هــجــرته إلى المــشــــرق
ثم لما ضاقت به الأرض بالمغرب
وكان ما كان مما لست أذكره فظن شرا ولا تسأل عن الخبر
رحل إلى دمشق الشام عام 1375/1955 ، ليستقبله أهلها وأعلامها بكل حفاوة وتقدير ، ودرس في جامعة دمشق التفسير والحديث والفقه المقارن بكلية الشريعة ، وعين رئيسا لقسم علوم القرآن والسنة في عموم كليات سوريا ، ودرس بجامع دمشق وبمنزله بحي الميدان ، وكان مفتيا للمالكية بدمشق .
واستمر في الشام داعية إلى الله تعالى ، والتقى بزعماء القيادات الإسلامية ؛ كالإمام المصلح أبي الأعلى المودودي ، ومفتي باكستان محمد شفيع الديوبندي العثماني ، والعلامة عبد المحسن الأسطواني ، والعلامة محمد إدريس القندهاري اللاهوري ، والإمام المفسر محمد الطاهر ابن عاشور التونسي ، والعلامة العارف أبو القاسم الدباغ الحسني ، وشيخ علماء الشام أبي الخير الميداني ، والأصولي الكبير أحمد بن محمد الزرقا الحلبي ، والعلامة الشيخ عبد القادر الحواري الحجازي ، والعلامة المجاهد الكبير محمد البشير الإبراهيمي الجزائري الإدريسي الحسني ، وكانت بينهما صحبة ومودة خالصة وتعاون .
ووضع يده في يد عمه شيخ الإسلام بسوريا ، والإمام المصلح الداعية إلى الله تعالى أبي الفيض محمد المكي بن محمد بن جعفر الكتاني مؤسس رابطة علماء سوريا ، والذي لم تكن تعين وزارة بسوريا لعدة سنوات إلا بموافقته الشخصية ، فعملا على إصلاح البلاد ، ومساعدة الحركات التحررية في العالم الإسلامي ، وتوجيهها الوجهة الإسلامية ، كما كان عليه والده الشيخ محمد الزمزمي – رحمهم لله تعالى – وكذا وضع يده في يد الأستاذ الكبير مصطفى السباعي ، ونشر مقـــالات عــــدة في مجـلته "المسلمون" وغيرها .
وعمل مع عمه المذكور على توحيد سوريا ومصر عام 1381/1961 بالاتفاق مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر ، غير أن ذلك الاتحاد فشل نظرا لتعنت جمال عبد الناصر ، ومحاولته استغلال ثروات وخيرات الشام دون مقابل ، وبعيدا عن الشريعة الإسلامية .
ثم اضطرته الظروف إلى الهجرة من الشام إلى عمان بالأردن ثم منها إلى مكة المكرمة بالمملكة العربية السعودية حيث اصطفاه الملك الشهيد فيصل بن عبد العزيز آل سعود مستشارا له ، لما وجد فيه من الروح الإسلامية الجياشة ، والعلم العميق المتمكن .
وعمل في الحجاز في سلك التدريس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة التي كان أحد مؤسسيها ؛ أستاذا للتفسير والحديث والفقه ، والمذاهب الإسلامية والاجتماعية المعاصرة في كلية الشريعة وكلية الدعوة ، ودرس الحديث في كلية الشريعة وكلية الدعوة الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة ، ثم بجامعة أم القرى بمكة المكرمة ، وعضوا ومستشارا برابطة العالم الإسلامي .
وكان مواظبا على التدريس بالحرمين الشريفين ؛ فدرس بالحرم المكي والحرم النبوي الشريف تفسير القرآن الكريم إلى أن أتمه ، والموطأ ، ومسند الإمام أحمد ... وغير ذلك ، متنقلا نصف الشهر في مكة المكرمة ، والنصف الآخر بالمدينة المنورة .
وقد أشار على الملك فيصل – رحمهـــما الله تعالى – بعدة إشارات وجد منه فيها القبول التام ؛ منها فكرة : (( منظمة المؤتمر الإسلامي )) ، التي كان ينوي عن طريقها جمع الدول الإسلامية في هيئة واحدة تكون مقدمة للخلافة الإسلامية الجامعة ، وسافر سفرات طويلة إلى مختلف البلاد الإسلامية والتقى بقادتها من أجل إقناعهم بهذه الفكرة ، ولتكون في مقابلة جامعة الدول العربية التي هي فكرة بريطانية في الأصل . وقد تمت هذه الفكرة ؛ غير أنها لم تستمر كما أراد ، نظرا لاستشهاد الملك فيصل – رحمه الله تعالى - بعد ذلك .
كما حاول الصلح بين المغرب والجزائر في أزمة الحدود الشهيرة التي كادت تندلع الحرب بينهما بسببها ، حيث أرسله الملك فيصل للتوسط بين البلدين الشقيقين من أجل المصالحة .
وقد اقترح على الملك المذكور فكرة الدينار الإسلامي ؛ عملة نقدية يتوحد عليها العالم الإسلامي في مقابلة الدولار الأمريكي ، وأن لا تقبـل الدول التعامل إلا بهذه العملة ، غير أن هذا المشروع أقبر باستشهاد الملك المذكور .
