التعريف بأرجوزة فلك الكواكب :
قد اشتهر مترجمنا بقصيدته في مدح النّبي صلى الله عليه وسلم، تحتوي على حوالي سبعين بيتا حروفها مهملة، كما اشتهر بمنظومة أخرى سمّاها "فلك الكواكب وسلم الرقيا إلى المراتب" أو كما يسمّيها البعض (بالفلك الكواكبي) في ذكر أولياء منطقة الشلف لأبي عبد الله المغوفل، والتي تعتبر أهم عمل تناول موضوع أخبار الأولياء والصّلحاء بعد (صلحاء الشلف) لموسى المازوني .
وهي عبارة عن رجز في تراجم صلحاء البطحاء كما أسلفنا آنفاً، وأولياء منطقة الشلف حوالي أربعة قرون، مبتدئاً بالقرن السادس ومنتهياً بالقرن التاسع، وطريقته أنّه يذكر الولي بالاسم الذي اشتهر به وإن لم يكن كذلك سمّاه بما اشتهر به من صفة أو نسبٍ حتّى يأتي من يعرفه باسمه .. وهي الأرجوزة التي سنحاول تسليط الضوء عليها .. وتحتوي هذه المنظومة على حوالي خمسين ومائتي بيت قال في مستهلها :
وبعد ذا أذكر ما وعيت من الأشياخ وعنهم رويت .. مناقب بعض أهل الإغاثة منشأهم في القرون الثلاثة .
مشهور الاسم إن فشا سميته وغيره إلى غيري أسلمته ... إلى أن قال : منهم رجال سكنوا البطحاء كانوا بها بدورا أصفياء .. لم يعرفوا قبورهم في عصرنا ألامع التمني في أماكنا
فكلهم درسوا باندراس زمانهم فهم من المناسي .
وممن مدح مترجمنا وذكر قصيدته المتقدمة الذكر في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، العلامة المجاهد الشيخ أبو زيد الحاج دفين ضواحي البطحاء قرب سيدي خطاب، وكان معاصرًا لسيدي عابد حفيد المترجم قال :
على جبل الصفاح مع وريزان ووادي أرهيو وأزروثمان سلام .. ومن بينهم خصوصا صاحب القبتين هي له فوق فوق العلويات مقام .
ثم يذكر الناظم الظروف التي تعرف فيها بالمترجم وقصيدته فقال :
وقد كنت قبل اليوم لا أعرف قدره مكانته في العلم كيف تقام ... تعم شهرة الآثار عمت أفقه بأنه قطب شلفها وإمام .
سماعا على الإجمال غير مفصل فيا ليتني منه عنه جاء كلام ... ولما فتح الله في السير لابنه عليا زين العابدين الهمام .
(وعلى زين العابدين هو المعروف بسيدي عابد) تحدثنا والحديث شحه ببعضه فثار لميدان الحديث قتام .
فقال للشيخ عندي قصائد فقلت له ومثله ما يقام ... فقم أو أقم من يأتينا بها عاجلا قبال فور للشيخ استكان قيام .
فناولنيها بعد أن جاء بها قايما ولكل المفعولات تمام ... فلما فتحت الطرس وانحل عقده بدت لي درر في السمو فخام .... إلى أن قال :
فجاء بها صماء لا نقط فيها بل منورة بنوره لا ترام ... له فيها منها شاهد ومحاهم فإنه في الثلاث حقا إمام .
معان بيان مع بديع جزاه ربه الأوفى والخطوب جسام ... واسكنه الفردوس منزلة العلى بدار السلام فيها معه تدام .
تكلم المغوفل عن أخبار هؤلاء الأولياء وعن مناقبهم، وسميّ بعضهم بأهل الغوث وآخرين بالبدور، كما تحدث عن خصائص المريدين والأولياء ودرجات كل منهم وسلوكهم نحو الآخرين ... وذكر أنّ الغرض من ذكرهم كما أسلفنا هو التبرك بهم لينبه الغافل ويتوب المذنب .. ومن هؤلاء الشيوخ رجال سكنوا قرية البطحاء لكنّ قبورهم قد درست باندراسهم إلاّ ما ندري كالشيخ أبي عمران موسى الشاذلي الذي أفاق وسكن قرية أخرى، وهو من علماء الظاهر والباطن، ومن أشراف هوارة .. ومنهم أيضا أبو أيوب والبزاغتني وراشد وعبد الجليل المسيلي، وابن أبي العافية والسعدي صاحب الكرامات التي أخاف بها الأمير لولا أنّ قد طلب العفو منه وأرسل إليه الهدية فعفا عنه ورضي، ومنهم أحمدوش الملقب بالأحمد الزاهد الذي كان يتقن تجويد القرآن الكريم، والذي أصبح معلما للصبيان بأجرة مع لذيذ الطعام .
