مدينة تطوان خلال الفترة الموريسكية
تقدر المصادر عدد الموريسكيين المستقرين بتطوان بعشرة آلاف نسمة، بالإضافة إلى 40 ألف نسمة بالمناطق المجاورة.. وقد بلغ العدد الإجمالي في أواسط القرن 17 من 22 إلى 26 ألف نسمة، وهو عدد هائل بالنسبة لظروف المرحلة التي نتحدث عنها، وبقي هذا العدد مستقرا نسبيا إلى حدود الانفجار الديموغرافي للقرن 20[70].
ونتج عن هجرة القرن 17 إضافة أحياء جديدة شرق وغرب المدينة الأصلية (المسماة حاليا: حومة البلاد). وأهم هذه الأحياء حومة العيون التي كانت تسمى بربض الأندلس، وحي الطرنكات. وبدت ملامح مدينة جديدة في التشكل نظرا للإضافات المعمارية النوعية التي أدخلها الموريسكيون، انطلاقا من فلسفة عملية جديدة إعداد المجال، وأصبحت تطوان تتوفر على أ؛ياء خاصة لتجمع الصناع التقليديين المتخصصين في حرفة معينة. وكانت تطوان القرن 17 مفتوحة على المحيط الخارجي لافتقارها إلى الأسوار، ولن تتم حمايتها بأسوار جديدة إلا خلال القرن 18 على يد القائد محمد تميم.[71]
ويمكن أن نتصور تطوان القرن 17 بمثابة شفشاون الحالية، وإذا كانت بعض الملامح المعمارية الأصلية قد انقرضت، خصوصا السقوف القرميدية، فإن المساجد تقف كشواهد على التأثير الموريسكي في تطوان، إذ تحتفظ بعض مساجد القرن 17 بالطابع الموريسكي الموجود بشفشاون وتستور (تونس).
وأبرز الأمثلة على ذلك جامع المصيمدي، بحومة العيون، المبني سنة 1611 (جدد سنة 1958)، وجامع الجديدة المبني سنة 1640، وجامع العيون، الذي بني سنة 1620 وتشترك هذه المساجد في بساطة صوامعها التي تخلو من الزخرفة، ما عدا شرائط من الآجر "وأقواس عمياء" نادرة.
وتلتقي منازل ومساجد القرن 17 في خلوها –عموما- من الزخرفة والمساحات المزينة. فلا نجد الجص المنقوش، ولا الخشب المنقوش أو المصبوغ ونادرا ما نجد القرميد المبرنق(18). ويبدو قصر عائلة (النقسيس) كنموذج للبنايات الأكثر صمودا من الناحية المعمارية في هذه الفترة. ويوجد هذا القصر غرب المدينة الأصلية (البلاد)، قريبا من ساحة الفدان، في ممر يحمل اسم زنقة المقدم النقسيس.
ومن آثار هذا العصر، المقبرة الإسلامية التي توضحت معالمها خلال القرن 17، وتوجد فوق سفح جبل درسة، ويقع قبر المقدم أحمد النقسيس في أعلى المقبرة إلى جوار شخصيات أخرى، وبنيت فوق بعض القبور بيوت مربعة تعلوها قباب، وتوجد بالمتحف الأركيولوجي بتطوان نماذج من شواهد
القبور تعود إلى القرن 7.
