مصطفى المدني التلمساني ) رفيق السيد احمد الريفي.
وتقدم أن ذكرنا بأن الشيخ ( عبد الرحيم المغبوب ) و الشيخ ( أبوسيف مقرب ) قد أخذا العلم عن الإمام السيد محمد بن علي السنوسي في الزاوية البيضاء بالجبل الأخضر ببرقة عام 1258 هجري - 1842 – ميلادي . كما التحق به في نفس العام السيد ( علي بن عبد المولى ) من قابس بتونس .. فأصبح هؤلاء السادة من الإخوان السنوسية هم دعامة الجيل الأول و هم : السيد عمران بن بركة - السيد أحمد الريفي – السيد محمد المدني – السيد عبد الرحيم المحبوب – السيد يوسف مقرب – الشيخ فالح الظاهري – السيد علي بن عبد المولى – السيد محمد بن حسن البسكري – السيد محمد المُثنى الغدامسي العباسي.
أما بقية السادة الإخوان و كلهم بررة كرام و جهابذة أعلام كانوا يضطلعون بمهام الأمور اللازمة والضرورية للحركة السنوسية كمشيخة الزوايا و الأسفار لنشر الدعوة و إصلاح ذات البين و الجهاد في سبيل الله و ترتيب أمور الحياة من زراعة و تربية مواشي و جلب المستلزمات الضرورية من الأرزاق والملابس إلى غير ذلك ...و على العموم كان إخوان الحركة السنوسية ينقسمون إلى أربعة أقسام و هي:
1 – الملازمون للإمام السنوسي و القائمون بالأمور الإدارية و التعليمية في المركز الرئيسي.
2 – القائمون بإدارة الزوايا " شيوخ الزوايا ".
3 – القائمون بالسفارة و نشر الدعوة و التفتيش على الزوايا و ما يتبعها .
4 – القائمون على الزراعة و تربية المواشي و الصناعات المختلفة.
(الزاوية السنوسية تجربة رائدة لمجتمع إيجابي)
لقد كانت كل زاوية تحتوي على كل متطلبات الحياة الضرورية ..فيكون بها المسجد للصلاة و تعليم القرآن قراءة وحفظاً ... و في أغلب الأحيان يكون شيخ الزاوية هو إمام المسجد و المعلم حتى يتهيأ من المتعلمين من يستطيع القيام بهذه الواجبات ..فيقيمه بدلاً منه ..و يقوم إمام المسجد كذلك بإرشاد الناس و إصلاح ذات البين و دلالتهم على الله ... كما يكون بكل زاوية مكانٌ مُعد للضيوف من عابري السبيل .. و ينتشر في الزاوية الصناع المهرة أصحاب المهن المختلفة ، و يوجد بالزاوية المزارعون مع الآلات اللازمة للحرث والزرع و الحصاد ..و أيضاً الدواب اللازمة للخدمة من خيل و إبل .. هذا و تقوم كل زاوية بالإشراف على السكان المجاورين لها و القبائل المحيطة بها.. وكل زاوية تبعث بقسطها مما هو لازم و ضروري للمركز الرئيس بعد حساب حاجتها و حسب مستطاعها من الحبوب و المواشي و الأرزاق المختلفة .. و هكذا كانت حياة الزوايا السنوسية و حيويتها و مساهمتها في سياسة أمور الدنيا و الدين.
يتبع....
الشريف محمد أدهم
13-08-2008, 04:00 PM
(عودة السيد محمد بن علي السنوسي الأخيرة من الحجاز إلى ليبيا)
في آخر عام 1268 هجري - 1852 – ميلادي . و بعد وصول نجله الثاني السيد محمد الشريف إلى الحجاز بصحبة جده لأمه السيد أحمد بن فرج الله الفيتوري و صحبة والدته يتقدمهم حضرة السيد عمران بن بركة الفيتوري و حج الجميع بمعية الإمام السيد محمد بن علي السنوسي و كانت هذه هي آخر حجة له وهي التي اجتمع فيها معه إبناه محمد المهدي و شقيقه محمد الشريف و كثير من الإخوان و العيان و المحبين ..هذا و قد قدم من برقة في هذا الموسم كثير من أعيانها و وجهائها و شيوخ قبائلها إذ كان مرادهم وقصدهم بعد أداء فريضة الحج هو دعوة الإمام السنوسي الكبير للعودة معهم إلى الديار الليبية ، و أمام تمسك أهل برقة بالإمام السنوسي – كذلك أهل الحرمين الشريفين أصروا على بقائه بينهم – و في الحقيقة أن إقامته في الحرمين الشريفين لها مبررات كثيرة أولها قدسية هذه الأماكن ثانياً تمتعه بالحج و زيارة المدينة المنورة سنوياً ثالثاً إجتماعه و لقاؤه بمختلف طوائف الإسلام و بث دعوته بينهم و إرشادهم إلى الحق و طريقه ... و لكن العناية الإلهية سبقت لأهل ليبيا لتكون آخر حياة هذا الإمام المُصلح العظيم في بلادهم و لينالوا شرف خدمته و الإنتساب إلى دعوته و طريقته و ليسعدوا ببقاء ذريته الباركة بينهم لتكون لهم قدوة و خير ... و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم .. فاستخار الإمام ربه سبحانه وتعالى و سأله إرشاده إلى الطريق التي يرضاها سبحانه و تعالى و التي فيها نفع الأمة المحمدية ..فأراه الله ما شرح به صدره و قوى عزيمته على العودة إلى ليبيا ..فقام بترتيب أموره بالحجاز و عين شيوخ الزوايا الحجازية و زودهم بما يلزمهم و حرضهم على سلوك طريقته في إرشاد العباد و دلالتهم على الله و التمسك بسنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم و بذل النصح للمسلمين أينما كانوا ... و أناب عنه في زاوية أبي قبيس السيد ( محمد بن إبراهيم الغماري الكبير ) و مساعده الشيخ ( حامد خيره ) ثم أبقى إبنيه و والدتهم و جدهم بمكة و طلب من الشيخين الغماري الكبير و ( أحمد البقالي ) القيام بتعليم ولديه القرآن الكريم و العلوم الشرعية ، و كان عُمر السيد المهدي تسعة أعوام و شقيقه محمد الشريف سبعة أعوام ، و عَيَّنَ الشيخ ( محمد بن الشفيع ) شيخاً للزاوية السنوسية بالمدينة المنورة ..هذا و لم يصحب معه في هذه الرحلة سوى زوجته السيدة ( البسكرية ) و تجهز من مكة حاملاً معه جميع كتبه و أثاثه و في صحبته الإخوان الملازمون لسيادته و أعيان برقة و شيوخها الذين حجوا معه ... و توجه إلى المدينة المنورة في النصف الأخير من عام 1269 هجري – 1853 – ميلادي . و أقام بها ما زاد عن الشهر.
(طريق العودة)
غادر الركب المدينة المنورة إلى ( ينبع ) ثم ركبوا البحر إلى ( الوجه ) ثم إلى القصير ثم إلى مديرية (قنا) ومنها إلى الواحات البحرية – و كان يجول في خاطر الإمام زيارة القدس و الهجرة إليه مدة من الزمن ولكن عموم الإخوان و الأعيان كانوا يريدون موالاة سفره إلى ليبيا .. و في بداية رحلته جمع الإخوان وقال لهم: رأيت في منامي البارحة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لي " من يُرد الفوز الأكبر فعليه بالجبل الأخضر " ففرح الإخوان و الأعيان بهذه البشارة و قاموا يتعانقون و يهنئون بعضهم بعضا ... وكان سرورهم لا يُوصف حيث عم السرور و فازوا بما رغبوا فيه - و بعد ( قنا ) توجه إلى (نجع حمَّادي) ثم إلى ( الفرافرة ) ثم إلى الواحات البحرية ثم نزل ( كرداسة ) حيث مكث بها ما ينوف عن الشهر والنصف ..و سمع بقدومه محبوه فوفدوا إليه من القاهرة و من عموم جهات القطر المصري و من الصحراء الغربية ثم سافر إلى واحة ( سيوة ) و ذلك لقدوم شيوخها إليه في كرداسة و تعلقهم و تمسكهم بزيارته لهم قبل توجهه إلى برقة ..فوافقهم أول الأمر ثم اعتذر لهم و ذلك بسبب خوفه على الإخوان الذين معه من الإصابة بحمى ( سيوة ) و وعدهم بزيارة سيوة في أول فرصة ممكنة ...و لذلك كان يقول قبل وفاته بالجغبوب " نريد أن نسافر إلى سيوة و العْقُبَة و العقبة هي الصحراء الغربية بحدود مصر و لكن عاجلته المنية رحمه الله .
(وصوله إلى العِزيَّات ومدة إقامته بها)
وصل الإمام السنوسي و الذين معه قصر العِزيَّات آخر عام 1269 هجري – 1853 – ميلادي . حيث مكث بها ثلاثة أعوام متوالية و كان خلال هذه الأعوام الثلاثة يتردد على بعض الزوايا و يتجول ما بين القبائل يحل مشاكلهم و يقوم بتأسيس زوايا لهم .. و قد زار منطقة الجبل الأخضر مراراً و جال في صحراء برقة يتفقد الزوايا و يتمم نواقصها .. و في نهاية عام 1270 هجري – 1854 – ميلادي . قدم إلى سيادته من الحجاز الشيخ ( محمد بن الشفيع ) و الذي سلم أمانة الزاوية السنوسية بالمدينة للشيخ أحمد البقالي الذي كان معلماً للسيد المهدي و شقيقه محمد الشريف .
ومنذ أن وصل الإمام السنوسي الكبير إلى العزيات و جهوده الإصلاحية متوالية ...فكانت رسله من الإخوان تجوب أنحاء ليبيا ما بين برقة و طرابلس و فزان للوقوف على الزوايا و شؤونها و على كل ما من شأنه الإصلاح للإخوان و القبائل و الاتصال بالحكام و التفاهم معهم و مساعدتهم و تفقد أحوال الرعية و السكان.. فعمَّ الأمن و الطمأنينة و نُفذت الأحكام السلطانية و انقادت لها القبائل التي كانت مستعصية على الدولة العثمانية ..فأمنت الطُرُق و عَمُرَت المساجد و فُتِحَت المدارس ( الكتاتيب ) في المدن و القرى و الزوايا ونشطت الحركة الدينية و الإصلاحية و تفيأ الناس ظلال الأمن و شعروا بالإستقرار فتوجهوا إلى إصلاح أمورهم المعيشية و واجباتهم الدينية ..فأدخلوا أبناءهم الزوايا السنوسية و الكتاتيب و تسابقوا إلى ذلك ..
(دور الحركة السنوسية في استتباب الأمن و الإستقرار في ربوع ليبيا)
باركت الحكومة العثمانية تصرفات السيد الإمام السنوسي الكبير وأقرتها حسبما أرادها حيث رأت الحكومة كمال الإنقياد من القبائل و التي كان لا يقر لها قرار ولا يُؤمن لها جانب إذ كانت دائماً في اضطرابات ومصادمات مع الحكومة العثمانية .. وكم من جنودٍ هلكت وأموالٍ صُرفت دون جدوى.. ولقد كان حكم العثمانيين لا يتعدى دواخل المدن .. وحتى هذه كانت لا تسلم من المشاغبات والمهاجمات المتعبة والمهلكة... حتى حلَّ هذا السيد العظيم بالوطن وانتشرت زواياه وإخوانه ... فزالت الفوضى و الفساد من الأرض بفضل الله تعالى أولاً ثم بجهود هذا المصلح العظيم ...و لذلك تركت الحكومة العثمانية له أمور البلاد الداخلية كلياً وأصبحت تنفذ أحكامها بواسطته دون أي عناءٍ و كان رضي الله عنه شديد العناية بكل ما من شأنه رفع شأن الخلافة و حفظ كيانها عن صدقٍ و إخلاصٍ لا عن سياسة كما يقول المُغْرِضُون – جزاه الله عن الأمة الإسلامية خير الجزاء – و عقب وصول الإمام إلى العزيات بدأ يفكر قي اختيار محلٍ يصلح لأن يكون مقراً دائماً و مركزاُ عاماً يجتمع فيه أتباعه و أنصاره يرغب في أن يكون هذا المركز بعيداً عن المدن والضوضاء.. و لذلك انتدب وفداً كبيراً من الإخوان يرأسهم حضرة الحسيب النسيب الشيخ ( عمران بن بركة ) فتردد هذا الوفد في الصحراء شرقاً و غرباً حتى اهتدى إلى البقعة التي بني بها الجغبوب .. و رجع هذا الوفد إلى الإمام السنوسي و أخبره بما توصل إليه فأعاد هذا الوفد و أشرك معهم غيرهم للتأكد من صلاحية المكان و مناسبته من جهة الموقع الجغرافي و الطقس فعاد الوفد مقتنعاً بما قررته الهيئة الأولى فاقتنع السيد السنوسي و استحسن رأيهم و قال لهم : هذا هو المحل الذي حصل فيه الإذن ، ثم أمر الإخوان المختصين بإتخاذ الأسباب اللازمة للشروع في بناية زاوية الجغبوب و تهيأت الأسباب و بدأ العمل أول عام 1271 هجري – 1854 – ميلادي . و استمر العمل مدة سنتين كاملتين .
