عرض مشاركة واحدة

  #3  
قديم 14-11-2009, 11:47 AM
الصورة الرمزية امحمد قريب الادريسي
امحمد قريب الادريسي امحمد قريب الادريسي غير متواجد حالياً
باحث في النسب الإدريسي
 




افتراضي

الانتقال إلى إداوزداع وتأسيس زاوية تافيلالت:


1-1 عبد الله بن سعيد مؤسس زاوية تافيلالت:
أجمع كل الذين ترجموا لعبد الله بن سعيد بن عبد المنعم على سعة علمه، وخشوعه، وورعه، وتقواه، وعلى ملازمته للسنة وانكبابه على العلم والتدريس، وخاصة من لقيه منهم.29 أورد في حقه ابن عسكر: "فرأيت عقلا وافرا وعلما بارعا وزهدا بالغا"30 كما روى عن شيخهما عبد الله الهبطي قوله: "ما رأيت قط مثل فهم هذا الرجل وإصابة رأيه في العلم".31

طارت شهرة الشيخ عبد الله بن سعيد بالنسك، والنظر الدقيق والاحتياط البالغ في طريق العبادة، "فقصده الواردون من جميع آفاق المغرب، وانتفعوا به في أمر دينهم"، 32 رغم أنه احتجب عن الناس وعاش دهره مستخفيا حتى عمن يقصده للزيارة باعتقاد تام ! كما اشتهر أيضا بحرصه الشديد على التعليم، إلى درجة اعتقد معها بعض مترجميه أن بركته ارتبطت بهذا المجال:"ومن عظيم بركته أنه لا يأتيه أحد - وإن ملكت العجمة لسانه، وأخذ الهرم أسنانه - وينقلب عنه إلا وقد حفظ ما يجب عليه عقيدة وفرضا وسنة وإن كان لا يعرف حرفا."33



تعليمه ومشايخه:

بدأ عبد الله بن سعيد تعليمه في حاحة على يد والده العالم الصوفي سعيد بن عبد المنعم، فكان أول مشايخه في العلم والتصوف، بعد ذلك انتقل إلى بلاد جزولة للأخذ عن الصوفي الشهير أحمد بن موسى السملالي34 بتازروالت.. وربما انتقل عبد الله أثناء إقامته ببلاد جزولة إلى تمنارت للأخذ عن شيخها الكبير محمد بن إبراهيم التمنارتي،35 كما ذكر من ضمن مشايخ عبد الله بن سعيد السوسيين أيضا الشيخ الصالح عياد بن عبد الله السوسي.36

ولم يتوان عبد الله بن سعيد أيضا في الانتقال للأخذ عن الشيخ عبد الله الهبطي بجبال غمارة من بلاد الهبط.37 وقد تأثر به تأثرا بالغا، واقتبس كثيرا من أخلاقه.

بعد ذلك انتهى المطاف بعبد الله بن سعيد إلى فاس، لينهل من ينابيع العلوم الدينية واللغوية على يد كبار أساتذة ذلك العصر، وهناك تتلمذ على أبي عبد الله محمد بن علي الأندلسي الشطيبي، ودرس الفقه على كل من عبد الوهاب الزقاق (ت960هـ)، وعبد الواحد الونشريسي (ت955). ولم يستبعد القادري، أثناء ترجمته لعبد الله بن سعيد، أن يكون قد أخذ كذلك على عبد الرحمن سقين (ت955هـ).38

رحلة طويلة هي إذن، تلك التي قام بها عبد الله بن سعيد من أجل إتمام تعليمه. فقد انتقل من حاحة إلى جزولة، ومنها إلى جبال غمارة ببلاد الهبط، ثم إلى فاس وأحوازها ليلتقي بمشاهير شيوخ العلم والتصوف في ذلك العصر. وهو ما ضمن له تكوينا متينا وشأنا عاليا بين علماء وصوفية زمانه. فلا عجب إذن أن ينال كل هذه الشهرة، ويحظى بإطراء شيوخه ومترجميه عليه. وقد استمرت رحلته هذه حتى مطلع النصف الثاني من القرن: التاسع الهجري، حيث لم يغادر مدينة فاس إلا سنة: (955هـ/ 1548م).39

