عرض مشاركة واحدة

  #10  
قديم 01-04-2009, 01:57 AM
الشريف الموجى الأدريسى الشريف الموجى الأدريسى غير متواجد حالياً
كاتب نشيط
 





افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ومع ذلك يبقى التساؤل حول السبب في اختلاف أساليب نضال الشعب المصري عن هذه الشعوب رغم عوامل التشابه السابقة ؟! إن الأسباب لا ترجع إلى طبيعة الشعب المصري، فقد شهدت مصر العديد من الثورات والتي تنوعت في انتماءاتها ما بين القبطية، والشيعية، والخارجية، والأموية، ولعل أكثرها عنفاً تلك التي قامـت في عهد المأمون سنة 216 هـ ولجأ الخليفـة العباسي للتوحش من أجل القضاء عليها، وربما كانت هذه الثورة من أعنف الثورات التي قامت في وجه العباسيين، كما قامت ثورة أخرى ذات ملامح شيعية في سنة 252 هـ، وكانت بنفس ضخامة الثورة السابقة، وكبدت الخلافة العباسية الكثير من الخسائر، وقد أحجمت المرويات التاريخية عن الاسترسال في ذكر أحداث انتفاضات أخرى بدون سبب واضح إلا أن يكون كما ذكرت سابقاً مرتبطاً بخضوع هذه المرويات لرقابة السلطة العباسية.
إن عدم قدرة أي من هذه الثورات على النجاح يرجع إلى ثلاثة أسباب أولهم : الطبيعة الجغرافية لمصر سواء من ناحية الأرض أو الانتشار السكاني، حيث يتركز التواجد السكاني حول شريط وادي النيل الذي يتميز عموماً بعدم وعورة أراضية، في حين يكاد ينعدم في المناطق الأخرى من مساحتها الكلية، وبالتالي فقد تمكنت السلطات الحكومية (أموية / عباسية) من فرض سيطرتها بسهولة على المصريين، كما مكّنها ضيق مساحة التواجد السكاني من القدرة على مراقبة تحركات المعارضة ثم التعامل معها والسيطرة عليها مبكراً قبل اتخاذها الخطوات اللازمة لقيام الثورة، وفي أحيان أخرى وبسبب ضعف الأجهزة الأمنية كان الثوار يتمكنون من إنجاح تحركهم الثوري، وهي المرحلة التي تليها المواجهة العسكرية مع جيوش الخلافة، وفي الغالب كانت هذه المواجهات لا تنتهي لصالح الثوار، ففرص التحصن أو المناورة مع هذه الجيوش ذات الإمكانيات والاستعدادات الضخمة معدومة بسبب افتقاد الطبيعة المصرية للظواهر الجغرافية المساعدة، والتي سمحت لثورات أخرى بالبقاء لفترات طويلة، فقد كانت وعورة جبل البدين والذي أقيمت عليه مدينة " البُذْ "، السبب الرئيسي في صمود الثورة البابكية، كما أن وعورة الطبيعة الجغرافية للمغرب كانت من عوامل صمود حركات الخوارج في جبل نفوسة، وإقليم تافيللت، وهي نفس عوامل بقاء الإسماعيلية والعلويين في الشام حتى الآن رغم عصور الاضطهاد الطويلة التي مارسها ضدهم الأيوبيون والمماليك والعثمانيون، وقد أدركت الحركات الخارجية في مصر هذه الحقيقة فاستغلت وعورة الطرق ما بين وادي النيل والواحات المصرية واستقرت في تلك الواحات بعيداً عن رقابة الحكومات الأموية والعباسية.
السبب الثاني يرتبط بالأيدلوجيات الدينية التي اعتنقها المصريون حيث حرص كل من الأيوبيين والمماليك على إبعاد أي أيدلوجية ثورية من الممكن أن تمثل تهديداً لوجودهم، واستخدموا في سبيل ذلك كل الوسائل، إلى درجـة صدور قرارات بمنـع تدريس قصائد الشعراء الموالين لآل البيت فـي الكتاتيب والمدارس الدينية، كما أصدر السلطان المملوكي قلاوون قراراً بتحريم اعتناق أي مذهب سوى مذاهب السنة الأربعة، وقد أدت هذه السياسة المتطرفة إلى القضاء على التنوع المذهبي والفكري في مصر والذي مثل الأرض الخصبة لإنتاج أي حالة ثورية في المناطق الإسلامية الأخرى، وأصبحت الحالة الدينية في مصر تحت سيطرة فقهاء السلطة والذين ساهموا إلى حد كبير في تدعيم الحكم الأيوبي والمملوكي ومنحهما الغطاء الديني لكل ممارساتهما.
أما السبب الثالث، والذي ساعد سلاطين هاتين الدولتين على تنفيذ سياساتهم، قلة القبائل العربية المهاجرة لمصر من ناحية العدد إذا ما قورنت بمثيلاتها في العراق وإيران والشام، وهي القاعدة الأولى التي نشأت داخلها الانتماءات المذهبية، حيث كان التشيع أكثر انتشاراً في أوساط اليمنيين والعبد قيسيين، في حين انتشر الخوارج في أوساط بني تميم وبكر، في مقابل تأخر الأقباط نسبياً في اعتناق الإسلام وبالتالي تأخر إقبالهم على اعتناق هذه المذاهب بتنوعاتها العقائدية، يضاف إلى ذلك إصرار الحكومات المتتالية على عدم الاعتماد على العنصر المصري في الجيش، ففي العصر الأموي كان الاعتماد على العنصر العربي هو الأساس، أما في العصر العباسي فقد اعتمدوا على العناصر التركية والفارسية، والزنجية، وهو ما سمح للفرق العسكرية الأجنبية والتي كانت موالية تماماً لسلاطين الدولتين بتنفيذ هذه السياسة بنجاح دون معارضة تذكر، في حين فشلت في الأقاليم الشامية التي كانت تحت سيطرة الأيوبيين والمماليك، ومازالت تعيش هذا التنوع المذهبي

 

 

التوقيع :


الشريف الموجى الإدريسى

ابن رسول الله



رد مع اقتباس