ولا ينفع حذر من قدر فانتهز سليمان الفرصة عندما تغيب راشد لقضاء بعض
المهام ودخل على المولى إدريس وقال له: يا مولاي جعلت فداك إنني جئت
من المشرق بقارورة من الطيب ذات الرائحة الزكية وأنت أولى بها. فتقبل المولى
إدريس الهدية. ففتح القارورة وشمها وكان بها السم الذي صعد خياشيمه.
فتسلل سليمان في الحين وتأكد من هلاك المولى إدريس. فامتطى صهوة جواد
كان أعده للفرار.
وخرج راشد يبحث عن سليمان فلم يعثر عليه واقتفى أثره باحثاً عنه ليقتص منه.
وقيل إنه عثر عليه ووجده يقطع وادي ملوية. فقطع إحدى يديه وشجه في
رأسه كما يقال بأن مدينة وجدة سميت بهذا الاسم حيث أن راشد وجد
سليمان بأرضها.
وقد عثر الحجاج المغاربة بعد وفاة المولى إدريس على سليمان بن جرير
وهو يؤدي فريضة الحج ويده مقطوعة ورأسه مشج. والله أعلم.
ولقد شيع السكان جثمان المولى إدريس إلى أن ووري في جدثه بمدينة زرهون.
وبعد انتهاء مراسيم الجنازة جمع راشد أعيان القبائل ورؤساؤها وخاطبهم قائلاً :
إن المولى إدريس قد ترك كنزة حاملا في شهرها السادس فإن ولدت ذكرا ربيناه
أحسن ما تكون التربية حتى إذا شب وترعرع بايعناه وإن وضعت أنثى أصبح
الأمر من اختصاصكم وشورى بينكم.
فقالوا: ليس لنا من الأمر إلا ما ترى فقم وصياً على الملك كما كان إدريس.
تولى راشد تسيير دفة الدولة إلى أن وضعت كنزة ولداً كثير الشبه بأبيه
واختير له من الأسماء اسم أبيه إدريس.
فكفله راشد وأحسن تربيته وأدخله المدرسة لأخذ العلم عن جهابذة
العلماء وحفظ كتاب الله الكريم واستدعى له الفرسان ليشب على الفروسية
وحمل السلاح.
ولما بلغ المولى إدريس الحادية عشر من عمره بويع ملكاً على المغرب.
فتوارد السكان من جميع الجهات مما جعل المولى إدريس بعد أن ضاقت
وليلى يفكر في نقل العاصمة من وليلى إلى مكان أوسع وأنسب.
فبنا أول الأمر مدينة فوق جبل زالغ سرعان ما هدمتها السيول وأخيرا بنا
مدينة فاس واتخذها عاصمة لمملكته.
أما المولى راشد فقد ألتحق بربه في السنة التي بويع فيها إدريس الثاني ودفن
قرب ضريح المولى إدريس الأول وقبره بها معروف إلى اليوم.
أما المولى إدريس الثاني فتوفي عام 213 من الهجرة رحم الله الجميع وألحقنا
بهم مسلمين.
خلف المولى إدريس الثاني أثنا عشر ولدا وهم : الخليفة بعد أبيه سيدي
محمد وعبدالله وعيسى وأحمد وجعفر ويحيى وإبراهيم والقاسم وعمر
وعلي وداوود وحمزة.
وزاد بعض المؤرخين كثيراً الحسن والحسين وعمران.
وتولى ابنه سيدي محمد على رأس المملكة ووزع المغرب بين إخوته بإشارة
من جدته كنزة ونصب ابن عمه محمدا بن سليمان على تلمسان. فقامت
حروب بين الإخوة من أجل السلطة والنفوذ أدت إلى مقتل بعضهم.
توفي الخليفة الأمير سيدي محمد عام 221 هجرية ودفن رحمه الله إزاء والده.
وخلف على الراجح ثمانية أبناء وهم : علي وأحمد وإبراهيم وعبدالله
وموسى والقاسم والمهدي ويحيى.
وقد اعتاد النسابون أن يستهلوا كتاباتهم عن السلالة الإدريسية بأبناء
القاسم بن إدريس الثاني نظراً لعدة عوامل منها : أنهم سدنة الحرم الإدريسي
قديما سواء بزرهون أو بفاس ومن جهة أخرى لكون الشرفاء الشبيهين
سلالة القاسم بن المولى إدريس الأزهر فيهم تعاقبت نقابة الأشراف الأدارسة.
وسأشذ عن قاعدة النسابين بادئاً بسلالة الخليفة سيدي محمد باعتباره من
أكبر أبناء المولى إدريس الأزهر وتيمناً باسم جده سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
انتهى.
المصدر:كتاب المصابيح البشرية في أبناء خير البشرية.