(تأسيس الجغبوب و الانتقال إليه)
قرر الإمام محمد بن علي السنوسي الإنتقال من زاوية العزيات إلى الجغبوب فتوجه فاتح عام 1273 هجري - سبتمبر 1856 – ميلادي . و رَحَلَ معه جمعٌ عظيم من الإخوان و الأعيان و المريدين و طلاب العلم يُقَدّرون جميعهم بما يزيد عن الألف و كانت هذه الجموع كلها أيادٍ عاملة ..فبعد الوصول إلى واحة الجغبوب بدأ الإمام السنوسي في إتمام ضروريات تأمين الراحة للطلبة و الإخوان و المجاورين... و في غضون مدة زمنية قصيرة أضحت الجغبوب قرية كاملة المنافع و المرافق آهلة بالسكان عامرة بالقرآن تتعاقب عليها القوافل و الركبان حتى صارت روضة نضرة في جوف الصحراء القاحلة بتوفيق الله تعالى ثم هِمة هذا الإمام الذي جعله المولى سبحانه للهداية مناراً و أنار به قلوباً و بصائر و هدى به أقواماً كانوا في دياجير الجهل حيارى ... فكم من بدعة أماتها و سنة أحياها و معارف نشرها دون دعاية ينشرها أو دراهم ينثرها أو قوة يستعملها ...و إنما صدق عزيمة و إخلاص نية و عمل متواصل بلا كلل و تمسك بأوامر الدين الإسلامي الحنيف الصحيح و اجتهاد في دعوة الخلق إلى ما فيه سعادتهم الدنيوية و الأخروية .. فسبحان من وفق من شاء لما شاء.
هذا و بعد أن استقر السيد السنوسي الكبير في الجغبوب إنتدب حضرة الشيخ (عبد الرحيم المحبوب) للذهاب إلى مكة لإحضار إبنه الكبير السيد محمد المهدي ..فذهب إلى الحجاز و قدم به في أول عام 1274 هجري – 1857 – ميلادي . عن طريق جدة السويس بحراً ثم القاهرة – سيوة الجغبوب – براً .
يتبع....
الشريف محمد أدهم
13-08-2008, 04:03 PM
(صفاته الخُلُقية والخَلْقِيَّة)
http://www.libya-al-mostakbal.com/Books/alemam_mohamad_ben_ali_assonousi.jpg
كان السنوسي الكبير أزهر اللون مدور الوجه أقنى الأنف خفيف العارضين واللحية أشقر الشعر معتدل القامة رقيق الحاجبين أزجهما واسع الثغر فصيح اللسان جهوري الصوت مع رقة فيه.. واسع العينين وفي أحدهما إنكسار لا يكاد يظهر، طويل العنق عريض الصدر والمنكبين من رآه مرة هابه وإذا خالطه وحدثه ألِفه وأحبه.
(هوايته)
كان يهوى اقتناء جياد الخيل ويجيد ركوبها إلى درجة لا يجاريه فيها أحد .. فكان بإستطاعته إلتقاط السيف أو الرمح من الأرض وهو على صهوة جواده أثناء عَدْوِهِ ... كما كان له القدرة على الوقوف على رجليه وعلى رأسه من على ظهر الجواد كل ذلك أثناء عَدْوِهِ.. ويستطيع إصابة ما يريده من الرمي إذ كان يحُض إخوانه وأتباعه على تعلم الفروسية ويقول لهم إن ذلك من صميم السُنة.
(مؤلفاته)
من مؤلفاته:
إزاحة الأكِّنة في العمل بالكتاب والسُنة.
إشراق شموس السُنة اليقينية على تراكم غياهب إعتراضات الأربعينية.
مواهب القيوم في تذليل روضة الفُهُوم.
إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن.
البدور السافرة في إختصار الشموس الشارقة.
بغية السؤل في الإجتهاد والعمل بحديث الرسول.
بغية المقاصد في خلاصة المراصد.
الدرر السنية في أخبار السلالة الإدريسية.
تحفة المحاضرة في آداب التفهم والتفهيم والمناظرة.
التُحف المنيفة المشتملة على زبدة بعض محققي مذهب أبي حنيفة.
رسالة الفلاح في الفتح والنجاح.
التحفة الشريفية في أوائل مشاهير الأمهات الحديثية.
ريحانة المحبوب في عمل السطوح والجيوب.
السلسبيل المعين في الطرائف الأربعين.
سوابغ الأيدِ في مرويات أبي زيد.
سيف النصر والتوفيق.
غاية السلوك والتحقيق.
الشموس الشارقة في تراجم مشائخي المغاربة.
المشارقة و فحم الأكباد في مواد الإجتهاد.
قُرةُ عين أهل الصفا في الصلاة على المصطفى.
الكواكب الدرية في أوائل الكتب الثرية.
لوامع الخذلان على من لا يعمل بالقرآن.
كتاب عصمة الرسل.
مجموع مسانيد أبي حنيفة.
مختصر بغية الطلاب في علم الأنساب.
مختصر سند الإمام أحمد.
مختصر المواهب البارية الأصولية في العمل بالكتاب والسُنة.
المسائل العشر.
مفتاح الجفر الكبير.
منظومة الملوك إلى ملك الملوك.
المواهب السرية في منتقى الأوضاع الحرفية.
مواهب القيوم في نزيل روضة الفهوم.
نزهة الجِنان في أوصاف مفسر القرآن.
هداية الوسيلة في إتباع صاحب الوسيلة.
رسائل في ختم الكُتب الستة.
سند الإمام مالك والإمام الشافعي.
شرح البسملة في اثني عشر علماً. انتهى (*)
يتبع....
الشريف محمد أدهم
13-08-2008, 04:04 PM
(الإمام محمد المهدي السنوسي و خلافته لوالده)
إن الله سبحانه وتعالى لمَّا خلق الخلق اختار مما أوجد من الأكوان أشياء ميزها عن غيرها من مثيلاتها... فاختار من البشر الرسل الكرام والأنبياء والعلماء والقادة والعظماء مع كون الجميع بشراً .. كما اختار من المعادن أخيرها وأنفسها كالذهب والجواهر... يختص برحمته من يشاء (*) .. وبهذا الإختصاص قدَّر الله في سابق علمه القديم أن يكون السيد محمد المهدي السنوسي من هذا النوع المختار من البشر .. فولِدَ عظيماً ونشأ عظيماً و أجرى الله على يديه أموراً عظيمة وإصلاحات كبيرة ..نشأ في حجر والده فكان يُجِله ويحترمه ويُقدمه على نفسه ويُكْبٍرُه ويقول له: نحن من أتباعك، وذلك قبل أن يعرف منه علماً أو عملاً ..ثم جلس في مقام والده بعد وفاته وعمره لم يناهز السادس عشر ربيعاً... فكان كاملاً في عقله وعلمه وتصرفاته وإدراكاته ... لم يُعرف عنه طيش الشباب ولا أُبهة الحكام بل كان أمره كله جد.. لذلك كبر في أعين إخوان أبيه وعموم أتباعه وعظمت هيبته في قلوبهم فعمَّت به الفائدة وتوسعت الدعوة واطمأنت النفوس والأتباع. ولقد كان وهو الأخ الأكبر يحنو على أخيه الأصغر محمد الشريف ويلفه بعنايته ورعايته فذابت الفوارق بينهما في أعين الآخرين حتى أصبحوا يقولون "قال أسيادنا ونطلب من أسيادنا وحضر أسيادنا ..." بدون تفريق بينهما في أي شيء أبداً .. وكل ذلك بتوفيق من الله تعالى وتسديده ..
إشتركا في الأمر وتقاسما المسئولية فكان الأمام السيد محمد المهدي بصفته الأكبر هو المرجع لأخيه وإخوان أبيه.. هذا ولقد كان السيد محمد الشريف لأخيه بمثابة اليد المؤازرة وعينه الساهرة فلا يكون رأي أو أمر إلا عن طريق أخيه السيد المهدي وبعد أخذ رأيه ومشورته وموافقته .. كل ذلك منطلقه المحبة لا التأمر والتحكم.. وفي الحقيقة إن المواهب التي منَّ الله بها على السيد محمد المهدي والأخلاق التي حلاَّه بها وجبله عليها قد شملت القريب والبعيد ومَلَكَ بها قلوب العباد من حاضرٍ ومن بادٍ ... حتى أصبحوا يُطلقون عليه كلمة "المهدي" بمعناها المفهوم (2) وذلك مع تباعده عنها ونكرانه لها ولومه الشديد لمن يقولها أو يتفوه بها ..
مكث السيد محمد المهدي السنوسي بعد وفاة أبيه في بلدة الجغبوب سبعة و ثلاثين عاماً لم يخرج خلالها من الجغبوب يوماً واحداً .. ومع ذلك كان أمره يشغل بال الدول والحكام .. وكان أتباعه في ازدياد مضطرد يوماً بعد آخر.. كما كانت مهابته ومحبته تتملك شغاف القلوب.. راسله الحكام في إستانبول والحجاز واليمن ومصر والمغرب وبعض ملوك أوروبا رَغبَة في التودد إليه و التقرب منه ..فلم يكترث بأحدٍ منهم ولم يشغل باله بهم كما لم يقدم على الإرتباط بأحدٍ منهم .. فمثلاً قامت في زمنه ثورة عرابي باشا في مصر سنة – 1299 هـجري – 1882 ميلادي. كما قامت دعوة محمد أحمد المهدي في السودان سنة - 1300 هـجري – 1883 ميلادي. وراسله الإثنان وطلبا منه المساعدة والمساهمة وألحا في استمالته .. فلم يلتفت إليهما وقال كلمته المشهورة: (إن هذه الحركات أسبابها حظوظ نفسية ونهايتها محتومة) وكانت أوروبا قد بدأت سباقاً مستعراً للإستيلاء على الممالك الإسلامية ولتمزق جسد الأمة الواحد فتحيله دويلات مستعمرة تتقاسمها فيما بينها ... وأخذ كلٌ منهم يستولي على نصيبه من التركة .. وكان أغلب السودان "أفريقيا" من نصيب فرنسا .. فبعد احتلالها للجزائر في شهر ربيع الأول – 1246 هـجري – 8 – سبتمبر – 1830 ميلادي. بدأت في بسط نفوذها على أراضي السودان .. وكان أتباع السيد (محمد المهدي السنوسي) ينتشرون وينشطون في السودان بكثرة حيث كانوا ينشرون الدعوة الإسلامية بين القبائل وفي القرى الكثيرة المتناثرة ..فوقفت القوات الفرنسية وجيوشها حجر عثرة أمام الدعوة لدين الله وصدت عن السبيل !! فحرك هذا العدوان مشاعر السيد المهدي السنوسي وقرر الوقوف في وجه العدو المعتدي ومنازلته ... فخرج من الجغبوب أولاً إلى (الكُفْرَة) ثم منها إلى بطن السودان "تشاد" ورفع علم الجهاد في وجه فرنسا المعتدية غضباً لله تعالى و سعياً لرفع راية (لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله) والتقى الجمعان و حميَّ الوطيس طيلة سنة وبضعة أشهر .. فكان جهاداً لله تعالى لا لغرض سلطة أو ملك أو إستغلال ..بل غيرة دينية و حمية إسلامية .. وكان الإمام المهدي عازماً على الإستمرار في رفع راية الجهاد المُقدس .. غير أن إرادة الله تعالى اقتضت غير ذلك فكان أن عاجلته المنية في واحة " قَرْو" بتشاد ... والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فلا رادَّ لقضائه ولا مُعقب لحكمه ولا يُسأل عمَّا يفعل سبحانه وتعالى.
