عرض مشاركة واحدة

  #2  
قديم 11-06-2008, 07:56 PM
الصورة الرمزية ريحانة
ريحانة ريحانة غير متواجد حالياً
كاتب متألق
 




افتراضي

[align=center]ونفهم من كلام ابن ظفر في فاتحة (( سلوان المطاع )) أن محمد بن أبي القاسم بن علي بن حمود كان يمر إذ ذاك بمنحة ليس سببها أن السلطان غضب عليه أو أن أحوال من معه من المسلمين ساءت ، وإنما سببها أن بعض رجاله واتباعه انقلبوا عليه وأحرجوا أمره وعرضوه لغضب رجار ، وهو هنا رجار الثاني ، فإن الأول كان قد مات قبل ذلك سنة 495(1101) ، وكان جار الثاني هذا أكيس من أبيه وأقدر وأوسع عقلاً وقلباً ، وهو صاحب الشرييف الإدريسي وممدوح نفر من شعراء صقلية والمغرب ، ولهذا لم يكن محمد بن أبي القاسم يخشاه بقدر ما كان يخشى أولئك الأتباع الذين انقلبوا عليه وسعوا إليه بالمضرة ، ولهذا يقول ابن ظفر في التقديم (( ... والحمد لله جاعل الصبر مفتاح للنجاح ضميناً ، والمحبوب في المكروه كميناً ، الذي ضرب دون أسرار الأقدار حجاباً مستوراً ، وقضى أن الخير على الفطن لا يزال حجراً محجوراً ، وأوطأ المسلمين لمشاياه ممهودا وثيراً ، وأمطأ المتبرمين بقضاياه كنودا وعثورا ، وقال سبحانه (( وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً )) . وهذه كلها عبارات مواساة وتصبير ، وتقسيم الكتاب بعد ذلك أدل على هذا المعنى ، فهو ليس مقسماً إلى فصول بل إلى سلوانات : (( السلوانة الأولى : في التفويض ، والسلوانة الثانية : في التأسي ، والسلوانة الثالثة : في الصبر ، والسلوانة الرابعة : في الرضا ، والسلوانة الخامسة : في الزهد )) ، ثم يفصح ابن ظفر بعض الشيء عما دعاه إلى تأليف الكتاب فيقول : (( وبعد ، فإن ملكاً ميمون السيرة ، مظنون صلاح السريرة ، حميد الفكرة ، شديد العبرة ، شغف العلم حباً ، توثب خارجي على رعيته فاقتطع منهم حزباً ، وطمع في أن ينتزع ملكه غصباً ، وأنس من وجود أتباعه شغباً ، فسألني في تلك الحال أن أؤنسه بكتاب يشتمل على حكم وآداب ... )) .
ويبدو من خلال الضباب الذي يخيم على تاريخ المسلمين في صقلية خلال هذه الحقبة الأخيرة أن أمور محمد بن أبي القاسم استقرت من جديد وصفاً له الجو واطمأن خاطره ، فنجده إلى جانب رجار الثاني في مكان عزيز يتولى ناحيته ويشمل فيها من المسلمين بحمايته ، ويسشترك في تدبير الأمور مع كبار رجال الدولة ، وننسع حاله ، ونكثر أمواله ، حتى يفد عليه الشعراء من بلاد صقلية وبعض نواحي المغرب ينتجعون فضله ويتوسمون نداه ، فيشير عليهم بأن يختصوا رجار ببعض أمداحهك ، وقد حفظ المؤرخون لنا أسماء بعضهم وبعض أشعارهم ، ومثال ذلك عبد الرحمن بن رمضان الشاعر المعروف بالقاضي وعبد الرحمن ابن محمد بن عمر البشيري الصقلي وأبو حفص عمر بن حسن النحوي الصقلي وغيرهم ممن أورد عماد الدين أبو عبد الله محمد بن حامد الأصبهاني أطرافاً من أشعارهم في (( الخريدة )) ، بل بلغ من كثرتهم أن العماد سئم ذكر بقيتهم وقال : (( فما أوثر مديح الكفر )) .