ويبدو التأثير الإسباني واضحا في الفن الموريسكي التطواني ويظهر هذا التأثير في الملبس والكرز والحي والزخرفة المعمارية، يقول الأستاذ محمد قشتيليو عن تأثير الفن المدجن (Mudejar) في الفن الأندلسي المغربي:
"إن الفن المدجن في الحقيقة خدم المسيحيين والمسلمين على السواء، فهو أدى خدمة جليلة للفن الإسلامي الأندلسي على العموم، وكان له الفضل أيضا على الفن المغربي والذي نقله أهله إلى المغرب وسجلوه في قصوره وحصونه ومساجده، ومازالت آثاره لحد الآن بادية ويتداولها الخلف عن السلف، وإنما تؤديه يد الصانع المغربي الآن إلا ثمرة من ثمرات أولئك المهاجرين الأندلسيين، وإن جدي ووالدي رحمة الله علهما كانا من صناع فن النقش على الخشب توارثاه عن أجدادهما الذين هاجروا من ديارهم الأندلسية إلى تطوان، ومازالت صناعة الخشب بادية في المقصورة الخاصة لصلاة النساء بالجامع الأعظم بتطوان"[72] .
[read]الفصل الخامس: حكم آل الريفي ومرحلة الأوج[/read]
بعد إزاحة أسرة "آل النقسيس" عن حكم تطوان من طرف السلطان العلوي المولى اسماعيل، طفت على السطح من جديد إشكالية علاقة أندلسي تطوان بالسلطة المركزية.
ومعلوم أن للمهاجرين الأندلسيين باع كبير في مجال "فقه العلاقات المصلحية"، وأن فكرة "البيعة الشرعية" لم تكن لتغيب عن أذهانهم.
هل يمكن الحديث عن تطوان المستقلة؟ أم أنها فقط مفعمة بميولات استقلالية، تؤمن بالبيعة عن بعد، ويتطور الأحداث صارت هذه البيعة شيئا نظريا لا مصداقية له على أرض الواقع؟ وعلى كل حال، فقوة السلطان العلوي المولى إسماعيل أدت إلى "تقليم أظافر" هذا النزوع الاستقلالي دون القضاء عليه نهائيا، فعلى الرغم من تعيين السلطان لحاكم تطوان فإن الأخير احتفظ لنفسه بسلطات واسعة، منها توريثه السلطة لأبنائه، وتمثل أسرة "آل الريفي" نموذجا بارزا في هذا السياق. ويعد مؤسس الأسرة عبد الله الريفي من قواد الجيوش البربرية التي ساهمت في تحرير الثغور المغربية من الغزو المسيحي، بقيادة السلطان المولى إسماعيل.[73]
عين السلطان المولى اسماعيل عمر بن حدو كحاكم على أصيلا وتطوان والقصر الكبير، وبعد مشاركة هذا الأخير في عملية تحرير المعمورة يوم 30 ابريل سنة 1681 مات بالطاعون وخلفه علي بن عبد الله الحمامي الريفي كنائب للسلطان في منطقة الغرب.
وكان هذا الأخير يعيش بعد سنة 1684 متنقلا بين طنجة وتطوان تاركا في هذه الأخيرة نائبا عنه هو الحاج محمد تميم، ثم الحاج لوقاش من بعده.
ثم كلف علي بن عبد الله الريفي، من طرف المولى إسماعيل بمهمة قائد الجيوش المحاصرة لسبتة المحتلة، وظل معاصرا لها من سنة 1694 إلى أن مات سنة 1713، وقد خلف بجوار سبتة قصرا ومسجدا. ولم يكتفي القائد الريفي بالجهاد بل مارس التجارة أيضا واحتكر تجارة الشمع والجلد بتطوان، كما كان يستخدم مفاوضين يهود لربط علاقات تجارية مع ليفورن وامستردام ولوندرة.[74] ومات القائد لعي بن عبد الله الريفي مفعما بالسلطة والثروة يوم 29 غشت سنة 1713، وخلفه ابنه الأكبر دون مشاكل.
حكم الباشا أحمد بني علي بن عبد الله الريفي من سنة 1713 إلى سنة 1727، واستفاد من طريقة والده في التسيير والتدبير، ويعتبر من ابرز الشخصيات على الإطلاق، التي عرفتها الحاضرة التطوانية طيلة تاريخها.
