(الزاوية البيضاء في الجبل الأخضر)
خاطب الإمام السنوسي الحاضرين قائلاً لهم: أريد أن أبني لكم مسجداً تجتمعون فيه لصلاتكم وتعقدون فيه مشاوراتكم ومصالحكم .. وفيه يتلقى أبناؤكم العلم الشرعي... وسوف نعين لكم خليفة ينوب عنا يقوم بأمر المسجد وتعليم القرآن وتحفيظه .. ويقوم بدور الإرشاد الديني وكذلك فض النزاعات بينكم... ولقد لمس الجميع فائدة هذا الدور الذي سيضطلع به نائب الإمام السنوسي في المسجد والزاوية .. فبادروا بالتلبية والإجابة .. وعند ذلك أمر الإمام السنوسي إخوانه الذين كانوا معه أن يبادروا بجمع الحجر والبناء في الأماكن التي خطها لهم .. ثم وضع حجر الأساس بيده الكريمة، وهذا الحجر موجود بعينه في جدار المسجد المذكور ثم قال لهم: إبدأوا باسم الله وعلى بركة الله، فجدوا واجتهدوا .. ووقف الشيوخ (أبو بكر بو حدوث) و(مُقَرَّب بو حدوث) و(عمر بو جلفاف) ونظموا القبائل المجاورة حيث قسموا أيام الأسبوع بينها، فكانت كل قبيلة تقوم بعملها في يومها المخصص لها على أكمل وجه .. فتجمع الأحجار وتأتي بالماء والأخشاب والزاد والذبائح حتى تم بناء المسجد والزاوية البيضاء. وفي عام 1258 هجري - 1842 - ميلادي. بدأت طلائع الإخوان تتسابق وتفد إلى الإمام السنوسي في زاويته البيضاء.
(الإخوان السنوسيون)
كان من أبرز الإخوان الذين لحقوا بالإمام السنوسي في الجبل الأخضر خلال عامي 1258/1259 هجري - 1842 / 1843 - ميلادي. السادة:
عمران بن بركة الفيتوري الزليتني الطرابلسي - مصطفى المحجوب - مرتضى فركاش - عمر الأشهب - محمد بن إبراهيم الغماري الكبير وأخوه محمد بن إبراهيم الغماري الصغير- علي أبو عبد المولى والذي كان قد خلفه في مدينة (قابس) بتونس لإنجاز لوازم ضرورية للإخوان الذين توجهوا للجهاد في الجزائر. كما لحق به أيضا كل من السادة (أحمد المقرحي) و(علي القزيري) والذَين قد أخذا عنه العلم في طرابلس بعدما جاءا لمناظرته، ولحق به كذلك السادة: منصور محجوب الزليتني والذي وافاه أجله المحتوم فيما بعد في الطائف بالحجاز - أحمد أبو القاسم العيساوي - الشيخ حسين الغرياني - الشيخ محمد بن أحمد الفيلالي - إبراهيم بن إبراهيم الغماري - وأخوه أحمد بن إبراهيم الغماري - محمد أحمد السكوري - إسماعيل الفزاني - أحمد القسطنطيني الجزائري - حسين الحلافي - محمد الأزهري الزنتاني - كما التحق به صغيراً السيد عبد الرحيم المغبوب والمشهور بالمحبوب - الشيخ أبو سيف مُقَرّب. و بعد إتمام بناء الزاوية البيضاء وقبل زواج الإمام السنوسي الكبير .. أمر خليفته بالحجاز السيد (عبد الله التواتي) بالرجوع إلى عمله بزاوية أبي قبيس بمكة، وذلك بعد أن حصلت على يديه قصة قبيلة البراعصة المشهورة وهي كما يأتي:
(هجرة البراعصة إلى مصر ومحاولة العودة)
قبيلة البراعصة في الجبل الأخضر لها ميزة خاصة دون غيرها من القبائل الحرابي و فيها مشيخة المشايخ. والمشيخة تتناوب بين أبناء (جليد) من زوجتيه (خضراء) و(مغيربية) فوقع بينهما تنافساً على مشيخة القبيلة نشب على إثره نزاعاً أدى إلى إندلاع حرب بين أبناء (خضرة) وأبناء (مغيربية) وانقسمت القبائل التابعة لهما كُلٌ يُناصر حزبه ... وأخيراً تغلب أبناء مغيربية على أبناء خضرة.. و أجلوهم من برقة والجبل الأخضر وبقية القطر الليبي حتى دخلوا الحدود المصرية، وانفرد أبناء مغيربية بالإمارة. وعند قدوم الإمام السنوسي إلى الجبل الأخضر كان شيخ قبيلة البراعصة هو (أبو بكر بو حدوث) فتابع الإمام السنوسي وانخرط في سلكه وسخره الله لمساعدته في كل شيء، وكانت محبته عظيمة ولذا كان يشارك الإخوان في كافة أعمالهم بنفسه فضلاً عن أتباعه. وكان بجلالة قدره ممن يخلط الطين للبنائين أثناء بناء المسجد والزاوية البيضاء رغبة منه فيما عند الله من ثواب.
