بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه المخلصين الأوفياء
تطوان مدينة مغربية أندلسية: دراسة في التاريخ والمعمار
[gdwl]تحزير ممنوع النقل او الاقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة وائل الريفي[/gdwl]
تطوان فترة حكم آل الريفي ومرحلة الأوج
بعد إزاحة أسرة "آل النقسيس" عن حكم تطوان من طرف السلطان العلوي المولى اسماعيل، طفت على السطح من جديد إشكالية علاقة أندلسي تطوان بالسلطة المركزية.
ومعلوم أن للمهاجرين الأندلسيين باع كبير في مجال "فقه العلاقات المصلحية"، وأن فكرة "البيعة الشرعية" لم تكن لتغيب عن أذهانهم.
هل يمكن الحديث عن تطوان المستقلة؟ أم أنها فقط مفعمة بميولات استقلالية، تؤمن بالبيعة عن بعد، ويتطور الأحداث صارت هذه البيعة شيئا نظريا لا مصداقية له على أرض الواقع؟ وعلى كل حال، فقوة السلطان العلوي المولى إسماعيل أدت إلى "تقليم أظافر" هذا النزوع الاستقلالي دون القضاء عليه نهائيا، فعلى الرغم من تعيين السلطان لحاكم تطوان فإن الأخير احتفظ لنفسه بسلطات واسعة، منها توريثه السلطة لأبنائه، وتمثل أسرة "آل الريفي" نموذجا بارزا في هذا السياق. ويعد مؤسس الأسرة عبد الله الريفي من قواد الجيوش المغربية والبربرية والمجاهدون الأوائل التي ساهمت في تحرير الثغور المغربية من الغزو المسيحي، بقيادة السلطان المولى إسماعيل.[73]
عين السلطان المولى اسماعيل عمر بن حدو كحاكم على أصيلا وتطوان والقصر الكبير، وبعد مشاركة هذا الأخير في عملية تحرير المعمورة يوم 30 ابريل سنة 1681 مات بالطاعون وخلفه علي بن عبد الله الحمامي الريفي كنائب للسلطان في منطقة الغرب.
وكان هذا الأخير يعيش بعد سنة 1684 متنقلا بين طنجة وتطوان تاركا في هذه الأخيرة نائبا عنه هو الحاج محمد تميم، ثم الحاج لوقاش من بعده.
ثم كلف علي بن عبد الله الريفي، من طرف المولى إسماعيل بمهمة قائد الجيوش المحاصرة لسبتة المحتلة، وظل معاصرا لها من سنة 1694 إلى أن مات سنة 1713، وقد خلف بجوار سبتة قصرا ومسجدا. ولم يكتفي القائد الريفي بالجهاد بل مارس التجارة أيضا وخاصة بتجارة الشمع والجلد بتطوان، كما كان يستخدم مفاوضين يهود لربط علاقات تجارية مع ليفورن وامستردام ولوندرة.[74] ومات القائدعلي بن عبد الله الريفي وكان علي واجهة السلطة والثروة يوم 29 غشت سنة 1713، وخلفه ابنه الأكبر دون مشاكل.
وأصبح قائد تطوان والمانطق الشمالية والمجاهدين وللقبائل الريفية
وحكم الباشا أحمد بني علي بن عبد الله الريفي من سنة 1713 إلى سنة 1727، تطوان واستفاد من طريقة والده في التسيير والتدبير، ويعتبر من ابرز الشخصيات على الإطلاق، التي عرفتها الحاضرة التطوانية طيلة تاريخها.
وفي يوم 6 ماي1721، وصلت إلى تطوان بعثة إنجليزية – منطرف الملك جورج الأول- يرأسها شارل ستيوارت Charles Stewart وقد كان من بين أعضاء هذه البعثة، المدعو جون وندوس (Windus) ، وقد سجل وندوس هذا مشاهدته وانطباعاته عن هذه المهمة ويقول واصفا الباشا أحمد بن علي الريفي:
"يتراوح عمر الباشا الحالي، أحمد بن علي بن عبد الله، بين الربعين والخمسين سنة، ذو بنية قوية، يميل إلى السمنة، نشيط ويتميز بالفطنة والضبط خلاللا تسديد رمحه، مهاب الهيئة له أنف روماني وعينان جميلتان ووجه مليح لونه يميل إلى السمرة مما يكسبه مظهرا رجوليا، ويعتبر شخصا شديد التكبر غير أنه كان محتقرا بما فيه الكفاية بمكناس"[75].
ويضيف الفقيه الرهوني في عمدة الراوين نقلا عن السفير روسل: "كانت حركاته شريفة (أي الباشا أحمد)، لطيفا هشا بشا، له ولوع بالخيل، مهذبا مطلعا على العادات الأوروبية كلها..."[76]
أما عن امتداد إيالة الباشا الريفي فيضيف وندوس: "يحكم الباشا المناطق الممتدة من وهران على البحر المتوسط... إلى المعمورة التي تقع ساحل المحيط وتخضع لحاكم سلا. كما تمتد منطقة حكمه من المتوسط إلى نهر سبو على مساحة تعادل مساحة مملكة البرتغال، ومدنها الرئيسية هي تطوان وطنجة وأصيلا والعرائش والقصر"[77].