1-2 ظروف الانتقال إلى إداوزداغ وتأسيس زاوية تافيلالت:
أنهى عبد الله بن سعيد جولته لطلب العلم في فاس، وقد خرج منها سنة 955هـ، أي بعد وفاة والده بسنتين (953هـ/1546م). وقد أجمع أغلب مترجميه على أن انتقاله إلى إذا أوزداغ كان "بموافقة" السلطان الغالب.40 وذلك يعني أن هذا الانتقال تم بعد سنة (964هـ/1557م) وهي السنة التي تولى فيها عبد الله الغالب. ومن تم فإن الفاصل بين خروج عبد الله بن سعيد من فاس واستقراره بإدا أوزداغ يتجاوز عشر سنوات، يظهر أنه قضاها في زاوية أبيه بحاحة.

ويبدو أن أغلب مؤرخي هذا العهد أخذوا أخبار الشيخ عبد الله بن سعيد عن التمنارتي، لذلك نراهم يرددون عددا من العبارات والجمل الواردة في "الفوائد الجمة"، كما هو الشأن بالنسبة لانتقال الشيخ عبد الله إلى زداغة. حيث أثبت جلهم أن هذا الانتقال كان "بموافقة" السلطان الغالب! وكأن الأمر يتعلق بانتقال إرادي من طرف الشيخ، الذي يرغب، ودونما سبب واضح، في ترك منبته وعصبته، وأتباع زاوية أبيه، ليجازف بعزل نفسه في هذه الجبال النائية الوعرة ! وكأنه لم يكن ينتظر غير موافقة سلطان وقته ليقدم على هذا الانتقال ؟ إنه أمر جد مستبعد طبعا. والراجح أن وراء خروج الرجل من حاحة أسبابا سياسية، تتعلق بصفة أساسية بالنشاط الجهادي/السياسي لوالده سعيد بن عبد المنعم، وبالشكوك التي حامت حول رغبته في الاستيلاء على الملك، تحركها رغبة في قطع صلة الشيخ بالنفوذ الكبير الذي تمتع به والده في أوساط قبائل حاحة وعبدة.41 "لذلك رأى عبد الله الغالب أن يخرج عبد الله بن سعيد من بين عصبته الحاحيين إلى جبل ناء يتعذر الوصول إليه"42 لا يتعلق الأمر إذن "بموافقة" السلطان، بل "بأمر" السلطان. كما لا يتعلق الأمر "بانتقال" ولكن، باستعارة المصطلح من الحقل السياسي، يتحول الأمر إلى "نفي" متعمد تخوفا من تكرار تجربة سبق أن عانى منها أب السلطان الغالب وجده. وهو أمر تؤكده الإشارة الواردة عند ابن عسكر: "ولم يزل السلطان الغالب ومن بعده يكاتبونه (عبد الله بن سعيد) بالأمان ويستعطفونه وهو لا يلتفت إلى شيء من ذلك".43 فلماذا المكاتبة بالأمان إذن إذا لم يكن صدر منه في حق هذا الشيخ ما يخل بهذا الأمان ؟ ولماذا الاستعطاف إذا لم يكن مسبوقا بندم على فعل بدر منه وربما تبين عدم صوابه ؟ ومن غير المستبعد أن الأمر قد يرتبط بتدخل من طرف الشيخ أحمد بن موسى السملالي الذي كان عبد الله بن سعيد يحظى عنده بمكانة عالية، خاصة وقد سبق أن رأينا أن السلطان عبد الله الغالب لجأ إلى طلب تدخل الشيخ لتمهيد قبائل سوس وأنه ما فتئ يزوره في زاويته تيمنا وتبركا ؟

 

 

التوقيع :
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات ألأ حياء منهم وألأموات
عنوان مدونتي :http://bomlik.maktoobblog.com

التعديل الأخير تم بواسطة الشريف إيهاب التركي الشاذلي الإدريسي ; 14-11-2009 الساعة 10:33 PM.
رد مع اقتباس