ويكاد أن يكون من المرجح عندنا أن محمد بن أبي القاسم الحمودي هذا كان هو وسيلة الشريف الإدريسي إلى رجار ، فهو حمودي شريف مثله ، وقد دللنا في الفصل الخاص بالإدريسي من بحثنا عن (( الجغرافية والجغرافيين في الأندلس )) على أن الشريف الإدريسي عندما خرج من المشرق عائداً إلى المغرب مر بصقلية وأقام فيها ردحاً من الزمن ، فإن القسم الخاص بصقلية من (( نزهة المشتاق )) يضم معلومات وملاحظات تدل على أنه عرفها قبل وفوده عليها لعمل صورة الأرض وتأليف شرحها المسمى (( نزهة المشتاق )) ، وقد رجحنا لهذا أن يكون الشريف قد نزل بالجزيرة منتجعاً لقريبه الحمودي ، وعرف هذا ولعه بالجغرافية والأعشاب واتساع باعه فيهما ، ومن المعقول أن يكون قد قدمه إلى رجار الثاني كما كان يقدم إليه من يفد عليه من الشعراء ، وقد كان هذا معنياً بهذين العلمين شديد الطلب لهما ، فلما لقي الإدريسي دعاه إلى المقام عنده للعمل مع في الجغرافية وهنا – أحسب – موضع العبارة التي ذكرها خليل بن أيبك الصفدي في (( الوافي بالوفيات )) وقال إن رجار الثاني للشريف الإدريسي : (( أنت من بيت الخلافة ، ومتى كنت بين المسلمين عمل ملوكهم على قتلك ، ومتى كنت عندي أمنت على نفسك )) ، فاستقرت هذه الكلمة في نفس الإدريسي ، ومضى إلى المغرب ثم إلى قرطبة ليستكمل دراسة الجغرافية ، وقد أثبتنا أن مقام الإدريسي في قرطبة وجنوب الأندلس كان قبل سنة 537 ( 1142 – 1143 ) أي قبل وفوده على صقلية وشروعه في العمل مع رجار ، ويبدو أن الأدريسي لاحظ أثناء تلك الإقامة في الأندلس استقرار الأمر للمرابطين ، ولهذا فهو لا يزال يثني عليهم في كتابه ، ولابد أنه لم يرض عن الموحدين بعد ذلك لقيامهم على المرابطين وعملهم على القضاء عليهم ، ولهذا فهو شديد النقد لهم ، لا يكاد يغادر فرصة للحملة عليهم إلا ابتدرها .
وقد ظلت أحوال المسلمين طيبة في صقلية طالما عاش رجار الثاني ، وهذا واضح على الأقل من عمل الإدريسي معه وما كان يلقاه من الكرامة عنده حتى قال الصفدي : إنه (( رتب له كفاية لا تكون إلا للملوك ، وكان يجيء إليه راكب بغلة ، فإذا صار عنده تنحى له عن مجلسه ، فيأتي فيجلسان معاً )) ، وهذا الإكرام للإدريسي لم يكن مقصوداً به شخصه وحده ، وإنما كان رجار ينظر من ورائه إلى غرض آخر ، وهو كسب ثقة رعاياه من المسلمين بتقريب هذا العلامة الشريف العلوي والحفاوة به ومعاملته معاملة الأمراء ، فإن الشريف الإدريسي لم يكن يطلب هذ كله ولا نظر إليه ، وإنما كان عالماً وجد فرصة مواتية للعمل وتشجيعاً عليه فانصرف إليه ، وبديهي أن هذه الكرامة أيضاً كانت من نصيب قريبه ورئيس المسلمين في صقلية إذ ذاك : محمد بن أبي القاسم بن علي بن حمود .