(ترجمة حياة السيد محمد المهدي السنوسي)
ولد ليلة الأربعاء أول يوم من شهر ذي القعدة الحرام – 1260 هجري – 12- نوفمبر 1844 ميلادي. في الجبل الأخضر بقرية (ماسَّة) وأسماه والده (أحمد بن إدريس) على اسم أستاذه .. ثم في يومه السابع غير اسمه إلى (محمد المهدي) وسلمه لمرضعته الشريفة (خضراء) زوجة (حسين الشريف) و بعد أن أتم الرضاعة عندها أعادته إلى والدته .. وعندما سافر والده من الجبل الأخضر إلى الحجاز عام - 1262- هجري - 1844- ميلادي. بقي هو مع والدته وشقيقه السيد محمد الشريف يترددان مابين زاويتي البيضاء و درنة حتى بلغ السابعة من عمره.. وفي عام - 1267 هجري - 1851- ميلادي. طلبه والده فسافر بصحبة الرجل الصالح (محمد بن إبراهيم الغماري الكبير) أي كبير إخوته آل الغماري .. وكان سفره في مركب شراعي من بلدة درنة إلى بلدة (خانية) إحدى مواني جزيرة (كريت) اليونانية ومنها إلى الإسكندرية ثم توجه الركب إلى القاهرة براً ومن القاهرة إلى السويس ثم عبروا البحر إلى (ينبع) ثم إلى المدينة المنورة على الجِمال ..و هناك اجتمع بوالده وحج معه عام 1267 هجري – وبعد ذلكم بعام قدمت والدته وشقيقه محمد الشريف إلى الحجاز وحجوا جميعاً مع والدهم ووالدتهم .. ثم في عام 1269 هجري – 1851- ميلادي .رجع والده إلى برقة وبقي السيد المهدي مع والدته وشقيقه في الحجاز مترددين مابين مكة والمدينة لفترة خمسة أعوام ..ثم في عام 1274 هجري – 1858 – ميلادي. طلبه والده إلى الجغبوب صحبة الشيخ (عبد الرحيم المحبوب) وبعدها بعام واحد قدمت والدته وشقيقه محمد الشريف من مكة إلى الجغبوب .. وتزوج هو وشقيقه فاتح عام – 1276 هجري – يوليو – 1859 – ميلادي. ثم تُوُفِيَّ والدهما في التاسع من شهر صفر – 1276 هجري – 7 – سبتمبر 1859- ميلادي. وبقي هو وشقيقه بصحبة والدتهما بالجغبوب ثم جلس في مقام والده وقام بما كان يقوم به الوالد من أعمال إصلاحية ونشر للطريقة السنوسية حتى عام 1312 - هجري - 1894 ميلادي.
(وفاته)
ثم رحل من الجغبوب إلى (الكُفْرة) وكان بدء الرحلة في 22 – شوال – 1312- هجري – 18 – إبريل – 1895 ميلادي. ووصولها إلى الكفرة يوم الجمعة – 15 – ذي القعدة – 1312 هجري – 10 – مايو – 1895 – ميلادي. حيث مكث بالكفرة أربعة أعوام و نصف .. ثم رحل منها إلى مقاطعة تشاد بالسودان " أفريقيا".. وكان بدء الرحلة في شهر جمادي الثانية - 1317 - هجري – أكتوبر – 1899 - ميلادي. ووصولها إلى بلدة (قَرْو) في منتصف شهر رجب - 1317 - هجري. ومكث بها عامين و نصف حيث قام خلالها بمحاربة القوات الفرنسية .. وفي يوم الأحد- 23 – صفر – 1320 هجري – 1 – يونيو – 1902 ميلادي. كان على موعد مع القدر المحتوم .. ونقل جثمانه الطاهر على إثر ذلك إلى بلدة (الكُفرة) حيث مثواه الأخير.
(نساؤه)
تزوج الإمام محمد المهدي السنوسي ثمانية من النساء هُن: السيدة فاطمة العمرانية والسيدة عائشة الحدوثية والسيدة خديجة البوزيدية والسيدة فاطمة الحدوثية أيضاً والسيدة عائشة البوسيفية والسيدة فاطمة الغمارية والسيدة خيرية الخطابية والسيدة خديجة البوسيفية ... ومن الأولاد ستة عشر مولوداً، ثمانية من الذكور وثمانية من الإناث ..عاش من الذكور فقط إثنان هما السيد محمد إدريس السنوسي ملك ليبيا وأخوه السيد محمد رضا ولي العهد الأول "والد السيد الحسن الرضا ولي العهد الثاني".. ومن الإناث أربعة هن الأميرات السيدة صفية والسيدة نفيسة والسيدة فاطمة الحسنية والسيدة عاتكة والتي توفيت بعد والدها و قبل زواجها.
(حليته)
كان الإمام المهدي السنوسي مُدور الوجه واسع الجبين أزهر اللون إلى البياض أقرب؛ كث اللحية على خده الأيمن خال؛ ربعة إلى الطول أقرب؛ عرض الكتفين والمنكبين واسع الثغر مُفلج الثنايا أقنى الأنف أقرن الحاجبين أدعج العينين أزيل الفخذين أي فيها إنفراج قليل؛ قليل الكلام خاشع قانت وفي لسانه شيئ من الثقل وإذا أبطأ عليه الكلام ضرب بيده اليمنى على فخذه اليمن، لونه عربي أي أبيض مُشربٌ بحمرة، خُلُقُه نبوي يملأ عين من رآه هيبة ولا يستطيع من جالسه أن يُصَوِّب إليه نظره إلا خِلسة.
يتبع....
الشريف محمد أدهم
13-08-2008, 04:06 PM
(السيد محمد الشريف السنوسي)
هو الإبن الثاني للإمام محمد بن علي السنوسي، كانت ولادته عام – 1262 – هجري – 1846 ميلادي. داخل الزاوية السنوسية في بلدة درنة، ودرنة بلدة صغيرة تقع على شاطئ البحر الأبيض كثيرة المياه والفواكه جميلة المنظر في منتصف الطريق بين طبرق والبيضاء وكان اسمها زمن العهد اليوناني (دارنيس) وقد تغير اسمها بعد الفتح الإسلامي وأصبحت تُسمى (درنة) وبها شهداء كثيرون من الصحابة رضوان الله عليهم، والمشهور منهم الأمير الشهيد (زهير بن قيس البلوي) الذي كان في وقته أميراً لبرقة وأفريقيا، وكان استشهاده عام 86 هجري.
نشأ السيد محمد الشريف في بلدة درنة ترعاه والدته وتعتني بتربيته هو وأخيه السيد محمد المهدي، وقد كان لجده لأمه السيد أحمد بن فرج الله الفيتوري دوراً إيجابياً في رعايته وتربيته و توجيهه لأن والده تركه صغيراً جداً حيث سافر إلى الحجاز، وعندما بلغ السادسة من عمره بعث والده في طلبه عام 1268 هجري -1852 - ميلادي. فتوجه صحبة والدته وجده وكثير من الإخوان يرأسهم السيد عمران بن بركة الفيتوري، وفي مكة أخذ علوم القرآن العظيم مع شقيقه محمد المهدي على الشيخين الجليلين (محمد بن إبراهيم الغماري) و(أحمد البقالي، وفي عام 1269 – هجري – 1853 – ميلادي. تركهم والدهم بمكة وعاد إلى برقة و عند وصوله إلى برقة نزل بزاوية (العزيات) وأمر بتأسيس زاوية الجغبوب وعند الإنتهاء من التأسيس رحل إليها برفقة أتباعه عام 1273 – هجري – 1857- ميلادي. ثم بعث في طلب إبنه الكبير محمد المهدي أولاً ثم طلب حضور إبنه السيد محمد الشريف، وعند وصوله الجغبوب بدأ السيد محمد الشريف تلقي العلوم الشرعية على حضرات الشيوخ عمران بن بركة الفيتوري الزليتني الطرابلسي والشيخ أحمد بن عبد القادر الريفي والشيخ عبد الرحيم بن احمد المحبوب والشيخ محمد بن إبراهيم الغماري الصغير.. ثم رأى والدهما أن يزوجهما ..فعقد للسيد محمد الشريف ولشقيقه على كريمتي شيخهما البارك السيد (عمران بن بركة الفيتوري) وبعد هذا القِران بفترة قصيرة تُوفِي الوالد العظيم السيد محمد بن علي السنوسي.
(نبوغ السيد محمد الشريف في العلم والتعليم)
بقي الإبن محمد الشريف وشقيقه محمد المهدي والذي قام مقام الوالد، واستمر الأخوان في أخذ العلم على الشيوخ الذين سبق ذكرهم حتى بلغا مبلغ الرجال بعدما نالا قسطاً عظيماً من العلوم المختلفة.. وبعد الإنتهاء من الدراسة ألزم السيد محمد الشريف نفسه القيام بالتدريس في معهد الجغبوب حيث فتح الله عليه فتوحات خارقة حتى صار إماماً بارعاً في العلوم الدينية والعربية والأدبية.. فقصده طُلابُ العلم من كل حدبٍ و صوب وخاصة كبار الطلبة من الإخوان السنوسيين.. وتخرج عليه علماء أعلام فطاحلة كانوا يعتزون بإنتسابهم إليه وأخذهم العلم عنه.. وهكذا أمضى حياته السعيدة بجلائل الأعمال فلم يترك التدريس بمعهد الجغبوب إلا في سنة وفاته.
(وفاته)
بعد العطاء المضني والمستمر للنفوس الكبيرة كما قال الشاعر:
وإذا كانت النفوس كبارا تعُبت في مرادها الأجساد
اشتدت وطأة المرض على السيد محمد الشريف ومع ذلك لم تمنعه المعاناة من القيام بجميع الشؤون الداخلية والإدارية للحركة السنوسية من قريب أو بعيد حسبما خوله ذلك شقيقه الأكبر السيد محمد المهدي، فكان نائبه وخليفته في الجليل والحقير .. حتى وافاه الأجل المحتوم في – 27 – رمضان – 1313 هجري – 12- مارس–1896 ميلادي. رحمه الله تعالى ورضي عنه وأسكنه فسيح جناته في أعلى عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن ألائك رفيقاً.
(زوجاته)
توفي رضي الله عنه عن أربع زوجات هُن والدة المجاهد العظيم السيد (أحمد الشريف) والثانية والدة السيد (محمد هلال) والثالثة والدة السيد (محمد صفي الدين) والرابعة والدة السيد (محمد عابد) وشقيقه، وقد خلف من الأولاد الذكور خمسة هم: أحمد الشريف – محمد عابد – علي الخطابي – محمد هلال – محمد صفي الدين. ومن البنات ثلاثة هن: السيدة فاطمة السنيه والسيدة سُكينة والسيدة عائشة.
(حليته)
كان متوسط القامة أبيض اللون أدعج العينين سائل الخدين رقيق الحواجب بدين الجسم خفيف العارضين بهي المنظر.. وكان عالي الهمة يهوى المطالعة الكثيرة وقراءة الكتب النادرة كما كان قواماً صواماً رحمه الله وأسكنه أعالي الجنان آمين.
