الجرعة الثالثة
قـال الجويهل: الوجه الرابع: مارواه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة قـال: قـال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسرع قبائل العرب فناء قريش، يوشك أن تمر المرأة بالنعل فتقول: هذه نعل قرشي، وهو حديث صحيح وله شواهد .
قلت: وهذا افتراءٌ آخر، ولو أن المصنف أراد الحق لجاء بهذه الشواهد التي تبين معنى الحديث كاملا ؛ ولكنه أورد الشاهد الذي يخدم غرض نفسه، وعلى كلٍّ فأقول:
قال ابن حبان ( ): "أنا أبو يعلى ثنا عبدالغفار بن عبدالله ثنا علي بن مسهر عن سعد بن طارق عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قـال: لا تقوم الساعة حتى تُبعث ريح حمراء من قـبـل الـيـمـن، فـيَـكْـفِـتُ الله بها كل نفس تؤمن بالله واليوم الآخر، وما ينكرها الناس من قلة من يموت فيها، مات شيخ من بني فلان، وماتت عجوز في بني فلان، ويُسرى على كتاب الله، فيرفع إلى السماء، فلا يـبـقـى في الأرض منه آية، وتقيء الأرض أفلاذ كبدها من الذهب والفضة، ولا يـنـتـفـع بها بعد ذلك اليوم، يمر بها الرجل فيضربها برجله، ويقول: في هذه كان يـقـتـتـل من كان قبلنا، وأصبحت اليوم لا يـنـتـفـع بها".
قـال أبوهريرة: "وإن أول قبائل العرب فناء قريش، والذي نفسي بـيـده أوشك أن يمر الرجل على الـنـعـل وهي ملقاة في الكـناسة فيأخذها بـيـده ثم يقول: كانت هذه من نعال قريش في الناس".
وفي هذا مسالك ثلاثة:
المسلك الأول: أن النص في أشراط الساعة، وأن كون قريش أسرع الناس فناء يوم القيامة لا يدل على قلتهم، إنما يدل على فضلهم وشفوف منزلتهم، حيث الريح الحمراء ـ كما في الحديث ـ تكـفت كل نفس تؤمن بالله واليوم الآخر .
وقلة من يموت من قريش قد تكون نسبـيـة، فإذا علمنا أن سكان الأرض الآن خمسة آلاف مليون نسمة تقريبا: فوفاة مليون منهم لا يـعـتـبـر كـثـرة، بل ولا عشرة ملايين، هذا في هذا الزمن، أما قبيل يوم القيامة ـ ومع استمرار الانفجار السكاني ـ فسيكون أكثر من ذلك بكثير إذا استمر الوضع على ما هو عليه، وفي الإحصائيات العلمية أن عدد سكان الأرض عام 2010 م سـيـنـاطـح عشرة آلاف مليون، فإذا اعتبرنا 10 ملايين مسلم قرشي من خمسة آلاف مليون فهي 0.2 %، باعتبار أن الهاشمـيين نسبة بينهم، فهل هذه النسبة تدل علىكثرة أم قلة؟. بل لا ضعفها ولا ضعفه يعتبران من الكثرة، والكثرة تبدأ من 10% .
وفي الحديث الصحيح عند مسلم عن زيد بن أرقم: "وأنا تارك فيكم ثـقـلـين، أولهما كتاب الله، فيه الـهـدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كـتـاب الله ورغب فيه ثم قـال: وأهل بـيـتـي، أذكـركم الله في أهل بيتي أذكـركم الله في أهل بيتي أذكـركم الله في أهل بيتي"، وفي الحديث عند مسلم: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس"، وفي آخر: "على لُكَعِ بنِ لُكَع"، وقد وردت كثير من الآثار في المجازر التي ستكون أيام الدجال وفتح فلسطين والفتن الكثيرة آخر الزمان التي تحصد الصالحين، علما أن أكبر نسبة في الصالحين هي من قريش، بل آل البيت ؛ لما صح في الحديث عند مسلم والترمذي عن واثلة رفعه: "إن الله اصطفى كِـنـانـَـةً من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قـريـشٍ بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم"، فإذا تَـقَـرَّرَ هذا عَـلِـمْـتَ: "لماذا قريشٌ أولُ الناس فناءً"؟. فـتــنـبه.