نعود إلى أبناء (خضرة) فبعد أن قضوا برهة من الزمن في الأراضي المصرية ... أخذوا يفكرون في العودة للوطن .. ووافقهم على ذلك بعض منافسي آل مغيربية، ووعدوهم بنصرتهم إذا عادوا إلى الوطن ... فتهيأ بنو خضرة للرجوع وركبوا البحر في مراكب شراعية يزيد عددها على العشرين مركباً، ونزلوا في بلدة (درنة) على كبيرها في وقته الشيخ (حمد بن سالم بن علي) وجاء نبأ وصولهم ونزولهم بدرنة إلى مسامع الشيخ (أبو بكر بوحدوث) حينما كان وسط عجنة الطين.. فخرج من العجنة وجاء إلى السيد (عبد الله التواتي) وقال له: يا سيدي عبد الله عيلة خضرة جو وما دون الحلق إلا اليد فقال له التواتي: إصبر حتى نخبر السيد السنوسي، فدخل التواتي على الإمام السنوسي وقال له: يا سيدي عيلة خضرة جوْ أي وصلوا فقال له الإمام السنوسي: ويش نعمل؟ فسكت التواتي ووقف لحظات ثم أعاد القول ثانية فرد عليه ابن السنوسي: ويش نعمل يا أخانا عبدا لله ؟ فحار التواتي جواباً ووقف واجماً ثم أعاد سؤاله، فرد عليه الإمام بشدة: ماذا نفعل نعاند أمر الله؟! فعند ذلك قال التواتي: يا سيدي ناخذ بندقيتي ونضرب مع أصحابي فقال له الإمام السنوسي: يهودية يا عبد الله ؟!! فقال: يا سيدي اليهودي الذي يخلي صاحبه أي يتركه ويخذله.. فعند ذلك انفعل السيد السنوسي .. ثم تبسم قائلاً: قل لأبي بكر يرجع في عجنته.. مثل ما جوْ يرجعوا .. فخرج التواتي إلى الشيخ (أبو بكر) وأبلغه بما قال السنوسي .. فرجع إلى العجنة واستأنف عمله ولم يكترث لأمرهم.. فجاءه بنو عمه وقبيلته وقالوا له: عيلة خضرة في درنة وأنت قاعد هنا ؟! فرد عليهم بهدوء وحُسن نية: سيدي قال: مثل ما جوْ يرجعوا. وفعلاً بعد إقامتهم في درنة عشرين يوماً في ضيافة الشيخ (حمد بن علي) رجعوا في سفنهم التي جاءوا بها وأنشدت مغنيتهم في ذلك:
إن طالت لعيت بياض جميل بن علي ما ينتسا.
ومعنى ذلك إن طالت الأيام لآل بياض وهم آل خضراء فلن ينسوا جميل الشيخ حمد بن علي.
هذا وبعد أن استقر الإمام السنوسي بالزاوية البيضاء وبدأ أعماله النافعة فيها من تدريس ووعظ وإرشاد .. بدأت القبائل تتوافد إليه طالبة منه إقامة زوايا لها أُسوة بالزاوية البيضاء .. فكان رضي الله عنه يتوجه بنفسه إلى القبيلة أو المكان المطلوب إقامة الزاوية فيه؛ وأحياناً كان يُرسل بعض الإخوان لينوب عنه .. وبهذه الطريقة تنافست القبائل في نشر الزوايا وعمران المساجد.
(زواج الإمام السنوسي)
وفي آخر عام 1258 هجري - 1842 - ميلادي. حضر السيد أحمد بن فرج الله الفيتوري بأهله من طرابلس إلى بنغازي ومنها إلى الزاوية البيضاء امتثالاً لطلب السيد السنوسي ... وبعد وصوله بأيام قلائل جمع الإمام السنوسي الإخوان وقال لهم: تعلمون إخواني أنني قد تقدمت بي السن - وكان عمره إذ ذاك سبعة وخمسين عاما - ولقد ضعف جسمي وقوتي بعد شربي للسم ولم يبق لي مأرب في النساء .. غير أنني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامي وقال لي: تزوج إحدى بنات هذا الرجل أي ( السيد أحمد بن فرج الله الفيتوري) ولسوف يرزقكم الله بولدين يكونان من المهاجرين والأنصار، وإني امتثالاً لأمره صلى الله عليه وسلم أريد أن أخطب إحدى بنات أخينا السيد أحمد .. وكان للسيد أحمد بن فرج ثلاثة بنات إذ ذاك.. ففرح الإخوان وعمهم السرور بهذه البُشرى وقاموا يهنئون السيد أحمد بن فرج الله بهذه المِنة التي ساقها الله إليه .. ثم عقد الأمام السنوسي على السيدة (فاطمة أحمد بن فرج) وهي الوسطى من البنات، وكانت تلك الليلة مُزهرة وجامعة للخير العظيم.
يتبع....