وفي يوم 6 ماي1721، وصلت إلى تطوان بعثة إنجليزية – منطرف الملك جورج الأول- يرأسها شارل ستيوارت Charles Stewart وقد كان من بين أعضاء هذه البعثة، المدعو جون وندوس (Windus) ، وقد سجل وندوس هذا مشاهدته وانطباعاته عن هذه المهمة ويقول واصفا الباشا أحمد بن علي الريفي:
"يتراوح عمر الباشا الحالي، أحمد بن علي بن عبد الله، بين الربعين والخمسين سنة، ذو بنية قوية، يميل إلى السمنة، نشيط ويتميز بالفطنة والضبط خلاللا تسديد رمحه، مهاب الهيئة له أنف روماني وعينان جميلتان ووجه مليح لونه يميل إلى السمرة مما يكسبه مظهرا رجوليا، ويعتبر شخصا شديد التكبر غير أنه كان محتقرا بما فيه الكفاية بمكناس"[75].
ويضيف الفقيه الرهوني في عمدة الراوين نقلا عن السفير روسل: "كانت حركاته شريفة (أي الباشا أحمد)، لطيفا هشا بشا، له ولوع بالخيل، مهذبا مطلعا على العادات الأوروبية كلها..."[76]
أما عن امتداد إيالة الباشا الريفي فيضيف وندوس: "يحكم الباشا المناطق الممتدة من وهران على البحر المتوسط... إلى المعمورة التي تقع ساحل المحيط وتخضع لحاكم سلا. كما تمتد منطقة حكمه من المتوسط إلى نهر سبو على مساحة تعادل مساحة مملكة البرتغال، ومدنها الرئيسية هي تطوان وطنجة وأصيلا والعرائش والقصر"[77].
وخلال الصراع بين أبناء المولى إسماعيل على الحكم بعد موت هذا الأخير سنة 1727، ظهرت للوجود أسرة يقودها الحاج أبو حفص عمر لوقاش الذي ثار ضد الحاكم أحمد الريفي، وهنا تبدأ مرحلة غامضة من تاريخ تطوان... ولن نستطيع الإمساك من جديد بخيط الأحداث إلا بعد معركة "عيطات السبت" التي انهزم فيها القائد الريفي وأخوه وفي سنة1734 سيعود الباشا أحمد الريفي على تطوان على رأس 8000 رجل، لينتقم من الحاج عمر لوقاش الثائر عليه، وسيقوم أحمد الريفي بنفي لوقاش إلى تارودانت والذي مكث في منفاه إلى أن توفي.
ثم حاول الباشا أحمد الريفي أن يحتل فاس، لكنه قتل في معركة ضد السلطان مولاي عبد الله بن إسماعيل سنة 1734.
بعد ذلك عين الحاج محمد تميم حاكما على تطوان سنة 1743، ولم يلبث أن قتل من طرف السكان سنة 1750. وخلفه محمد بن عمر لوقاش، إلا أن وصول السلطان محمد بن عبد الله إلى الحكم اضطر محمد لوقاش إلى الفرار إلى الجبال المجاورة لمولاي عبد السلام بن مشيش إلى أن مات هناك[78] وبذلك تستعيد تطوان ارتباطها المباشر بالسلطة المركزية، ولكنه ارتباط يخفف من حدته البعد الجغرافي والعقلية المتمردة للتطوانيين وتحركات الأعيان.
بلغ عدد سكان تطوان خلال القرن 18 من 20 إلى 25 ألف نسمة، وتشكل المجتمع التطواني خلال هذه الفترة من العنصر القبلي المحلي.