وخلال الصراع بين أبناء المولى إسماعيل على الحكم بعد موت هذا الأخير سنة 1727، ظهرت للوجود أسرة يقودها الحاج أبو حفص عمر لوقاش الذي ثار ضد الحاكم أحمد الريفي، وهنا تبدأ مرحلة غامضة من تاريخ تطوان... ولن نستطيع الإمساك من جديد بخيط الأحداث إلا بعد معركة "عيطات السبت" التي انهزم فيها القائد الريفي وأخوه وفي سنة1734 سيعود الباشا أحمد الريفي على تطوان على رأس 8000 رجل، لينتقم من الحاج عمر لوقاش الثائر عليه، وسيقوم أحمد الريفي بنفي لوقاش إلى تارودانت والذي مكث في منفاه إلى أن توفي.
ثم حاول الباشا أحمد الريفي أن يحتل فاس، لكنه قتل في معركة ضد السلطان مولاي عبد الله بن إسماعيل سنة 1734.
بعد ذلك عين الحاج محمد تميم حاكما على تطوان سنة 1743، ولم يلبث أن قتل من طرف السكان سنة 1750. وخلفه محمد بن عمر لوقاش، إلا أن وصول السلطان محمد بن عبد الله إلى الحكم اضطر محمد لوقاش إلى الفرار إلى الجبال المجاورة لمولاي عبد السلام بن مشيش إلى أن مات هناك[78] وبذلك تستعيد تطوان ارتباطها المباشر بالسلطة المركزية، ولكنه ارتباط يخفف من حدته البعد الجغرافي والعقلية المتمردة للتطوانيين وتحركات الأعيان.
بلغ عدد سكان تطوان خلال القرن 18 من 20 إلى 25 ألف نسمة، وتشكل المجتمع التطواني خلال هذه الفترة من العنصر القبلي المحلي.
ويبدو أن العلاقة بين تطوان وباديتها علاقة قاتمة، ولكن رغبة أندلسي تطوان في التميز عن الريفيين والجبليين مسألة لا يمكن إنكارها، ولو أن حدتها تناقصت مع مرور الزمن، أما يهود تطوان خلال القرن 18،فيبدو اندماجهم خصوصا في المجال التجاري. وكان التسامح الديني بين اليهود والمسلمين سمة بارزة في تطوان، ورغم انتظام اليهود في إطار الملاح، فإن مشاركتهم في الحياة الاقتصادية كانت فعالة. وقد اشتغلوا في أعمال "القرصنة"، وساهموا في تطوير الصناعة التقليدية، ولكن إسهامهم الكبير يبقى في مجال التجارة الدولية، خصوصا وأنهم كانوا على علاقة بالجاليات اليهودية في أوربا والمغرب العربي والشرق الأوسط.[79]
وعن علاقة تطوان بأوروبا خلال القرن 18 نقول أنها كانت مشوبة بالكثير من الحذر، لأن الأوروبيين مثلوا دائما في شعور ولا شعور التطوانيين العدو الذي اغتصب أرضهم وأخرجهم من ديارهم وحط من كرامتهم، ومع ذلك لم يعتبروا أعداء فعليين إلا في ساحات المعارك وخلال أعمال "القرصنة"، وقد أدى تطور العلاقات إلى إحداث هيئة دبلوماسية بتطوان، وكان أول قنصل بتطوان فرنسيا من مرسيليا يدعى André Prat تم تعيينه سنة 1629، أما القنصلية الإنجليزية المستحدثة سنة 1657-1658 فلم تكتسب الأهمية إلا في بداية القرن18، ونستطيع إحصاء أكثر من 60 تاجرا أوربيا كبيرا بتطوان ما بين 1682 و1727.[80]
ويخبرنا Georg Host في كتابه حول السلطان محمد الثالث أنه في سنة 1767 كان بتطوان سفير من البندقية[81] وبدراسة كتاب Georg Host نستطيع أن نستشف الرواج الاقتصادي والتجاري الكبير الذي عرفته تطوان خلال القرن 18 وإذا كانت تطوان خلال القرن 16 مدينة الصناعة التقليدية بامتياز، فإنها أصبحت في القرن 18 مدينة التجارة والمفاوضات.
ومنذ سنة 1740 أصبحت تطوان الميناء المغربي الوحيد المرتبط مباشرة بأوربا بواسطة رحلة أسبوعية عبر جبل طارق... واعتبرت تطوان في أواسط القرن 18 المدينة الوحيدة في المغرب التي توجد بها السلع القادمة من الشرق[82] ويعتبر عهد محمد بن عبد الله (1757-1790) امتدادا للازدهار التي تحقق في عهد آل الريفي...
وذكر السفير الإنجليزي "شارل استيوارت" الذي نزل بمرسى تطوان في 6 ماي 1721 م أنه قدمت له في حفلة أقامها الباشا أحمد بن علي الريفي التمسماني يوم 18 ماي حوالي ثلاثة وعشرين لونا من الطعام منها ما كان مطبوخا على الطريقة الإسبانية
وقد أولى هذا السلطان عناية فائقة لمدينة تطوان، تجلى ذلك خصوصا في المنجزات العمرانية فقد قام بإصلاح مصنع السلاح الذي بناه جده المولى إسماعيل، ولازال هذا المصنع –المعروف بدار البومبة- موجودا بحي العيون. وأسس السلطان محمد الثالث دارا للسكة ويشهد المثقال الفضي لسنة 1195هـ على الأهمية الاقتصادية التي اكتساها هذا الانجاز. كما قام بتجديد مراكز صناعة السفن خصوصا سنة 1770، وقام بتحصين أسوار تطوان والصقالتين بتطوان ومارتيل... ولإنجاز هذه المشاريع اكتمل الوجه المعماري لتطوان القرن18.[83]