تم بحمد الله وعونه القسم الأول من كتاب الفوائد الجلية في تاريخ العائلة السنوسية
مراجع كتاب تاريخ العائلة السنوسية:
1 – المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب – أحمد بيك النائب
2 – تاريخ ابن غلبون – أحمد محمد بن غلبون الوائلي
3 – المدخل إلى تاريخ المغرب – السيد عبد الله بن كنون
4 - السلسبيل المعين في الطرائف الأربعين – محمد بن علي السنوسي
5 - الدرر السنية في أخبار السلالة الإدريسية – محمد بن علي السنوسي
6 – حُسن الوفاء لإخوان الصفا – محمد فالح الظاهري
7 – الرحلة الحجازية محمد لبيب البتنوني
8 – عنوان المجد في تاريخ نجد عثمان بن بشر النجدي
9 – البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب – أحمد علي عبد القادر المقريزي
10- شفاء الغرام بأخبار بلد الله الحرام – محمد أحمد علي الفاسي المكي
11- قلب الجزيرة العربية – فؤاد حمزة
12- الدولة الإسلامية – عبد الحميد العبادي وأحمد العدوي
13- ملوك العرب – أمين الريحاني
14- في ربوع عسير – عمر رفيع
15- تاريخ العالم العربي في العصر الحديث – د. أحمد عزت أبو الفتوح وعبد الحميد البطريقي
16- تاريخ المخلاف السليماني – محمد أحمد عيسى العقيلي
17- حاضر العالم الإسلامي –الأمير شكيب أرسلان
18- تُحفة الإخوان ببعض مناقب شرفاء وزان الشريف حمدون بن محمد الطاهري الجوطي الحسيني
19- الكوكب الأسعد في مناقب سيدي علي بن أحمد – محمد محمد حمزة المكناسي
20- اليواقيت الثمينة في أعيان مذهب عالم المدينة – محمد البشير ظافر المدني
21- مرآة الحرمين – إبراهيم رفعت
22- درة المفاخر – محمد الطيب القادري الحسني
23- الدُر السَني في النسب الحَسَني – عبد السلام القادري الحَسَني
24- الدرة البهية والجواهر النبوية – إدريس أحمد العلوي الحسني
25- دَُرَّةُ التيجان – محمد عبد الرحمن الولائي
26- الرحلة الحجازية – عبد الله القديدي
27- تاريخ طرابلس الغرب باللغة التركية – محمد نوري و محمود ناجي
28- تاريخ مكة – أحمد السباعي
29- السنوسية دينٌ ودولة – دكتور محمد فؤاد شكري
30- صحراء ليبيا – أحمد حسنين باشا
31- مذكرات الشيخ محمد صادق البكري الطائفي – محمد بن صادق البكري شيخ زوايا الجريد بتونس
32- مكاتبات خطية (إلى بعض الإخوان والمريدين) من السيد محمد بن علي السنوسي
33- هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين – إسماعيل باشا البغدادي
34- صحائف العامل بالشرع الكامل – الشيخ فالح بن محمد المهنوي الظاهري المدني
35- قلائد الجُمان في التعريف بقبائل عرب الزمان – أبو العباس أحمد علي القلقشندي
36- نُزهةُ العيون وفرحة القلب المحزون – إسحاق المسعودي
37- الدُر النفيس في مناقب الإمام أحمد بن إدريس – أحمد بن عبد الحي الحلبي
الشريف محمد أدهم
13-08-2008, 04:08 PM
http://www.libya-al-mostakbal.com/Books/assayed_ahmad_asherif_assonousip2.jpg
ترجمة حياة رئيس المجاهدين السيد أحمد الشريف السنوسي
نسبه: هو العالم العامل والسيد الكامل قدوة العاملين وبقية السلف الصالحين مُحْي سُنَّةَ الجهاد وخُلاصة عترة خير العِباد السيد ( أحمد بن محمد الشريف بن محمد بن علي السنوسي الخطابي الإدريسي الحَسَنِي).
ولادته: كانت ولادته المباركة عام 1290 هجري - 1873 ميلادي. في واحة الجغبوب، المركز الروحي الأول للحركة السنوسية، والواقعة جنوب شرق مدينة طبرق في آخر حدود ليبيا الشرقية المتاخمة للحدود المصرية وبالقرب من واحة سيوة المشهورة.
نشأته: تربى رحمه الله ونشأ في حجر والده السيد محمد الشريف السنوسي، وحينما ترعرع وبلغ السادسة من عمره دخل تحت كنف عمه السيد محمد المهدي ، حيث بدأ في تعلم القرآن وحفظه على يد أستاذه الأول الإمام ممد المهدي حتى حفظ جزءً كبيراً منه ، ثم أمر عمه أن يُتم حفظ القرآن على شيخ الجغبوب وإمامه في وقته وأحد تلاميذ جده السيد (محمد بن مصطفى المدني التِلْمِساني) فكان يعرض ما يكتبه على اللوح قراءة ً أمام عمه فإذا أجازه ذهب إلى أستاذه المدني ليحفظ على يديه، و هكذا حتى أتَّمَ حفظه وإتقانه وحتى قال له الإمام محمد المهدي: أنت ما أخذت القرآن إلا عني. ولذلك كان رحمه الله يفتخر ويعتز بهذه الميزة العظيمة التي لم يشاركه فيها غيره. كما كان إبَّان حفظه للقرآن يعرض يومياً ما يتلقاه على والده السيد محمد الشريف وعلى شيخه السيد أحمد بن عبد القادر الريفي رحمة الله عليهم أجمعين.
شيوخه: بعد إتقانه للقرآن حفظاً وتلاوة، بدأ يتلقى سائر العلوم على الشيخين الجليلين جده لأمه السيد (عمران بن بركة الفيتوري) والسيد (أحمد عبد القادر الريفي) ولم ينقطع عن طلب العلم على يد "الأب الروحي" شيخه محمد المهدي السنوسي حيث لازمه حتى عام 1312 هجري - 1894 ميلادي.
(رحلته مع عمه ووالده من الجغبوب إلى الكُفْرَةٍ)
رافق السيد أحمد الشريف والده و عمه إلى بلدة الكُفْرَةٍ جنوب برقة عام 1312 هجري – 1894 ميلادي. وفارق شيخه أحمد الريفي لبقائه خليفة في الجغبوب. أمَّا شيخه وجده لأمه (عمران بن بركة الفيتوري) فقد تُوفِيَ قبل الرحلة بسنتين رحمه الله تعالى.
ومنذ بلوغه الخامسة عشرة من عمره، كان السيد أحمد الشريف هو اليد اليمنى العاملة و الفاعلة في بيتي والده وعمه، فقد كان رسول عمه و المبلغ عنه أوامره لإخوانه وزواره، كما كان أيضاً الساعد الأيمن لأبيه في الجليل والصغير من الأمور خاصَّة عندما بدأت صحة والده في التدهور.
وعندما تهيأ السيد أحمد الشريف للرحلة من الجغبوب إلى الكُفرة، كان قد بلغ من العمر إثنين وعشرين عاماً، وكان يحمل على عاتقه متاعب ومشاق هذه الرحلة الجامعة لما ينوف عن ألفين وستمائة ً (2600) شخصا ما بين كبار وصغار وذكور وإناث، وما تتطلبه هذه الجموع العظيمة من أسباب الراحة والإدارة ولوازم الإعاشة والسكن إلى غير ذلك من الأمور التي يعجز عنها عظام القادة العسكريين ، فكان يتلقى الأوامر من عمه ووالده ويقوم هو بدوره بإبلاغها إلى حضرات الإخوان المختصين وتوزيع الأعمال كل حسب إختصاصه. ولقد دامت هذه الرحلة قرابة ثلاثة أشهر قُطعت خلالها أكثر من ألفٍو ثلاثمائة (1300) كيلوا متراً في صحراء قاحلة لا ماء فيها ولا مأوى إلا ما كان على ظهور الإبل البالغ عددها ثلاثة آلاف جملاً.
وهكذا نشأ السيد أحمد الشريف السنوسي وتربى على تحمل المشاق والمسئوليات العظام، ولم يعرف الركون للراحة يوماً ما طيلة حياته الحافلة والمليئة بالمخاطر والأمور التي تشيب لها نواصي الرواحل من الرجال.
فبعد أن تمت الرحلة ووصلت الكُفرة واستقرت أياماً قلائل، اشتد الألم بوالده الذي ترك أهله وأولاده في الجغبوب ورافق شقيقه السيد محمد المهدي والذي كان يرى فيه القدوة والمُربي والشيخ والوالد لا كشقيق فقط، والسيد محمد الشريف هو ذاك العالم العامل والسيد الكامل قدوة الصالحين وإمام العلماء العاملين إذ كان رحمه الله بحراً زاخراً بعلومه ومورداً عذبا سائغاً لمن أتاه راغبا ًً في النهل من سلسبيل علومه ومعارفه، قضى حياته السعيدة في طلب العلم ونشره واقتدى بسيرة أجداده وسلفه فكان كعبة طلاب العلم، ولم يمنعه هذا كله من أن يكون لشقيقه كالإبن البار الرحيم.
يتبع.
الشريف التنواجيوي
26-08-2008, 11:07 AM
شكرا لك أخي محمد على هذا المجهود الرائع الذي تبذله بارك الله فيك وسدد خطاك
رائـد الدباغ
26-09-2008, 12:27 PM
الله يعطيك العافية يآ محمد
قرأت معظمه ولي عودة إن شآء الله لتكملة قرآءته
رائـد الدباغ
26-11-2009, 08:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة)
لمؤلفها وجامعها: عبد المالك بن عبد القادر بن علي
1386 هجري - 1966 ميلادي
الجزء (1) من القسم الأول (مقدمة المُختَصِر)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.. وأفضل الصلوات على نبي البركة والرحمات محمدٍ سيد البريات صاحب الشفاعة والكوثر المُنادى يوم المحشر "يا محمد ارفع رأسك.. وسل تُعط .. ساكب العبرات لهفاً على أمته" يا ربيِ أُمتي ... يا ربِي أُمتي" صلي اللهم وبارك عليه وعلى آل بيته الأطهار والصحب الكرام الأخيار وسلم تسليماً كثيرا.. ثم أما بعد.
لما رأيت أن شمس الحق لا يمكن أن يُحجبها غربال، وأن تاريخ الأمم والشعوب هو صفحة الخلود لمجد الآباء والأجداد ... قلبت في صفحات ماضينا القريب، فإذا به قد سطرته دماءُ زكية استرخصت أرواحها في سبيل رب البرية، وسيرة رجال أشاوس طلقوا الدنيا وطول الرقاد في سبيل حماية الوطن من كلِ عاد .. فأضحت سيرتهم نوراً وسراجاً منيرا للنشء والأحفاد.
هذا وقد شرح الله صدري لمطالعة سير الأبطال وتراجم الرجال فإذا بي أمام سيرة رجل عاش لربه طائعاً .. وعن حمى دينه ووطنه ذائداً .. وحسبك أن تأخذ سيرة الصالحين ممن عاصرهم .. بل عايشهم ورافقهم، فصاحب هذا الكتاب الذي بين يدي هو الشيخ (عبد المالك بن عبد القادر بن علي الدرسي) وقد نقل لنا صورة حية عن شخصية ذلك المجاهد البطل والذي لقبه في كتابه برئيس المجاهدين .. إنه السيد (أحمد الشريف السنوسي) حفيد مؤسس الحركة السنوسية في ليبيا المصلح المجدد الإمام (محمد بن علي السنوسي الحسني) ولقد بذل المؤلف جهداً لا نملك حياله إلا أن نقول: جزاه الله خيراً عن كل حرف سطره يراعه لينقل للجيل القادم أمجاد الأجداد وجهادهم الذي أوصل الوطن لنيل عزته واستقلاله.
ويجدر بي في هذا المقام أن أرجع فكرة نشر هذا السفر التاريخي القيم للأخ الأستاذ (هشام بن غلبون) والذي أهداني نسخة من الكتاب بهدف توثيقه في الشبكة العنكبوتية العالمية، والدّال على الخير كفاعله.
أهمية الكتاب
تكمن أهمية كتاب (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة) في احتوائه على ترجمة لحياة مؤسس الحركة السنوسية الإمام (محمد بن علي السنوسي) والذي تعرضت سيرته للتهميش والتشويه والإهمال، وحسبنا أن نقف على شهادة واحد من أشهر علماء عصره وزمانه العالم الإمام (أحمد بن إدريس العرائشي). هذا في القسم الأول من الكتاب، أما الجزء الثاني فقد اشتمل على سيرة السيد (أحمد الشريف السنوسي) والذي حفلت حياته بمواقف البطولة والفداء على المستوى الليبي الوطني الذي لم يكن في منأى عن الولاء للخلافة الإسلامية في عاصمتها "أسلام بول – استانبول" ثم الواجب الذي أخذه على عاتقه تجاه أمته الإسلامية، فقد شد من عزيمة الجيوش العثمانية في حربها ضد القوات اليونانية المحتلة في الأناضول حتى كتب الله لها النصر .. وعاصر السيد احمد الشريف أكبر مصاب على يد القائد العسكري "مصطفى كمال أتاتورك" والذي قلب له ظهر المِجَّن معلناً سقوط الخلافة الإسلامية ورفع شعار العالمانية !! ثم ينتهي المُقام بالسيد الشريف بجوار جده المصطفى محمد بن عبد الله بالمدينة المنورة قائماً بالدعوة إلى الله ومؤدياً دور الإصلاح بين الزعامات السياسية المتنازعة في تلك الحقبة التي مرت بها الأمة العربية والإسلامية.
دوري في الكتاب
حاولت جهدي أن أقوم بإلإختصار غير المُخِل لمحتويات النسخة الأصلية للكتاب، وإعادة صياغة بعض عباراته، والتركيز على ما اختص من أحداث بالشأن الليبي قدر المستطاع.
