خاتمةٌ
خَـتَـمَ الله لنا بالحسنى وزيادة
فانظر أخي إلى حجج هذا الجويهل كيف دُحِـرَتْ واحدةً واحدة، وكيف بنى وريقاته على أعمدة هشة تَـجَـرُّؤاً عـلـى الله تعالى ورسوله، ونشراً للضغينة في صدور الناس، ولِـلَّـهِ ما أعجب هذا الرد الحفيل الذي ـ وإن قلت أوراقه ـ جمع من الفوائد الفوائد، ومن الحجج الدوامغ، ومن النكات العلمية والنسبية ما لا ينتزع إلا مـن بـطـون الكتب المتفرقة والمِراسَةِ الطويلة، وكيف لا وقد طَمَّ أكثر من مائة وخمسين نقلا وقولا، فلله دري، وإليه شكري .
وقد قال ابن عنبة في رسالةٍ له في اصطلاح النسابين:
"قولهم: صحيح النسب، وهو الذي ثبت عند النسابة، وقوبل بنسخة الأصل، ونص عليه بإجماع المشايخ النسابين، والعلماء المشهورين بالأمانة والعلم والصلاح وكمال العقل وطهارة المولد".
"وأما: مقبول النسب، فهو الذي ثبت نسبه عند النسابين، وأنكره آخر، فصار مقبولا من جهة شهادة شاهدين عدلين، فحينئذ لا يلتفت إلى خط نسابة لم يكن منصوصا عليه من بعض مشايخ النسابين، إن نفى أو ألصق فحينئذ لا تساوي مرتبته بمرتبة من اتفق عليه إجماع النسابين، ولا يرجع إلى قوله".
"وأما: مردود النسب، فهو الذي ادعى إلى قبيلة ولم يكن منهم، ثم علموا تلك القبيلة بـبـطلانه، ثم منعوه عن دعواه، فصار حكمه عند النسابة أنه مردود النسب خارج عن البيت الشريف، وأما مشهور النسب، فهو من اشتهر بالسيادة ولم يعرف نسبه، فحكمه عند النسابة: مشهور عند العامة مجهول عند علماء النسب، بخلاف بعضهم".
فقف على قوله: "وأما مردود النسب..إلخ". ثم قف على: "وأما مشهور النسب ..إلخ"، فإن كلام الجويهل إن سُلم فلا يقتضي إبطال نسب آل باعلوي؛ لأن أربعة نقول لا تبطل الأنساب، ولا مائة، علما أنه ليس بينها نقل طاعن في نسب آل باعلوي، فهو على شرط الجويهل كما عند علماء النسب يعتبر مشهورا لا باطلا، هذا إن لم يقف أمامه ما جمعناه من إجماع النسابين والمؤرخين المعتبرين على صدقيته واتصاله وصحته، علما أننا جارينا الـجـويـهـل في عدم الاعتماد على كلام أئمة النسب من آل باعلوي، وهذا شرط لم يشترطه أحد من أهل النسب قط، إنما الشرط هو التبحر والثقة فقط، بل في كل العلوم.
واعلم أيها النجيب أن الله تعالى أمرنا باحترام أهل البيت وتوقيرهم، وقد أخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن زيد بن أرقم مرفوعا: "أذكركم الله في أهل بيتي"، قال الـطَّـيِّـبـيّ: "أي: أحذركم الله في شأنهم"، فالتذكير بـمـعـنـى الـوعـظ.
وقد أخرج أحمد والترمذي وقال: "حسن صحيح". والنسائي والحاكم وصححه عن عبدالمطلب - ويـقـال: اسمه المطلب - ابن ربيعة مرفوعا: والذي نفسي بيده: لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله"، وفي رواية: "ولـقـرابـتـي".
وأخـرج الـتـرمـذي وصححه والحاكم وصححه وأقره الذهبي عن ابن عباس مرفوعا: "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحـبـونـي لـحـب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي".
وقد قال الله تعالى: {قـل لا أسـئـلـكـم عليه أجرا إلا المودة في القربى}، قال ابن عباس: "يعني: أن تودوا قرابتي وتحفظوني فيهم"، أي: بصلتهم وإدخال السرور عليهم وتعظيمهم وتوقيرهم.
وأخرج الخطيب أن أحمد بن حنبل كان إذا جاءه شيخ أو حدث من قريش أو الأشراف قدمه بين يديه، وخرج وراءه.
وكان أبو حنيفة يعظمهم كثيرا، ويتقرب إلى الله تعالى بالإنفاق على المتسترين منهم والظاهرين، حتى قيل: إنه بعث مرة إلى متستر منم باثني عشر ألف درهم، وكان يحض أصحابه على ذلك.