بالإضافة إلى صلحاء البطحاء ذكر نفراً ممن سكنوا غرب وشرق وجنوب القلعة ودافعوا عن البلاد وحرصوها ضد ظلم الحكّام، ولكن انعكس الأمر بسوء الحال فذلّ العزيز وفقر الغني، فإلى أين المصير ؟ ... فلعلّ الفرج سيكون واليسر بعد العسر يستبين .
وذكر المغوفل بعد ذلك شيوخ شيوخه وخصّ بالذكر علي الجوثي الذي قال أنّ الأرض قد ازيّنت به وأنّه حمل لواء العلم وكان يجمع بين السنّة والتصّوف وكان يجيد الحديث والتفسير والمنطق والأدب "فالزمان لا يأتي بمثله" (12) .
والجلّيُ أنّ ابن المغوفل كان بسيط المعرفة وأنّه سجل في هذه الأرجوزة ما وسعته ذاكرته أو أخبره به الناس ووجده في بعض المصادر عن حياة صلحاء الشلف، رغم حشوه بكرامات الصالحين، ولكنّ عمله على كلّ حال يعكس روح وبضاعة العصر .
وكما ذكرنا آنفا أنّ الشيخ المغوفل عاش في بداية العهد العثماني، ورجزه قصير وبسيط، ومن سوء حظّه أنّ أحداً لم يعمد إلى شرحه وتوضيح التراجم التي لمّح غليها أو اختصرها، وبذلك ظلّ محتوى الرجز غامضا، فكثير من الأسماء التي وردت فيه غير معروفة إلاّ للنّاظم .
كما اشتهر المغوفل بقرض الشعر الذي تناول فيه حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ورغم شهرة هذه القصيدة وأهميتها وشيوع الشروح في ذلك العصر فإننا لا نعرف أنّ أحداً قد تناولها بالشرح .
إنّ رمزية هؤلاء العلماء الأفذاذ والأولياء الصلحاء، أضفى الجزائر جوا روحانيا مشرقا بنفحاته الربانية العبقة، ذلكم أنّ شخصية مثل شخصية الشيخ أبي عبدي الله المغوفل وغيره من علماء وصلحاء هذا الوطن، ظلّ منارة إشعاع للثقافة العربية الإسلامية عبر العصور. بفضل هؤلاء العلماء الأعلام والصلحاء الأخيار ومدوناتهم استطعنا أن نتحرى سجلات لا تعد ولا تحصى من الحوادث التاريخية المهمة التي سهى المؤرخون عن تبيانها إمّا سهوًا أو عمداً .
ومن بين العلماء الربانيين الذين كانت لهم صولة وجولة عبر مختلف جهات هذا القطر كتابة عن علماء وصلحاء عايشوا فترة العهد العثماني الشيخ أبي عبد الله المغوفل الذي رسخّ علوم الحقيقة والشريعة في داخل بطحائه وخارجها. وممّا لا عجب فيه ولا غرابة هو أنّ المغرب الأوسط ظلّ خلال فترات وحقبات متتالية محافظا على هويته وشخصيته من خلال هؤلاء العلماء الأعلام والصلحاء الأخيار ومدوناتهم، وهذا إن دلّ على شيء فإنمّا يدلّ على مدى تشبّع علمائنا وأوليائنا بعلم الحقيقة والشريعة شرعة ومنهاجاً .
فتاريخ المغرب الأوسط لاسيما الناحية الغربية منه يؤكّد أنّ العلاقة وطيدة بين العلماء والأولياء وبين المتصوفة والفقهاء، والتي تقوم أساساً على إتباع الشريعة والسّنة المحمدية، والتربية الروحية والتزكية النفسية .. مما جعلهم يحظون المكانة المرموقة والمعطاة لهم. وتلكم سطور خاطفة عن حياة الشيخ أبي عبد الله المغوفل وكتابه فلك الكواكب .. الذي حوى في طياته وثناياه علماء وصلحاء هم شموع مضيئة على درب التقوى والصلاح والهداية الربانية إلى كلّ خير وفلاح، التي تبقى وفية لتراثها الروحي الحضاري فهي إذن رسالة حضارية سامية تعمل على ترسيخ الروابط الروحية بين هؤلاء الأعلام لجيل الغد .
ولن يتحقق ذلك إلاّ بتفعيل قيمنا الاسلامية الحضارية المثلى في مجال خدمة التراث العربي تراث أجدادنا وموروثنا الثقافي الأصيل الذي يعكس هويتنا وشخصية بلدنا .
--------------------------------------------------------------------------------
خادم أهل الله الشريف عبدالعزيز بن علال الشريف الإدريسي الحسني الجزائري
عبدالعزيزبن علال الحسني