وأخيراً .. إذا كان المؤلف (عبد المالك بن عبد القادر بن علي الدرسي) قد أتم الكتاب في حضرة النبي المصطفى العدنان في المدينة المنورة حيث حط الرحال مع شيخه الضرغام (أحمد الشريف السنوسي) نزيل طيبة ثُم البقيع ..فإني أبتهل إلى مولاي أن ييسر لي نُزلاً في الحياة قبل الممات بجوار صاحب الوجه الأنور سيدنا رسول الله وأن يرزقنا شفاعته يوم المحشر والورود على حوضه والكوثر. وغايتي في تصنيف هذا الكتاب إماطة اللثام عن كل ما اكتنف سيرة و شخصية مؤسس الحركة السنوسية من لبس أو إبهام... وأن أفي حق العالم المجاهد الجليل (أحمد الشريف السنوسي) وأنقل سيرة بطل جهلها الأكثرون .. وأراد طمس معالمها أناسٌ آخرون. (لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب) والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
رائـد الدباغ
26-11-2009, 08:25 PM
مقدمة المؤلف
الحمد لله الذي أوجد الخلق من العدم. وجعلهم شعوباً وقبائل وأُمم. والصلاة على الشفيع الأعظم سيد العرب والعجم سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وبعد. أتقدم إلى حضرات القراء الكرام بهذه العجالة المختصرة من تاريخ العائلة السنوسية الكريمة مجزأة إلى جزأين الأول منهما يشتمل على ترجمة حياة عميد العائلة ومؤسسها العظيم (السيد محمد بن علي السنوسي) من حين نشأته إلى وفاته وكل ما يتعلق برحلاته وتنقلاته وأعماله العظيمة الخالدة كما يشتمل على شيء يسير من تراجم حياة ابنيه الكريمين الإمامين العظيمين السيد (محمد المهدي السنوسي) وشقيقه السيد (محمد الشريف السنوسي). والجزء الثاني يتعلق بذكر حياة الرجل الصالح والبطل المكافح رئيس المجاهدين وقاهر الكفرة المعتدين والذَّاب عن الإسلام والوطن الفاني في حب الله والمجاهد في سبيل الله السيد (أحمد الشريف السنوسي). جمعتها وسميتها (الفوائد الجلية في تاريخ العائلة السنوسية) وذلك لما رأيت أن أكثر الناس يجهلون حقيقة هذه العائلة المباركة ومبادئها الثابتة ومقاصدها الحسنة ويخوضون فيها بأمور شتى ويتلقفون عنها أخباراً وروايات تُنسب إليها متضاربة وملفقة ينقلونها ويروونها صحيحة ومكذوبة ويجهلون أصل النشأة وبدايتها وما قام به مؤسسها العظيم وحفدته الكرام من الأعمال النافعة للدين والوطن والبشرية جمعاء ويؤولون أفعالهم و جهادهم وطريقهم كل على حسب ميوله لهم وعليهم فاحتسبت أجري عند الله وبادرت بتسويد ما يطلع عليه حضرة القارئ الكريم معتمداً في ذلك على الله ومتحرياً فيما جمعته ذكر الحقائق، وتاركاً ذكر ما لم يتحقق أو في ذكره ما يوجب اعتراض الخلق خصوصاً في هذا الزمن الذي تغيرت فيه المشارب و كثرت فيه الفتن وأصبح أكثر أهله لا يؤمنون برب ولا كتاب ولا يخافون من حساب أو عقاب. ليستزيد منه المحب الصادق ويستفيد منه الباحث الحاذق واستمد التوفيق والعون من الذي يقول للشيء كن فيكون.
المؤلف
(مبدأ اسم السنوسي)
أول من عُرف بهذا الاسم أحد الأئمة الهُداة الذين رفعوا لواء السُنة الغرّاء وحملوا مشعل العلم الشريف وأناروا طريقه لطلابه، الإمام السيد محمد بن يوسف السنوسي صاحب العقائد السنوسية في التوحيد، كان في زمانه حُجة ولعلمائه قُدوة ونال من الصلاح درجة عالية وشهد بفضله الخاص والعام، لذلك تبركاً باسمه سَمَّى بعض الناس أبناءهم باسمه وقد تربى هذا السيد الجليل ما بين قبيلة بني اسنوس وكلمة اسنوس مشتقة من اسم جبل أسنوس الذي يبعد عن بلدة تلمسان (بلدة بالجزائر) بمسافة يوم تقريباً وكان يسكن بهذا الجبل فخذ من قبيلة بربرية يُقال لها (كوميه) وأطلق على هذا الفخذ الساكن بالجبل اسم بني أسنوس .. ووُلِد السيد محمد بن يوسف بينهم وكبر واشتهر بالسنوسي نسبة إليهم وهو ليس منهم وفيما بعد درج الناس على التسمية باسمه وكان ممن سُميّ باسمه ابنٌ للجد الرابع للسيد محمد بن علي السنوسي سمّاه والده السيد عبد القادر بن السيد أحمد شهيده (محمد السنوسي) فكبر وتعلم و نال أيضاً من الصلاح والعلم والزهد والتقوى درجة رفيعة حتى كان إمام وقته و حافظ عصره وأُطلق عليه إمام المفسرين والمُحدثين في زمانه وهو أول من تسمى بالسنوسي في سلسلة آل خطاب الأشراف وتوفي هذا السيد الجليل في تلمسان ودُفن بها ولم يعقب خلفاً إلا أن أبناء إخوته بعده درجوا على تسمية أبنائهم باسمه حتى سُمي به السيد السنوسي جد السيد محمد بن علي السنوسي صاحب الترجمة.
(نسب السيد محمد بن علي السنوسي)
فهو محمد بن علي بن السيد السنوسي بن العربي الأطرش ابن محمد بن عبد القادر بن أحمد شهيده بن محمد شائب الذراع بن يوسف أبو ذهيبة ابن عبدالله بن خطّاب بن علي أبو العسل بن يحي بن راشد بن أحمد المُرابط بن منداس بن عبد القوي بن عبد الرحمن بن يوسف بن زيّان بن زين العابدين بن يوسف بن الحسن بن إدريس بن عبدالله بن أحمد بن محمد بن د عبد الله بن حمزة بن سعيد بن يعقوب بن داوود بن حمزة بن علي بن عمران بن إدريس الأزهر (الأصغر) أمير المسلمين وباني مدينة فاس بن الإمام إدريس الأكبر أول ملوك السادة الأدارسة بالمغرب بن عبدالله الكامل بن الحسن المُثنى بن الإمام الحسن السبط بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه وفاطمة الزهراء بِضعة المصطفى سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف و كرم وعظم.
(ولادة الإمام محمد بن علي السنوسي ونشأته)
كانت ولادته صبيحة يوم الاثنين 12 - ربيع الأول - 1202 هجري - الموافق – 21 ديسمبر – 1787 ميلادي. عند طلوع الفجر ولذلك سماه والده محمداً تيمناً باسم جده المصطفى صلى الله عليه وسلم وكانت ولادته بضاحية (مَيْثَا) الواقعة على ضفة وادي شِلْف بمنطقة الواسطة التابعة لبلدة مُستغانم الجزائرية مقر أجداده السادة آل خطّاب وكان من قضاء الله وقدره أن تُوفي والده وعمره سنتان فقط كما أعقبته والدته بقليل و تركاه صغيراً فتولت كفالته عمته المصونة السيدة فاطمة الزهراء بنت السنوسي بن العربي بوصية من والده أخيها علي... وكانت عمته هذه من أشهر السيدات في عصرها علماً وأدباً وزهداً وصلاحاً وتقوى... وكانت تتصدر للإفادة والتدريس والإرشاد حسبما يحله الشرع الشريف كما كان يقصدها طلاب العلم الشريف من بلدان بعيدة للأخذ عنها والاستفادة منها.. فكانت خير مرشدٍ له ومربٍ وعندها حفظ القرآن الكريم و شيئاً كثيراً من المتون في علوم شتى.
(شيوخه في القرآن)
أولهم زوج عمته محمد بن قعمش الصغير الظهراوي وابنه عبد القادر وكانا عالمين جليلين صالحين ويشاركهما في تحفيظه القرآن محمد بن الخلفة ثم توفيت عمته وزوجها وبنوها ومحمد بن الخلفة في طاعون عام 1209 هجري – 1794 ميلادي. وعمره لم يتجاوز السابعة فكفله محمد السنوسي بن عمه عبد القادر بن السنوسي وذلك بإذن عمه المذكور عبد القاهر شقيق والده علي السنوسي فتمم على ابن عمه هذا حفظ القرآن الكريم برواياته السبع مع ما يلزمه من علم رسم الخط للمصحف والضبط كما قرأ عليه الرسالات الآتية: مورد الظمآن، المصباح، العقيلية، الندى، الجزرية، الهدية المرضية في القراءة المكية، حرز الأماني للشاطبي، وغيرها مما هو من وظائف قارئ القرآن وظهرت عليه النجابة كما تنبأت له بذلك جدته لوالده السيدة فاطمة وكانت من الصالحات الكبار أيضاً ثم بعد أن أتم ما يلزمه من لوازم حفظ القرآن وإتقانه شرع له ابن عمه هذا في العلوم العربية أولاً ثم الدينية بالتدرج دون أن يرهقه أو يدخل عليه شيئاً من السآمة أو الملل مع حضه له على العمل بما يتعلمه والتمسك بالسنة المطهرة دونما تفريط أو مغالاة، وسلوك مسلك أجداده العظام والتأسي بهم في الحقير والجليل مع تحذيره له من كل ما يبعده عن الله و ترغيبه له في كل ما يقربه منه وكان يزوده بنبذ صالحة مفيدة عن سيرة أجداده الأئمة الأعلام وأعمالهم المجيدة ودرجاتهم الرفيعة وكيف نالوها حتى اشرأبت روحه الطاهرة إلى الأعمال الصالحة واطمأنت نفسه الكريمة إليها مع ترغيبه له على موالاة طلب العلم وحثه عليه و مساعدته له حتى نال منه قسطاً وافراً قَلّ مَنْ ناله في مثل سنه على ابن عمه هذا في مستغانم و اختار الله هذا السيد الجليل إلى جواره الكريم بعد أن هيأ ابن عمه تهيئة صالحة مُرضية و كان سنه قد بلغ السابعة عشر سنة 1219 هجري – 1804 ميلادي. فجلس بعد ابن عمه يتلقى العلم على شيوخه في مُستغانم.
ملاحظة هامة :
سوف أقوم بتجميع جميع الحلقات الأخرى الخاصة بالقسم الأول في الوورد لتحميلها فأمهلوني قليلا(:
تم تحميل الملف :D
http://www.support-ar.org//./extension/rar.gif (http://www.support-ar.org//uploads/files/support-ar.com-20f25eab00.rar)
يوسفي
26-11-2009, 08:46 PM
http://aladdarssah.com/uploaded/2218_01257245517.gif
رائـد الدباغ
27-11-2009, 12:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة) - القسم الثاني (1)
لمؤلفها وجامعها: عبد المالك بن عبد القادر بن علي - 1386 هجري - 1966 ميلادي
مقدمة المُصنف
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأصلي وأسلم على من بعثه الله هادياً للخير ومحذراً من الضلالات حبيبنا محمد خاتم الرسل وصاحب المعجزات الذي آتاه الله جوامع الكَلِم، فكلٌ دونه عِيٍ البيان ومن فصاحته يقتبس بديع العبارات، صلى الإله عليه ما ازدانت بسيرته صحائفٌ واستنت أُمَتُه بحُسْنِ خُلُقه وقامت على شريعته الغراء حكومات ودويلات.
أما بعد ... فهاهو الجزء الثاني من هذا السفر التاريخي الليبي قد رأى النور في عالم الشبكة العالمية بعد أن كاد أن يطويه النسيان بين دفتي كتاب قد تم طبعه منذ أكثر من أربعة عقود مضت .. ولا ريب أن تاريخ الوطن الليبي قد تأثر مع بداية القرن العشرين بالغزو الإيطالي فهب الجميع للذود عن شرف الأُمة ولبس أسود البلد لأَمَة الحرب رافعين راية الجهاد خفاقة عالية ضد المحتل الغاشم الظالم. ومن أبرز هؤلاء المجاهدين القائد الفذ السيد (أحمد الشريف السنوسي) الذي توجَ جهاده بإعلان قيام الحكومة الإسلامية حيث كان شعارها "الجنة تحت ظلال السيوف".
وميزة هذا الجزء تتمثل في أن مؤلف الكتاب قد عاصر وصاحب السيد (أحمد الشريف السنوسي) وأخذ عنه مشافهة، ومن هنا كانت رواياته التاريخية عالية السند صحيحة المتن، وفي ذات الوقت جاءت مبرهنة على أن التاريخ لا يَكذِب أهله كما أن الرائد لا يَكذِب أهله.