وكان للشافعي فـيـهـم اعتقاد دائم، ووداد سليم، ولمبالغته فيهم صُرح بأنه من شيعتهم، ونسبه الخوارج إلى الرفض حسداً وبغياً، وفي ذلك يقول:
يا راكباً قُلْ بالمُـحَـصَّـبِ مِن مِـنى
سَحَراً إذا فاض الحجيج إلى منىً
لو كان رَفْضاً حُبُّ آلُ محمدٍ
واهتِفْ بساكنِ خَـيْـفِـها والناهضِ
فيضاً كمُـلْـتَـطِـمِ الخليجِ الفائضِ
فَـلْـيَـشْـهَـدِ الثَّـقَـلانِ أنّي رافضيّ
وفي "الحلية" لأبي نعيم أن بعضهم قال له: "إن الناس يقولون إنك شيعي بسبب محبتك لآل البيت"، فقال: "مَـثَـلِـي ومَـثَـلُـهُـم كما قيل:
ومازال بِيْ الكتمانُ حتى كأنني
لأِسْلَمَ مِن قولِ الوُشاةِ وتَـسْـلَـمِـيْ
لِـرَجْـعِ جوابِ السّائلي عنكِ أَعْجَمُ
سَـلِـمْـتِ، وهل حيٌّ من الناس يَسلمُ؟
وأما الإمام مالك فتعظيمه لهم شديد، وحبه فيهم بالغ أكيد، وقد كان ممن يقول بتقديمهم على غيرهم، ويقر بمزيتهم وفضلهم .
فأكرم بهم من سلف عظيم أحبوا نبيهم فأحبوا آله، فهداهم الله وأكرمهم لصدقهم ووفائهم، ورحم الله القائل:
لا يَسلمُ الشرفُ الرفيعُ من الأذى
حتى يُراقَ على جوانبه الدمُ
وإن رُؤِيَ هذا بعين التدقيق عُلم أن الله إنما أراد رفع درجاتهم وإتمام نورهم، ونشر فضلهم، أي: آل باعلوي، أما الجويهل المتفيهق المتمشدق فقد نادى على نفسه أمام الملأ بالجهل والدعوى، وأعلن تَـسَـيُّـبَـهُ على العلوم من غير سبق ولا جدوى، فأضحك الصغار، وضاع في القفار، وزل في العثار، ويفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه، وعُلم أنه لا يؤخذ منه شيء في علم الأنساب، ولا يجوز له التأليف فيه، وفي الذكر: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}، بل ولا يحق له الكتابة في العلوم الأخرى إلا ما أخذه على شيخ وتمرس فيه به.
وكم يكون حسناً أن تَفرُضَ وزارات الثقافة والإعلام و الأوقاف في الدول الإسلامية رقابةً على المؤلفين الذين يطبعون وينشرون هـرائـهـم مـن غـيـر علم، بل ويجب الأخذ على أيديهم بدل هذه الجعجعة واستـئساد الـصـبـيـان، وقــد قــيــل سـابـقـا: "مَـن كَـتَـبَ: عَـرَضَ عـقـلَـه عـلـى الناس"، ولذا مـد سِـيـبَـوَيـْـهِ - وقيل: أبو حنيفة - رجليه عندما فتح الجاهل فمه أمامه.