وهذا لا يدل على القلة؛ لوجوه:
أولا: ذكر العلامة ابن مسكويه المتوفى عام 421 هـ أن الأشراف في زمنه بلغوا ألف ألف شخص .
ثانيا: كتب الأنساب جميعها طافحة بقولهم: "وتحت هذا الفرع فروع كثيرة"، أو: "وهم كثير ببلاد كذا"، أو: "وأبناؤه كثير متفرقون بالبلاد"، وغيرها.
قـلـت: وإن كـان هذا بالفروع فناهيك بالأفخاذ، ناهيك بالعشائر ناهيك بالأشخاص، فتأمل!!.
ثالثا: إذا نظرت إلى الفروع الكبيرة من الأشراف الثابتة أنسابهم كالشمس كأبناء الإمام الهادي إلى الحق في اليمن، والموسويين في إيران، والعلميين والجوطيين في المغرب، والسجلماسيين في الصحراء، والذين تبلغ بعض أسرهم المليون شخصا علمت حقيقة ما جنحنا إليه .
المسلك الثاني: ثم إن جعل فهمه السقيم لهذا الحديث قاعدة لإبطال أنساب الناس وبالأخص هذا النسب المتواتر الصحيح كما سيأتي إن شاء الله تعالى يعتبر بدعةً مذمومةً لما جاء في الحديث عند مسلم عن أبي مالك الأشعري مرفوعا: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة"، وقال مالك: "الناس مصدقون في أنسابهم".
فإن قلت: أنا جئت بالبراهين قلنا: إتيانك بالبراهين يتوقف على أمور:
منها: أن تكون تمرست وتمكنت في الأنساب على شروط كسب العلم السابقة .
ومنها: أن تكون أحطت اطلاعا بأنساب بني هاشم وعلمت المجروح منها من المسلم .
ومنها: أن تكون تحريت العذر لأهل التاريخ، وعلمت أيامهم وأخطائهم وهفواتهم، فكم من سهو وقع فيه كبار علماء النسب، كابن حزم في الجمهرة، وغيره من إغفالهم لبعض الفروع الرئيسة، وهذا ليس قدحا فيهم، حيث الكمال لله، أما القدح في الأنساب، والصيح والإصخاب، ودخول البيوت دون الأبواب، فذلك من الزيغ والعناد وسقوط الألباب .
ومنها: أن تكون أحطت اطلاعا بأقوال العلماء وأهل الشان في هذا النسب من أهله ومن غيرهم، واطلعت على رسومهم ومواثيقهم، وتوثيق الحكام ورفضهم لذلك، وإذ لم تحط بواحد من هذه الأسباب يخشى أن تكون ممن استهواهم الشيطان في وعيد الحديث السابق وغيره والعياذ بالله تعالى، {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون}.
وقد نعى الله على أقوام جاؤوا بما جاء به الجويهل فقال جل شأنه: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهمم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}.
فإن قال الجويهل: البدعة في الدين، وهذا ليس من الدين.
قلنا: قلتَ في بداية هرائك: وأصروا على معرفة اليقين والحقيقة في انتساب هذه الأسرة إلى فاطمة، وإظـهـار الـحـقـيـقـة من أساسات الدين، وفي القرآن: {كنتم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أساسات إظهار الحق، وهو من الدين، بل قلتَ أنت نفسُك في صدر مقدمة كتابك السخيف "قريش في الأردن": فهذا مبحث تاريخي شرعي، ثم قلت بعده بأسطر: وقد ارتبط علم النسب وتوثق بالشرع.
فلا حول ولا قوة إلا بالله تعالى على انتشار البدع في هذا الزمان في كل فن وعلى كل شاكلة، فلست تنظر يمنة أو شمالا إلا وتجد زنديقا أو فاسقا أو مبتدعا .
ثم قال الجويهل: ولو تتبعت لوجدت العاقلة، وهي خمسة الأجداد نزولا للشريف الحسين بن علي لا يعدون ثلاثين رجلا إن لم يكن أقل إلخ .