وغاية أملي أن أكون بهذا الجهد قد أمطت اللثام وأزحت الغبار عن سيرة عالم عامل مجاهد ربى للأمة أسود الوغى .. فمن تلاميذه شيخ الشهداء (عمر المختار) وكفى به فرعٌ أصيل لأصل رفيع .. ذلك الشامة في جبين ليبيا والأمة الإسلامية وفخر عزتها سليل الأشراف الفاتحين (أحمد بن محمد الشريف بن محمد بن علي السنوسي الخطابي الحسَني).
http://www.libya-al-mostakbal.org/Books/assayed_ahmad_asherif_assonousi.jpg
أخر صورة لفقيد الإسلام سيادة السيد أحمد الشريف السنوسي
الإهداء
إلى حضرات السادة النُبلاء وخُلاصة دوحة الشُرفاء مَنْ في كنف الله تعالى ثم كنف والدهم رُبِيتُ ... وبنعمة الله تعالى ثم بنعمته نشأت وغُذَِيت . أُقَدم ما تيسر لي جمعه من سيرة والدهم العطرة وجهاده المُقدس تخليداً لذكراه وحفظاً لحقه وإشادة بمجهوداته رحمه الله ورضي عنه.
المؤلف
السيد – أحمد الشريف السنوسي (مقدمة المؤلف)
الحمد لله الذي جعل العلماء هداة الأمة وأزاح بشموس معارفهم ظُلم الجَهلِ المُدلَّهمة وقص علينا في كتابه العزيز من أخبار من تقدمنا من الأمم لنعتبر ونتدبر ونسلك السبيل الأقوم و نتذكر والصلاة والسلام على من رفع الله به عَلَمَ الإسلام وحلاَّهُ بمكارم الأخلاق وشرَّفه على سائر الأنام فجاهد في الله حق الجهاد و قاسى الشدائد في نشر كلمة لا إله إلاَّ الله بين العباد صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الذين قاموا بعده بنشر دينه وخاضوا لُجّجَ الشدائد لبقاء عزته حتى عم دين الإسلام المعمورة وانتشر واعتلت كلمة لا إله إلا الله و الله أكبر.
وبعد ... فإني لما رأيت الحاجة ماسة إلى تدوين ما لا بد منه من سيرة البائع نفسه لله والمجاهد بماله و نفسه في سبيل الله حامل لواء الجهاد والحرية وبطل الحروب الليبية خادم الإسلام السيد (أحمد الشريف السنوسي) ورأيت غيري مِمَّن وجب عليهم حقه ورُبُوا في أسعد أيامه وفضله قد غفلوا أو تغافلوا عن أداء ما يوجب عليهم نحوه .. وإن كان التاريخ قد سجل له في النفوس ما هو جدير به .. إلا أن التسجيل للقراء على الصفحات الناصعة البيضاء أمر ضروري لا يختلف فيه إثنان لِمَا في ذلك من تقدير للرجال العاملين وإحياءً لذكراهم في كل مناسبة وذلك للإقتداء بسيرهم الحميدة وأعمالهم الخالدة المجيدة .. ثُم للعظة والذكرى وما في ذلك من قدوات في حياة الناس وما فيها من رجال عاملين قادهم إخلاصهم إلى رضوان ربهم وخدمة دينهم ووطنهم والإنسانية جمعاء. وللقيام بهذا الواجب الإنساني خامرتني فكرة إصدار ما أمكنني جمعه من سيرة بطلنا العظيم (أحمد الشريف) إلا أن هذه الفكرة بقيت تتردد في مُخَيِّلتي من حين لآخر مدة من الزمن فكنت ما بين إحجامٍ وإقدام لعِلمي بقصوري عن إدارك الكمال ... غير أن الرسالة التي في عنقي والأمانة التي أصبحت أحملها دفعتني للتشمير عن الساعد لإظهار ما تيسر لي في هذا الكتيب المختصر ليكون نبراساً يُهْتَدَى به في شجاعة وصبر وتضحية ذلك العملاق الأشم (والحق ما شهدت به الأعداء) إلى آخر لحظة من حياته الحافلة بجلائل الخيرات فهو جدير بأن يُقال عنه:
((هيهات لا يأت الزمان بمثله إن الزمان بمثله لبخيل))
ولعلَّني أكون قد قمت بعُشر معشار ما وجب عليَّ وعلى غيري من أفراد الشعب الليبي الكريم نحو بطل ليبيا وفخرها العظيم الذي جهله أكثر الناس أو تجاهلوا ما قام به من جهاد مضني وأعمال جليلة نسبوها لغيره !! وما السيد (عمر المختار) وغيره من قادة الجهاد الليبي إلا قطرة من بحره أو رمية من سهمه ... والله يقول وهو أصدق القائلين (ولا تَبْخَسُوا الناس أشياءهَم) ويقول الرسول الأعظم سيدنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه (من لم يشكر الناس لم يشكر الله).
لِمَا تقدم ذكره توكلت على الله واعتمدت عليه ثم أقدمت على إنجاز ما فكرت فيه ... وها هو ذا بين يديك أيها القارئ الكريم ..فما وجدت من تقصير أو سوء تعبير فبكمالك أُكَمله .. وما ظهر لك من خطأٍ فأنا أهله و محله .. واستغفر الله منه، وهي بضاعة ولا شك مرضية لدى أرباب العقول السليمة والأفكار الصائبة والقلوب الحكيمة .. وإن رائدي له و حافزي عليه هو الإخلاص تقديراً لعمل العاملين وإشادة بذكرى القادة المُخلصين ... والله من وراء القصد وعليه المعول والمعتمد.
http://www.libya-al-mostakbal.org/Books/assayed_ahmad_asherif_assonousip2.jpg
ترجمة حياة رئيس المجاهدين السيد أحمد الشريف السنوسي
نسبه: هو العالم العامل والسيد الكامل قدوة العاملين وبقية السلف الصالحين مُحْي سُنَّةَ الجهاد وخُلاصة عترة خير العِباد السيد ( أحمد بن محمد الشريف بن محمد بن علي السنوسي الخطابي الإدريسي الحَسَنِي).
ولادته: كانت ولادته المباركة عام 1290 هجري - 1873 ميلادي. في واحة الجغبوب، المركز الروحي الأول للحركة السنوسية، والواقعة جنوب شرق مدينة طبرق في آخر حدود ليبيا الشرقية المتاخمة للحدود المصرية وبالقرب من واحة سيوة المشهورة.
نشأته: تربى رحمه الله ونشأ في حجر والده السيد محمد الشريف السنوسي، وحينما ترعرع وبلغ السادسة من عمره دخل تحت كنف عمه السيد محمد المهدي ، حيث بدأ في تعلم القرآن وحفظه على يد أستاذه الأول الإمام ممد المهدي حتى حفظ جزءً كبيراً منه ، ثم أمر عمه أن يُتم حفظ القرآن على شيخ الجغبوب وإمامه في وقته وأحد تلاميذ جده السيد (محمد بن مصطفى المدني التِلْمِساني) فكان يعرض ما يكتبه على اللوح قراءة ً أمام عمه فإذا أجازه ذهب إلى أستاذه المدني ليحفظ على يديه، و هكذا حتى أتَّمَ حفظه وإتقانه وحتى قال له الإمام محمد المهدي: أنت ما أخذت القرآن إلا عني. ولذلك كان رحمه الله يفتخر ويعتز بهذه الميزة العظيمة التي لم يشاركه فيها غيره. كما كان إبَّان حفظه للقرآن يعرض يومياً ما يتلقاه على والده السيد محمد الشريف وعلى شيخه السيد أحمد بن عبد القادر الريفي رحمة الله عليهم أجمعين.
شيوخه: بعد إتقانه للقرآن حفظاً وتلاوة، بدأ يتلقى سائر العلوم على الشيخين الجليلين جده لأمه السيد (عمران بن بركة الفيتوري) والسيد (أحمد عبد القادر الريفي) ولم ينقطع عن طلب العلم على يد "الأب الروحي" شيخه محمد المهدي السنوسي حيث لازمه حتى عام 1312 هجري - 1894 ميلادي.
(رحلته مع عمه ووالده من الجغبوب إلى الكُفْرَةٍ)
رافق السيد أحمد الشريف والده و عمه إلى بلدة الكُفْرَةٍ جنوب برقة عام 1312 هجري – 1894 ميلادي. وفارق شيخه أحمد الريفي لبقائه خليفة في الجغبوب. أمَّا شيخه وجده لأمه (عمران بن بركة الفيتوري) فقد تُوفِيَ قبل الرحلة بسنتين رحمه الله تعالى.
ومنذ بلوغه الخامسة عشرة من عمره، كان السيد أحمد الشريف هو اليد اليمنى العاملة و الفاعلة في بيتي والده وعمه، فقد كان رسول عمه و المبلغ عنه أوامره لإخوانه وزواره، كما كان أيضاً الساعد الأيمن لأبيه في الجليل والصغير من الأمور خاصَّة عندما بدأت صحة والده في التدهور.
وعندما تهيأ السيد أحمد الشريف للرحلة من الجغبوب إلى الكُفرة، كان قد بلغ من العمر إثنين وعشرين عاماً، وكان يحمل على عاتقه متاعب ومشاق هذه الرحلة الجامعة لما ينوف عن ألفين وستمائة ً (2600) شخصا ما بين كبار وصغار وذكور وإناث، وما تتطلبه هذه الجموع العظيمة من أسباب الراحة والإدارة ولوازم الإعاشة والسكن إلى غير ذلك من الأمور التي يعجز عنها عظام القادة العسكريين ، فكان يتلقى الأوامر من عمه ووالده ويقوم هو بدوره بإبلاغها إلى حضرات الإخوان المختصين وتوزيع الأعمال كل حسب إختصاصه. ولقد دامت هذه الرحلة قرابة ثلاثة أشهر قُطعت خلالها أكثر من ألفٍو ثلاثمائة (1300) كيلوا متراً في صحراء قاحلة لا ماء فيها ولا مأوى إلا ما كان على ظهور الإبل البالغ عددها ثلاثة آلاف جملاً.
وهكذا نشأ السيد أحمد الشريف السنوسي وتربى على تحمل المشاق والمسئوليات العظام، ولم يعرف الركون للراحة يوماً ما طيلة حياته الحافلة والمليئة بالمخاطر والأمور التي تشيب لها نواصي الرواحل من الرجال.
فبعد أن تمت الرحلة ووصلت الكُفرة واستقرت أياماً قلائل، اشتد الألم بوالده الذي ترك أهله وأولاده في الجغبوب ورافق شقيقه السيد محمد المهدي والذي كان يرى فيه القدوة والمُربي والشيخ والوالد لا كشقيق فقط، والسيد محمد الشريف هو ذاك العالم العامل والسيد الكامل قدوة الصالحين وإمام العلماء العاملين إذ كان رحمه الله بحراً زاخراً بعلومه ومورداً عذبا سائغاً لمن أتاه راغبا ًً في النهل من سلسبيل علومه ومعارفه، قضى حياته السعيدة في طلب العلم ونشره واقتدى بسيرة أجداده وسلفه فكان كعبة طلاب العلم، ولم يمنعه هذا كله من أن يكون لشقيقه كالإبن البار الرحيم.
رائـد الدباغ
27-11-2009, 12:08 AM
مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة) - القسم الثاني (2)
(ترجمة حياة رئيس المجاهدين السيد أحمد الشريف السنوسي)
http://www.libya-al-mostakbal.org/Books/assonousia_family_history_060708_prt2_02_files/image001.jpg
(عودة والده السيد محمد الشريف إلى الجغبوب و وفاته بها)
استأذن السيد محمد الشريف من أخيه و شقيقه محمد المهدي في العودة إلى الجغبوب فأذن له بعد تردد كثيرٍ لما في ذلك من فراق أخوين حبيبين قد تربيا وعاشا مدة نصف قرنٍ كامل لم يذوقا طعم الفراق بينهما والبعد عن بعضهما ولو يوماً واحداً. لكن المقادير إذا حان أوانها فإنها تجري بأمر الله بحسب قضائه و قدره سبحانه.
عزم السيد محمد الشريف أمره للعودة ورتب لوازم رحلة عودته ، فكان ليوم خروجه من الكفرة لوعة قاسية حيث غادر الكُفرة في اليوم الثالث عشر من شهر صفر – 1313 هجري – 5 – أغسطس – 1895 ميلادي. وفي رفقته إبنه البار صاحب الترجمة السيد (أحمد الشريف ) مدة ثلاثة أيام، وقد اشتدت وطأة الآلام بالسيد محمد الشريف إلى درجة أن ابنه وعموم الإخوان الذين كانوا مرافقين لسيادته قرروا العودة به إلى (الكُفْرة) لشدة ما رأوا من تدهورٍ لحالته الصحية، غير أنه رحمه الله لم يركن إلى هذا القرار واعتزم موالاة السفر توكلاً واعتماداً على الله تعالى.