وقد قيل: "إذا جمع العالم ثلاثاً تمت النعمة على العالم: العقل والأدب والفهم"، وما أرى المردود عليه إلا خسر أغلبها إن لم أقل كلَّـهـا، فالحمدلله ثم الحمدلله على إظهار الحق وإزهاق الباطل، وهاك هذه الرسالة النفيسة، واستفد بها، وخيرُ ما يناسب المقام قولُ ابنِ أبي الشمقمق:
حَـصَّـنْـتُـهـا بِـسُـورَةِ الـنَّـجْـمِ إذا
فالحمدُ للهِ الّذي صَـيَّـرَهـا
والحمدُ للهِ الذي جَـعَـلَـهـا
ثُمَّ الصلاةُ والسلامُ ما تَـغَـنّـ
على النبيْ وآلِه وصحبِهِ
هَوَى مِنَ الـمُـنْـتَـقِـلِ الـمُـسْـتَـرَقَ
إِثْـمِـدَ عَـيْـنَـيْ مُـنْـصِـفٍ مُـوَثَّـقِ
قَذىً بعينِ الحاسدِ الحَـفَـلَّـقِ
ـتْ أُمُّ مَـهْـدِيٍّ بِرَوْضٍ مُورَقِ
وتابعيهمْ مَن مَـضـى ومَن بَـقِـيْ
ولما تَـمّ هذا الكـتاب الحفيل، جيشني لأن أقول:
عرّجْ بمنعرج الطريق الأعوج
واملأ وطابك من بهاء جمالنا
وانشر على أعلام حي ذكرنا
تندم كحال الكسع( ) عند تندم
أو قد تكون كمن أراه دبه
تأس بأسو براقش في نهجك
والفرس والقوقاز والروم الألى
والهند والأفغان والزنج كذا
يا ليتني يا ليتني يا ليتني
أعظم بيا أعظم بيا ومؤلفي
قد طم من أسرار رد حكمها
وأتى بإفحام لخصم جاهل
والذب والإفساح عن آل النبي
فاهنأ به سما زعافا قاتلا
واسلك سبيل العارفين بقدرهم
وارسل صلاة دائما متكاثرا
والآل والأصحاب طرا دائما
والحمد لله العظيم الأكرم
بين الهضاب الشم أو بالأدعج
واخضب بذاك الخضب شيب الكوسج
إلا تقم ترمى لحال محوج
أو كالسنمار الغشيم المعرج
طعم الهناءة حين نوم أكرج
تضحك عليك العرب آل مذحج
ضربوا بغرب الأرض أعلاما فج
أهل البخارى أهل أرض معوج
انظر إلى مثلي ومثل مخلجي
قد جاء بالإبداع في حلق شجي
وأتى من الآيات ما يحيي المجي
بالنقل والتدليل حتى يفلج
والرد للمغضوب ذاك الأعوج
للناصبين لآل أحمد فارتجي
واطعم من الروض الكريم الأهيج
عـالـصـادق المصدوق أكرم مرتجي
والبعد للمغضوب ذاك المخرج
حمدا دويما ما صفى من عسلج
ولما لاح بدر تمام هذا المؤلَّف الماتع، وفاح مسك ختام هذا الشهد الرائع، أنشد فيه بعض الإخوان:
أيّـهـا الـهِـرُّ الّذي انـتَـفَـخـا
أو كـوَعْـلٍ نـاطِـحٍ صَـخْـرَةً
أو كـطـفـلٍ مُـمْـسِـكٍ بـعـصـا
فـيـه تَـزْهُـو ضـاحـكـاً فَـرِحـاً
حـاقِـداً بـآلِ بـاعَـلَـوِيّ
خـائـضـاً في لُـجَّـةِ نَـسَـبٍ
مُـنْــكِـراً لِـلْـحَـقِّ مُـسْـتَـكْـبِـراً
لا يَـضُـرُّ الـشَّـمْـسَ في أُفُقٍ
جاءَك الرَّدُّ الّذي أَزْهَـقـا
سـاطـعـاً يُـبَـدِّدُ الـظُّـلَـمـا
مُـرْغِـمـاً لـلـجـاهِـلِ الـمُـدَّعِـيْ
مُـخْرِسـاً لِـكُـلِّ مُـسْـتَـأْسِـدٍ
فـتـأمّـلْ فيه تَـلْـقـى الّذي
واقـبـلِ الـحَـقَّ ولا تَـأْبـَـهُ
وصلاةُ اللهِ تَـغْـشَـى الـنّـبِـيّ
ثمَّ آلِهِ وأصـحـابِـهِ
حـاكـيـاً لِـصَـوْلَـةِ الأَسَدِ
أو كـهِـرٍّ لابِـسِ الـبُـرُدِ
ظـنّـهـا سـيـفـاً مِن الـعَـسْـجَـدِ
غـارِقـاً في الـكِـبْـرِ والـحَـسَـدِ
آلِ بَـيْـتِ الـمـصـطـفـى الـمُـهْـتَـدِيْ
يُـغْـرِقُ الـمَـرْءَ سـنـاهُ الـنَّـدِيّ
أو لـضـوءِ الـشَّـمْـسِ مِن رَمَـدِ
ما رآها أَعْـمَـهٌ أو رَدِيّ
كلَّ ما لك مِنَ الـعُـدَدِ
ويُـنْـيـرُ الـحَـقَّ لـلـمُـبْـتَـدِيْ
َيـرْعَـوِيْ عن فُـحْـشِـهِ الـمُـعْـتَـدِيْ
لا يَـنـالُ الـعِـلْـمَ بـالـسَّـنَـدِ
كـنـتَ عنه في عَـمـىً أَنـْـكَـدِ
تَـحْـظَ بـالـخـيـرِ وبـالـرَّشَـدِ
مَن له حُـبّـي ومُـعْـتَـقَـدِي
مَعْ سلامٍ دائمٍ أَبـَـدِيّ