وهو صاحب فكرة : (( موسوعة الفقه الإسلامي )) في مصر ، بل أول من دندن حولها في العالم الإسلامي ، وهي من اختراعه وابتكاره ، وكان المقصود منها : تيسير الوصول إلى مظان الفقه الإسلامي ؛ خاصة المذاهب الفقهية غير المتبوعة والمنقرضة ، وذلك لتيسير إحياء الحكم بالشريعة الإسلامية كما كان الحال في أيام الخلافة الإسلامية المزدهرة . وبسبب توجيهاته أسست : "موسوعة جمال عبد الناصر للفقه الإسلامي" ، التي سميت من بعد : "موسوعة الفقه الإسلامي".
ولما استوطن سوريا ؛ نقل تلك الفكرة ؛ فعملت جامعة دمشق على إصدار أول مؤلف من نوعه في هذا الميدان ؛ وهو كتابه : "معجم فقه الظاهرية" في مجلدين باسم موسوعة الفقه الإسلامي ، ثم ألـف :"معجم فقه السلف : صحابة وتابعين وعترة " في تسعة أجزاء طبعتها جامعة أم القرى عام 1406 .
وقد عمل – كذلك – في مجال الدعوة إلى الله تعالى في مختلف القارات الخمسة ، وأسلم على يديه وبسببه جمع كبير من غير المسلمين ، وألقى محاضرات كثيرة في التعريف بالإسلام والمسلمين .
كما ركز على الدعوة الإسلامية في الأندلس ( إسبانيا ) ، غير أن الكبر أصابه ، وتكاثرت الابتلاآت عليه ، فقام بعمله نجله والدنا الإمام الداعية العلامة الشهيد الدكتور مولاي علي بن المنتصر الكتاني – رحمه الله تعالى – فقام بذلك أتم قيام وأفضله ، جزاهما الله تعالى عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء .
وتقديرا من الأندلسيين للمترجم – رحمه الله تعالى - سمت حكومة مدينة قسطلة الأندلسية الشارع الرئيس بها باسمه ؛ تقديرا لجهوده في إرجاع القومية والهوية الأندلسية إلى الشعب الأندلسي .
وأعماله العلمية والوطنية كثيرة جدا يخطئها الحصر ، كل ذلك حملا لهموم الأمة الإسلامية ، محاولة لإخراجها من ربقتي الجهل والظلم ، على مبدأ العلم والجهاد الذي هو – كما ذكر في مقدمة كتابه "فتية طارق والغافقي" – كجناحي طائر لا يطير إذا فقد أحدهما .
حاله وأفكاره :
كان – رحمه الله تعالى – إماما من أئمة العصر ؛ ذا فكر وقاد ، وعقل راجح كبير ، وفكرة سديدة ، وذكاء مفرط ، وهمة عالية ، وشخصية متميزة ...
كان في أصول الدين والمذاهب الإسلامية القديمة والمعاصرة ، والتيارات الفكرية العصــــرية ؛ حــــذام أخبارها المصدق ، وعذيقها المرجب ، بحيث إليه المرجع في ذلك كله .
أما التفسير ؛ فقد كان عالما بارعا فيه ، تم له تفسير القرآن الكريم بالحرم المكي الشريف مسجل كله على الأشرطة ، ثم كتب تفسيرا أتم منه أربعة مجلدات . عارفا للناسخ والمنسوخ ، والمحكم والمتشابه ...وغير ذلك من فنون التفسير ، علاوة على التفسير الإشاري للقرآن الكريم .
وفي أصول الفقه ؛ كان علامة متمكنا ، عارفا بمدارسه واختلافهم واتفاقهم ، ومدى استنباطهم ، وتطبيق الأصول على الفروع .
وكان – رحمه الله تعالى – وعاء من أوعية الفقه ؛ اطلع على المذاهب الأربعة وأقوال أئمتها ، والمقارنة بين أقوالهم ، واستدلال كل فريق منهم . مع الاطلاع على أقوال الأئمة من المجتهدين المتقدمين والمتأخرين ، والاطلاع على فقه الظاهرية والتبحر فيه ؛ حتى إنه كان يستدل لبعض مسائلهم بأدلة لم يستدلوا هم بها – كما في الجزء 54 من مذكراته العــــلمية ، مع الــرجوع إلى أئمة مشايخه كقاضي فاس أبي عبد الله السائح – رحمه الله تعالى .
وقد كان – بالرغم من ذلك – ينتسب إلى مذهب الإمام مالك ، وقد درسه على أئمته من أهل فاس ومصر ، وذكر لنا أن أصحابه من آل ابن الصديق الغماريين دعوه إلى ترك التمذهب كلية ، والاجتهاد ؛ فلما أراد ذلك ؛ وجد أن المسألة ليست بالسهلة ، فترك ذلك وعاد إلى المذهب . لأن الخلاف ليس في مسائل الصلاة والصيام والعبادات فقط ؛ إنمامنهج متكامل في العبادات والمعاملات وغيرها من سائر قوانين الحياة . غير أنه كان يرجع إلى الدليل ويخالف مشهور المذهب إن تبين له ذلك ، طبقا للأصول والقواعد المذهبية . ثم بعد ذلك ذكر لنا أنه يأخذ من الكتاب والسنة اجتهادا مباشرة ، وأنه لا مالكي ولا ظاهري ! .
يتبع