ولعلمه بحاجة شقيقه السيد محمد المهدي إلى ابنه البار المرافق له السيد (أحمد الشريف) أمره بالعودة لخدمة عمه (محمد المهدي) وشد أزره مؤثراً أخيه على نفسه، فما كان من السيد أحمد الشريف إلا أن لبَّى رغبة واله بإمتثال أمره وتقدم لوداعه الأخير باكيَ العين حزين القلب جريح الفؤاد.
عاد إلى عمه وقام بما كان يقوم به والده من إدارة كافة الأعمال الرحلة ومتعلقاتها وبقي قرابة عام على تلك الحالة حتى أول عام 1314 هجري – يونيو 1896 – ميلادي. حيث حضر إخوانه ووالدتهم بعد وفاة والده رحمه الله في الجغبوب في 27 – رمضان – 1313 هجري – 12 – مارس – 1896 ميلادي. وكان يرأس القادمين شيخه السيد (أحمد الريفي)، وبعد وصول هذا الوفد للكفرة خفَّت المسئولية عن السيد أحمد الشريف نوعاً ما.
(زيارته لوالده و جده في الجغبوب)
كان تأثره لوفاة والده عظيماً جداً، ولذلك التمس من عمه الإمام (محمد المهدي) الإذن له بزيارة والده وجده السيد محمد بن علي السنوسيي، فأذن له وتوجه إلى الجغبوب وبعد تمام الزيارة قفل راجعاً، وبعد عودته شرع ثانياً في تلقي العلوم على شيخه السيد أحمد الريفي.
(رحلته مع عمه الإمام محمد المهدي إلى قرو بالسودان)
غير أن المدة لم تطل للإمام السيد محمد المهدي في الكُفرة ولم يقم بها سوى أربعة أعوام ونصف بداية عام 1313 هجري – 1895 ميلادي. وفي النصف الأخير من عام 1317 هجري – 1900 ميلادي. رحل الإمام محمد المهدي عن بلدة الكُفرة بأتباعه و عوائله جميعاً إلى جهة الجنوب حيث دامت الرحلة مدة شهرين تقريباً حتى وصل الركب بلدة (قَرْو) في منطقة (برقو) إحدى مقاطعات تشاد (1) التابعة للسودان الفرنسي، وفي (قرو) توجد زاوية للسادة السنوسية كما توجد في السودان الفرنسي عدة زوايا في الأماكن التالية: وادي كلك – أرضا - علالي – وجنقة الكبرى – وجنقة الصغرى – ون. وغيرها، وبعد وصول السيد المهدي إلى (قرو) استقر بها و انتشرت دعاته في مختلف مدن السودان .. انتشرت تعاليم الدين الإسلامي حيث كانت الوثنية ضاربة أطنابها في عموم أنحاء السودان إلاَّ ما قل، ولذلك كانت فرنسا مرتاحة لحالة السودان؛ لكن لما قدم الإمام السيد المهدي وبدأ في الدعوة إلى الله وهبَّ السودانيون لإمتثال دعوته واعتناق الديانة الإسلامية فزعت هناك فرنسا وجندت جيوشها الجرارة وبدأت تتتبع السنوسيين بإعلان الحرب عليهم في تلكم الجهات، فقابلهم الإمام المهدي بالمثل ونشبت الحرب واشتد أوارها بين الفريقين، ووقف السودانيون إلى جانب السنوسيين وكان بدء القتال سنة 1319 هجري – بالمكان المُسمى (علالى) حيث توجهت إليها من (فرلمي) الحملة الفرنسية المكونة من المشاة والهجانة والتي كان ينوف تعدادها عن الثلاثة آلاف مقاتل مزودين بالسلاح والمعدات الحديثة .. فدافع الإخوان السنوسيون في (علالي) دفاع الأبطال وصدوا هذه الحملة تاركة وراءها أشلاء الموتى وجثثهم. ثم عاود الفرنسيون الكرة بعد الفرة وعادت قواتهم ثانية إلى (علالي) ودارت رحى الحرب وأسفرت المعركة أيضاً عن هزيمة الفرنسيين .. واستشهد في المعركتين من أبتاع السنوسيين ما يزيد عن المائتين شهيداً .. ومن الفرنسيين ما ينوف عن الخمسمائة قتيل بينهم خمسة وعشرين (25 ضابطاً) برتبٍ مختلفة؛ وعادت الحملة الفرنسية كرات كثيرة وعمت الحرب أنحاء السودان الفرنسي وتوالت النجدات إلى المجاهدين من برقة، وفي هذه الأثناء مرض الإمام المهدي حيث أصابه ألمٌ يشبه الحُمى فكان يخف أحياناً ويشتد أحياناً مع ملازمة الإسهال الشديد لسيادته ... وهكذا دامت حالته ما يقرب العشرين يوماً ثم ما قدره الله له وأراده والأمر بيد الله يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، فسبحانه من إله عظيم قادر رحيم يحي ويميت وهو حي دائمٌ أبدا لا يموت بيده الخير وإليه المصير وهو على كل شيء قدير.
(قيام السيد أحمد الشريف بالأمر بعد عمه)
نعود إلى الوراء قليلاً لنعرف منطلقات الدعوة السنوسية من أول لحظة ومن أول يوم. لقد قام السيد محمد بن علي السنوسي بالدعوة إلى الله والدلالة عليه والحض على العمل بكتاب الله والتمسك بما صح من سنة رسوله السمحة دون غلوٍ أو تفريط وذلك بتحري أقواله وأفعاله الله صلى الله عليه وسلم من خلال ما أثبتته الروايات الصحيحة سواء كان ذلك عند السادة المالكية أو الشافعية أو الحنابلة أو الأحناف، هذا مع كون مذهبه مالكي. وكان ابن السنوسي يقول دائما: "مذهبنا مالكي ونعمل بالحديث" وكان خلاف المالكية يتعوذ ويجهر بالبسملة مع الفاتحة والسورة، ويُؤَّمِن ويرفع يديه عند الركوع والرفع منه، ويرفع يديه كذلك أثناء دعاء القنوت ويُسلم على الجهتين بعد التشهد الأخير؛ يفعل ذلك كله لثبوت فعله - صلى الله عليه وسلم - لها. كان ذلك دأب الإمام السنوسي الكبير وتصدر للفتوى وأوقف نفسه لله تعالى آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر نافعاً للعباد مرشداً لهم إلى الطريق المستقيم حاضاً على الأعمال المرضية لرب العباد والنافعة لهم ... فسخر الله له القلوب ببركة حُسن نيته وإخلاصه في عمله..و تعلق به مريدو الخير ومحبوه، ولمس فيه الخاصة والعامة النفع بالله تعالى فلزموا غرزه واقتدوا بأفعاله وصاروا رهناً لإشارته وبادروا بتنفيذ أوامره المفيدة والمحددة فيما يختص بنفعهم في شؤون الدين والدنيا؛ وكان ذلك كله بتوفيق من المولى سبحانه وعونه (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) وكان رحمه الله ممن نور الله بصائرهم وفتح عليهم ... وكان يُكثر من ذكر تسلط الأعداء وكثرة الأهواء، ومما كان يحذر منه استيلاء حكومة (النابلطان) بلغته أي الطليان على طرابلس الغرب وبرقة وفزان والجبل الأخضر.. ويذكر بعض القبائل قائلاً: إن آل فلان يصدقون و آل فلان يوالون العدو إلى غير ذلك من الإلهامات التي ظهرت عياناً كظهور الشمس في رابعة النهار بعد مرور ما يزيد عن خمسين سنة من ذكره لها وقبل وقوعها؛ ومن هنا تشبعت نفوس الليبيين بروح المقاومة والعداء للإيطاليين قبل معرفتهم واستعدوا لمواجهة تلك الوقائع، وكان السيد محمد بن علي السنوسي يذكر في إشاراته حصول النصر والفرج بعد تلك الشدة ويومئذً (يفرح المؤمنون بنصر الله) والحقيقة التي لا ينكرها السنوسيون وأتباعهم أن الجهاد ومقاومة السنوسيين للطليان مدة تزيد عن ربع قرن كان سببها الحقيقي تلكم الروح التي أذكاها السيد محمد بن علي السنوسي في نفوسهم والأمور التي أخبر بها والفرّج الذي بشر به. لذلك ومما تقدم يتضح للقارئ الكريم أن الحركة السنوسية لم تقم بحد السيف ولم تكسب القلوب بالدرهم والدينار أو بالحيلة.. وإنما قامت على الدعوة لله وحده والنصح لعباده والسعي إلى السعادة والإنقاذ من الجهالة والإنحراف... فكانوا يبنون المساجد ويوفرون المعلمين لأبناء البلد ويسعون للألفة بين الناس ونبذ الضغائن والشقاق.. يعلمون المواطنين أمور دينهم التي يتعبدون بها الله على بصيرة ولا يسألونهم على ذلك أجراً .. وبذلك عم َ النفع وحصلت الفائدة واجتمعت الكلمة وتآلفت القلوب. دام على ذلك الإمام محمد بن علي السنوسي مدة حياته وتابعه علماء جهابذة تخرجوا من مدرسته وتشبعوا بروحه وسلكوا طريقه وبايعوه على الإستماتة في سبيل مواصلة دعوته؛ فلما تُوفي اجتمع هؤلاء الجهابذة الأعلام وقرروا الالتفاف حول السيدين الصغيرين فشبا على الكمال والإستقامة وسلكا مسلك والدهما وطريقه ... ولما قدر الله وفاة السيد محمد الشريف ثم بعده بثمان سنوات لحقه شقيقه السيد محمد المهدي، أصبح السيد (أحمد الشريف) الشخص الوحيد من العائلة السنوسية لوراثة مسؤولية عمه وذلك لأنه تشرف بخدمته وملازمته مدة تزيد عن العشرين عاماً تشبع خلالها بمبادئه السامية وتخلق بأخلاقه العالية واطلع على بواطن أمره وظواهره حتى أصبح نسخة منه إذ أجازه عمه بكل ما يصح له وعنه حسب القانون المُتبع عند الشيوخ فقام بالأمر أتم قيام و سير الأعمال على حسب ما يُرام، سلك مسك واله وعنه فلم يستبد بسلطته ورأيه بل اتخذ شيخه وشيخ واله وعنه السيد (أحمد الريفي) قدوته ومرجعه في كل جليل وحقير وملَّكه زمام أمره فلا يصدر إلا عن رأيه ولا يعمل إلا بمشورته وموافقته مع حُنوه وعطفه على إخوانه وبني عمه وتفق أحوال الكبير و الصغير .. أما فيما يخص الشأن الخارجي وخاصة الحرب والجهاد ضد فرنسا فإنه لم يحد عن خطة عمه التي رسمها لهم، بل زاد بهمته وعزيمته فكان يرسل الإمدادات الواحدة تلو الأخرى و كلما بان خللٌ في ناحية بادر إلى تداركه وسده .. وكما تقد كانت أموره كلها لا تصدر إلا عن مشورة شيخه (أحمد الريفي) وبأمره، وهكذا دامت الحالة زيادة عن العام في (قرو) بعد وفاة السيد المهدي.
رائـد الدباغ
27-11-2009, 12:13 AM
مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة) - القسم الثاني (3)
http://www.libya-al-mostakbal.org/Books/assonousia_family_history_070908_prt2_03_files/image001.jpg
ترجمة حياة رئيس المجاهدين السيد أحمد الشريف السنوسي
(( رجوع السيد أحمد الشريف إلى الكفرة ))
بعد التشاور مع الشيخ (أحمد الريفي) وإخوانه السادة السنوسية والإخوان، قرر السيد أحمد الشريف العودة برفقة العائلات إلى (الكُفْرَة) نظراً لتصاعد وتيرة الحرب بين الليبيين والفرنسيين، وقد أختار السيد أحمد الشريف الشيخ (محمد السني) أحد كبار الإخوان السنوسيين شيخاً على زاوية (قرو) بتشاد ليكون نائباً عنه في إدارة أمور الجهاد؛ وقد ظل السيد (أحمد الريفي) فترة بسيطة بعد ارتحال العائلات قم لحقهم حاملاً معه تابوت الإمام (محمد المهدي السنوسي) وكذلك تابوت ابنه (محمد الريفي) والذي توفي بمنطقة (قرو) أيضا.. وكان وصوله الكفرة عام 1321 هجري - 1903 ميلادي. وبعد وصوله بالتابوتين أمر بدفن ابنه (محمد أحمد الريفي) في مقابر المسلمين؛ أما جثمان الإمام (محمد المهدي) فقد اختاروا له ركناً في المسجد ليكون مثواه الأخير وعملت له مقصورة مخصوصة ورتبوا له أميناً وقيماً خاصاً.