غير أن أحوال المسلمين في صقلية بدأت تتغير بعد وفاة رجار الثاني وتولى ابنه غليالم الأول في سنة 1152 ( 547 – 548 هـ ) ، فإن الولد لم يرث من ملكات أبيه إلا القليل وقد كان كسولاً عنيفاً متعالياً وبخيلاً ، كما يقول معاصروه من المؤرخين النصارى ، ولم يحسن إلى جانب ذلك اختيار نصحائه ورجال دولته ، ولهذا فقد شقي به رعاياه جميعاً مسلمين وغير مسلمين ، ثم إن الظروف كانت قد تغيرت من حوله ، فقد اشتد ساعد الإمبراطورية التيوتونية وأخذ رجالها يتأهبون لانتزاع جنوب إيطاليا من النرمان ، ومن ناحية أخرى استقام الأمر للموحدين وأقبلوا يضيضمون شتات المغرب ويستعيدون ما كان النرمان قد استولوا عليه من مواضع على الساحل الإفريقي ، ومالت طائفة من رجال الدولة من النصارى إلى الأباطرة أو الباباوات ، وطبيعي أن تميل أفئدة المسلمين إلى الموحدين أو الأيوبيين ، وهو ميل طبيعي من جماعة إسلامية غلبت على أمرها وباتت ترجو الخلاص ، وسنرى بعد قليل أن آل حمود الصقليين لم يقتصروا على مجحرد الرجاء ، بل سعوا بالفعل نحو الخلاص .
والمهم لدينا الآن أن ظنون غليالم الأول ساءت فيمن حوله من كبار رجال الدولة ، فوقعت الفتنة فيما بينهم من ناحية ، وبينهم وبينه من ناحية أخرى ، وكان لهذا أثره على آل حمود وبقية مسلمي الجزيرة . وقد بدأت الثورة عليه في أملاكه في أبوليا وقلورية وأيدها آل كومنين أباطرة الدولة البيزنطية بأسطول ، وبعد لأي ما استطاع غليالم إطفاء هذه الفتنة وعقد مع البيزنطيين في سنة 1157 ( 552 هـ ) ، قم وثب أهل صفاقس بالنرمان وتزعمهم أبو الحسن الغربياني وابنه ، وقامت الثورة كذلك في معظم جهات الشاحل الافريقي ، ولم تلبث جييوش الموحدين المظفرة أن أقبلت يقودها الخليفة عبد المؤمن بن علي ، واستردت معاقل الشاطيء الافريقي كلها حتى طرابلس .
وعلى أثر ذلك انقض نصارى بلرم على مسلميها نصارى بلرم على مسلميها على حين غفلة ، وكان المسلمون يسكنون أغنى أحياء المدينة ، وكان يسمى حي قصارة Cassara وأنزلوا بهم مذبحة دامية ، وقتلوا منهم المئات ، من بينهم الشاعر يحيى بن التيفاشي القابسي ، ويظن أن الادريسي ترك بلرم في هذه الآونة ، فقد كان يعيش منذ وفاة رجار الثاني على مقربة من القصر مشتغلاً بتأليف كتابه (( روض الأندلس ، ونزهة النفس )) ، وكان ذلك في سنة 577 ( 1161 ) ، وهذه آخر مرة نسمع فيها بذكر جغرافينا العظيم ، وذهب العماد في (( الخريدة )) إلى أن هذه المذبحة كانت سنة 550 ( 1155 – 1156 ) ، ولكن الغالب أنه خلط بينها وبين فتن أخرى مما وقع للمسلمين في صقلية في هذه الفترة العصيبة .
وقد ذكر الحسن الوازن الذي عرف باسم ليون الافريقي في رحلته أن الادريسي مات في صقلية سن ة516 هـ ، وهو وهم من الناسخ صححه دي سلين إلى 560 ( 1164 – 1165 ) ، ومن هنا نرى أن تاريخي مولد ووفاة أعظم أنجب العرب من الجغرافيين أخذهما عن مصدرين مشكوك في سلامتهما ، الأول راهب ماروني والثاني رحالة ارتد عن الإسلام
منقول
تحياتى للجميع[/align]

 

 

التوقيع :
رد مع اقتباس