قلت: وخامس أجداد الشريف الحسين بن علي هو الشريف عون بن محسن بن عبدالله، ومجموع أفراد ذرية ابنه عبدالمعين رابع أجداد الحسين بن علي ـ كما في العقود اللؤلؤية لبعض أنساب الأسر الحسنية في السعودية للشريف محمد بن علي الحسني ـ لوجدتهم قد بلغوا على الأقل مائة وستين رجلاً، هذا بعد الفتن التي غمرت ذلك الزمان والحروب الكـثيرة، وهؤلاء هم أبناء عون من ابنه عبدالمعين ناهيك عن ذريته من بقية أبنائه، ثم إن ابن عنبة ذكر عن بعض الأشراف ـ وهو جعفر الزكي بن علي المعروف بالكذاب عند الشيعة ـ أنه أنجب مائة وعشرين ولدا، وأبناؤهم منتشرون بالعراق وإيران واليمن وقتئذ، وأغلب الأشراف السجلماسيين الذين هم من ذرية السلطان إسـمـاعيل العلوي المتوفى في العقد الثالث من القرن الثاني عشر بلغوا في بداية القرن الماضي أكثر من خمسين ألف رجل، وإذا تتبعنا قول الجويهل لوجب علينا إبطال نسب الأشراف الهاشميين الموسويين وأشراف اليمن والعلميين والجوطيين، وأغلب هؤلاء ثبت نسبهم بالتواتر، وبذلك ننفي وجود الأشراف بالكلية، ويفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعل العدو بعدوه .
مهمة: مما مضى يعلم أن قريشاً أسرع الناس فناء ؛ لأن نسبة الصالحين فيها أعـلـى نسبة، والقيامةَ تقوم على لكع بن لكع، فيموت الصالحون سريعا في فتن آخر الزمان، فتفنى قريش ثم يفنى الناس كلهم.
المسلك الثالث: وعلى افتراض صحة كلام الجويهل ـ وهو باطل ـ فبالله ما نسبة آل باعلوي الذين لا يـبـلغون المليون أو المليونين إلى سكان العالم الخمسة آلاف مليون؟؟. بل إلى القبائل الأخرى مثل بني الحسن وبني تمبيم وحاشد والبشتو والسُّلاف والزولو وصنهاجة التي يبلغ بعضها مئات الملايين؟؟. علما أن بني علوي من أكثر الأشراف عددا، فلو كان كل الأشراف 10 ملايين بل لو عشرين وهو بعيد لما سمي ذلك كثرة حقيقية، فتأمل!!.
وبنوتميم أو بنو الحسن موزعون في بلاد صحراوية، وبالرغم من ذلك فعددهم أكثر من آل باعلوي الممتدين في بلاد الحضر كجنوب شرق آسيا وحواضر جزيرة العرب .
نقطة: قد علم من النظرية الخلدونية أنه في عموم الأنساب يتخلل كل قرن ثلاثة أجيال تقريبا، فإذا افترضنا أن كل فرد منذ الفقيه المقدم المتوفى عام 653 هـ إلى يوم الناس هذا لم ينجب سوى فردين فقط لكان العدد المفترض لآل باعلوي الآن، أي: بعد سبعة قرون ونصف تقريبا:
2 = 6 ملايين تقريبا
وقد علمت مما مضى أن آل باعلوي مع أبناء عمومة الفقيه المقدم ـ كآل الحداد وعبدالملك وسميط وقدري وبن طاهر وعيديد إلخ ـ يناطحون المليوني رجل تقريبا ـ أي: ثلث العدد المفترض ـ مع إنجاب كل فرد لولدين فقط، فإذا تقرر ما مضى تبين لك: لماذا قريش أسرع الناس فناء ؟ وأن آل باعلوي أقل بكثير من العدد المفترض .
وزد على ذلك أن جمعا من سلاسل بني علوي يبلغ أفرادها في القرن خمس طبقات لا ثلاثا، وقدر بعد ذلك العددَ المفترض ( ).
وبهذا يبطل الوجه الرابع للخصم، ومعه جميع مؤلَّفه، ويبقى ما بعده للاستئناس فقط .