أما السيد أحمد الشريف فقد استأنف نشاطه ليل نهار وأخذ في إرسال الإمدادات والمؤن والأسلحة إلى المجاهدين بتشاد طيلة ثمانية أعوام حتى آخر عام 1329 هجري – 1911 ميلادي.
(وفاة السيد أحمد عبد القادر الريفي)
لقد كان السيد (أحمد عبد القادر الريفي) هو الإمام والمستشار الخاص للسيد أحمد الشريف السنوسي ومرجعه في كل صغيرة و كبيرة ؛ حتى كان شهر رمضان من هذه السنة حيث اختار المولى - سبحانه وتعالى – الشيخ (أحمد الريفي) إلى جواره، ففقد السيد احمد الشريف والسادة السنوسيون وإخوانهم و عموم الأتباع و أهل الوطن تلك الشخصية الفذة المحبوبة النزيهة المباركة مرجع الكل وبقية الإخوان السنوسيين الذين كرسوا حياتهم و أوقفوها على خدمة الحركة السنوسية، والسيد أحمد الريفي هو ذاك الشخص الوحيد الذي خدم الحركة السنوسية في أدوارها الثلاثة أي مدة مؤسس الدعوة السنوسية الإمام العظيم شيخه السيد (محمد بن علي السنوسي). ثم الدور الثاني وهو مدة الإمام السيد (محمد المهدي) و شقيقه السيد (محمد الشريف). ثم الدور الثالث وهو دور قيام السيد (أحمد الشريف) وتفره بالزعامة، وقد قضى السيد أحمد الريفي فترة زمنية تزيد على ستة وستين عاماً في المشاركة في إدارة دفة الأعمال إي منذ تاريخ انتسابه و التحاقه بالإمام محمد بن علي السنوسي عام 1263 هجري - إلى وفاته يوم 9 – رمضان – 1329 هجري – سبتمبر 1911 ميلادي. رحمه الله ورضي عنه وأثابه على جليل أعماله و نفعه للمسلمين خير الجزاء وانزله أعلى درجات الجنان بجوار سيد ولد عدنان آمين. ولقد كانت وفاته صدمة ونكبة وخاصة على الخليفة السيد أحمد الشريف لأنه كان ملجأه عند المعضلات ، كما كان أباً و مرجعاً لعموم أفراد العائلة السنوسية ولعموم الإخوان السنوسيين وأتباعهم، وكان الجميع لا يخالفون له أمراً ولا يعارضون له رأياً إذ كانوا ينظرون إليه بعين التجِلَة والإكبار، وكان بحق إماماً كاملاً في مختلف العلوم العقلية والنقلية وحجة زمانه.. ولقد اشتهر بين الجميع بعلو القدر والمكانة وكرم الأخلاق وسعة الإطلاع ورحابة الصدر ولين الطبع مع صلابة في الحق، وبإختصار كان رحمة شاملة و نعمة عامة تغشاه الله برحمته الواسعة.
((اعتداء إيطاليا على ليبيا))
عقب وفاة السيد السيد أحمد الريفي مباشرة اعتدت إيطاليا الآثمة على ليبيا ولذلك فزع أهل برقة والإخوان السنوسيون إلى السادة السنوسية بواحة (الكُفرة) ليقفوا على رأيهم ويمتثلوا أمرهم بالمقاومة أو عمدها، فجمع الخليفة السيد (أحمد الشريف) جميع السادة السنوسية وعرض عليهم الأمر مستشيراً في المقاومة أو عدمها فكان الرأي بالإجماع هو "عدم المقاومة" لأنهم كانوا متعبين وخرجوا مرهقين من حربهم مع قوات فرنسا، وليس بأيديهم عدة حربٍ يقاومون بها، وقالوا "هذه دولة أوروبية قوية بمعداتها العظيمة وجيوشها الجرارة، وما دام أن تركيا بعظمتها قد عجزت عن مقاومتها و الوقوف في وجهها فأنى لنا الصمود والمواجهة "!
نعم إن ما ذكره السادة السنوسيون هو عين الحقيقة والواقع لأنهم كانوا مرهقين من حرب فرنسا في السودان ومتعبين من الرحلات و التنقلات في الصحارى القاحلة مع خلو أيديهم من مستلزمات الحرب؛ غير أن السيد (أحمد الشريف) القوي الإيمان بالله لم يُرَق له هذا الرأي فاشتط غضباً وقال كلمته المشهورة (والله نحاربهم ولو لوحدي بعصاتي هذه) فنزل الجميع عند رأيه الصائب.
أسدٌ دم الأسد الهزبر خضابه موتُ فريص الموت منع ترًّعدُ
(( عزم القائد أحمد الشريف على الجهاد ))
انفض المجلس وقد خرج منه السيد أحمد الشريف معلناً عزمه على الجهاد و مقاومة العدو المعتدي مهما كلفه الثمن وكيفما تكون العاقبة مادام أن الواجب يحتم عليه الذب عن الدين الحنيف أولاً ثم عن الوطن ثانياً ثم ثالثاً عن النفس والعرض والمال. فأصدر أوامره الشديدة إلى عموم شيوخ الزوايا السنوسية وحثهم على القيام بالجهاد والوقوف في وجه العدو الصائل بأي وسيلة كانت وبأنه سوف يلتحق بهم شخصياً و حذَّر و تبرأ من كل من يتخلف عن داعي الجهاد و من كل من يمالئ العدو أو يركن إليه. ومن الصدف أن المجاهد (عمر المختار) شيخ زاوية القُصور بالجبل الأخضر وبطل الجهاد فيما بعد كان حاضراً بالكُفرة مع بعض الإخوان فتسلم بعض هذه الأوامر وعاد بها مُسرعاً إلى برقة والجبل الأخضر ومن هناك تم توزيعها وبعد ذلك تشكلت المعسكرات في مناطق برقة و الجبل الأخضر. وعلى إثر ذلك قام الإخوان السنوسيون بتزعم حركة الجهاد في مناطق بنغازي و الجبل الأخضر وطبرق ودرنة وهم كثيرون ونذكر منهم:
معسكرات برقة و الحبل الأخضر:
السيد أحمد العياري، الشيخ عبد الله الأشهب، الشيخ محمد عبد المولى، السيد الحسن الغماري، الشيخ عمران السكوري، السيد التواتي الكليلي، الشيخ محمد علي المحجوب، السيد محمد الزروالي، السيد محمد علي الغماري، الشيخ محمد بو نجوى، الشيخ عمر المختار.
معسكرات درنة:
الشيخ محمد الدردفي، الشيخ محمد حسين الحلافي، الشيخ صالح بن إسماعيل، السيد محمد العربي، السيد عبد القادر فركاش، الشيخ عبد الله يوسف، السيد العلمي الغماري، السيد محمد الغزالي، الشيخ الحبيب بن جلوا، الشيخ المرتضى فركاش، السيد محمد العيساوي، السيد السنوسي الغماري، الشيخ جاد الله الجبالي، الشيخ محمد بو فارس، الشيخ محمد بن عمور، السيد عبد الله سعد فركاش.
معسكرات طبرق:
السيد محمد الشارف، السيد محمد بن عبد الله، السيد المرتضى الغرياني، السيد صالح الشريف وآخرون.
بدأت المعارك ودارت رحى الحرب وثارت حفائظ و حمية القبائل العربية الأبية وتعاقدوا وتعاهدوا على الإستماتة في سبيل الدفاع عن وطنهم الغالي متناسين كل ما كان بينهم من التشاحن والتباغض وإراقة الدماء. ولما شاعت أخبار المقاومة والجهاد ودفاع عموم أهل ليبيا عن حمى دينهم ووطنهم؛ بادرت الحكومة العثمانية بإرسال بعض رجالها المحنكين لتقوية روح المقاومة والدفاع وتدريب المجاهدين و تعليمهم كيفية استعمال الأسلحة الحديثة ومعداتها.
كما بادرت الحكومة العثمانية وبعض المدن الإسلامية والشخصيات العربية بإرسال بعض المساعدات المادية والأدوات الطبية، وكان أبرز شخصية بعثت بها الحكومة العثمانية للقيام بدور المساندة والدعم هو ذاك البطل المقدام (أنور باشا) يصحبه جملة من الضباط من بينهم (مصطفى كمال) المعروف بأتاتورك فيما بعد وعزيز علي المصري وأدهم باشا الحلبي وآخرين.. وعند وصولهم إلى أدوار المجاهدين (معسكرات الجهاد) وجدوها على أتم الاستعداد، و بعد استشارة السيد (حمد الشريف) وأخذ رأيه تمت الموافقة على أن يكون (أنور باشا) هو القائد العام ومركزه في جبهة مدينة (درنة) ويساعده في ذلك (مصطفى كمال) وأن يتولى (عزيز علي المصري) قيادة منطقة بنغازي وبرقة؛ أما منطقة (طبرق) فقد أوكلت إلى (أدهم باشا الحلبي). وبذلك رُتِبَت المعسكرات ترتيباً إدارياً وعسكرياً تحت إشراف قادة المناطق ومجالس من حضرات الإخوان السنوسيين وشيوخ العرب؛ واشتدت حركة الجهاد واستمرت المقاومة على الصفة المتقدمة، وبدأ المجاهدون من القبائل العربية الحرة يحضرون أسلحتهم وخيولهم وأرزاقهم ومضاربهم وخدمهم من عندهم "أي أن كل قبيلة تنتدب من بين أفرادها من يأتون إلى ساحة الجهاد ويزودونهم بما يلزم من أسلحة ومؤنٍ وعتاد" وبعد مرور ستة أشهر يستبدل هؤلاء بآخرين، وهكذا دامت حركة الجهاد في ليبيا طيلة الحروب الإيطالية التي استمرت أكثر من ربع قرن على هذه الكيفية التي لم يسبقهم إليها أحد. وأغرب من ذلك كله أن ليبيا كانت في معزلً عن العالم الخارجي بحيث أن إيطاليا الغاشمة الظالمة كانت قد سدت جميع طرق المواصلات من وإلى أرض الوطن ، فلا يُسمع لنا صوت ويقف العالم على حقيقة ما يجري على أرض الوطن إلا من خلال إيطاليا التي تذيع أخبارها على حسب ما تريد و كيفما تريد! ولذلك لم تتلق ليبيا أي عطفٍ أو نجدةٍ من بعد السنة الأولى للغزو عدا الصحافة العربية المصرية وبعض الكتاب المصريين الذين كثيراً ما استصرخوا العالم الإسلامي عامة والمصري خاصة، لكن مع الأسف دون جدوى حيث لم يسمع لهم أحد لأن حكومة مصر حينذاك والحاكم المصري (عباس حلمي باشا الثاني) كانوا يعاونون إيطاليا ويجاملونها على حساب الشعب الليبي وكانوا يقولون (الدولة المصرية محايدة) وكانت إيطاليا تنتهك الحرمات الدينية المقدسة وتعبث بالنفوس البريئة التقية وتعتدي على الأعراض الكريمة المصونة العفيفة يستوي عندها في ذلك المحارب والعالم وتفننت فيه.. كل ذلك جرى من إيطاليا دون إنكار عليها من أحدٍ سواء في ذلك المسلمون والدول المعظمة النصرانية الذين يَدَّعون المدنية و يقولون بالحرية واحترام حقوق الإنسان وحرية المقدسات.. وكل هذه الإدعاءات هراء؛ وهذا بعكس الوقت الحاضر، فما من صغيرة أو كبيرة تقع في بلد من البلدان إلا تُشاع وتذاع وتتوالى من أجلها الإجتماعات والإحتجاجات. ومن هنا يتبين لنا أن ما قاسته ليبيا لم يقاسه أحدٌ و لقد قامت بجهادٍ لم يسبقها إليه أحدٌ عدا القرون الأولى من صدر الإسلام ....؟
الصافي الريفي
27-11-2009, 01:28 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين
استاذنا السيد رائد بارك الله فيك وجزاك خيرا على هذا المجهود الطيب
vBulletin® v3.8.11, Copyright ©2000-2026, TranZ by Almuhajir