ويبدو أن العلاقة بين تطوان وباديتها علاقة قاتمة، ولكن رغبة أندلسي تطوان في التميز عن الريفيين والجبليين مسألة لا يمكن إنكارها، ولو أن حدتها تناقصت مع مرور الزمن، أما يهود تطوان خلال القرن 18،فيبدو اندماجهم خصوصا في المجال التجاري. وكان التسامح الديني بين اليهود والمسلمين سمة بارزة في تطوان، ورغم انتظام اليهود في إطار الملاح، فإن مشاركتهم في الحياة الاقتصادية كانت فعالة. وقد اشتغلوا في أعمال "القرصنة"، وساهموا في تطوير الصناعة التقليدية، ولكن إسهامهم الكبير يبقى في مجال التجارة الدولية، خصوصا وأنهم كانوا على علاقة بالجاليات اليهودية في أوربا والمغرب العربي والشرق الأوسط.[79]
وعن علاقة تطوان بأوروبا خلال القرن 18 نقول أنها كانت مشوبة بالكثير من الحذر، لأن الأوروبيين مثلوا دائما في شعور ولا شعور التطوانيين العدو الذي اغتصب أرضهم وأخرجهم من ديارهم وحط من كرامتهم، ومع ذلك لم يعتبروا أعداء فعليين إلا في ساحات المعارك وخلال أعمال "القرصنة"، وقد أدى تطور العلاقات إلى إحداث هيئة دبلوماسية بتطوان، وكان أول قنصل بتطوان فرنسيا من مرسيليا يدعى André Prat تم تعيينه سنة 1629، أما القنصلية الإنجليزية المستحدثة سنة 1657-1658 فلم تكتسب الأهمية إلا في بداية القرن18، ونستطيع إحصاء أكثر من 60 تاجرا أوربيا كبيرا بتطوان ما بين 1682 و1727.[80]
ويخبرنا Georg Host في كتابه حول السلطان محمد الثالث أنه في سنة 1767 كان بتطوان سفير من البندقية[81] وبدراسة كتاب Georg Host نستطيع أن نستشف الرواج الاقتصادي والتجاري الكبير الذي عرفته تطوان خلال القرن 18 وإذا كانت تطوان خلال القرن 16 مدينة الصناعة التقليدية بامتياز، فإنها أصبحت في القرن 18 مدينة التجارة والمفاوضات.
ومنذ سنة 1740 أصبحت تطوان الميناء المغربي الوحيد المرتبط مباشرة بأوربا بواسطة رحلة أسبوعية عبر جبل طارق... واعتبرت تطوان في أواسط القرن 18 المدينة الوحيدة في المغرب التي توجد بها السلع القادمة من الشرق[82] ويعتبر عهد محمد بن عبد الله (1757-1790) امتدادا للازدهار التي تحقق في عهد آل الريفي...
وقد أولى هذا السلطان عناية فائقة لمدينة تطوان، تجلى ذلك خصوصا في المنجزات العمرانية فقد قام بإصلاح مصنع السلاح الذي بناه جده المولى إسماعيل، ولازال هذا المصنع –المعروف بدار البومبة- موجودا بحي العيون. وأسس السلطان محمد الثالث دارا للسكة ويشهد المثقال الفضي لسنة 1195هـ على الأهمية الاقتصادية التي اكتساها هذا الانجاز. كما قام بتجديد مراكز صناعة السفن خصوصا سنة 1770، وقام بتحصين أسوار تطوان والصقالتين بتطوان ومارتيل... ولإنجاز هذه المشاريع اكتمل الوجه المعماري لتطوان القرن18.[83]
المدينة خلال القرن18
يشهد رسم يعود إلى سنة 1721 أن تطوان كانت مكتملة الأسوار وقصبتها الجديدة مكتملة البناء.
ويمكن نسبة بداية الأسوار إلى السلطان المولى إسماعيل وإلى حكومة عبد الله الريفي.
وقد نشر Fernando valderrama martinez في مجلة Tamuda نقشا على لوحة من الرخام يعود إلى سنة 1745، وجد في الواجهة الجنوبية الغربية للقصبة الجديدة، وينسب بناء هذه الأخيرة إلى الحاكم محمد تميم تطبيقا لأمر السلطان مولاي عبد الله.
وقد نشر نفس الكاتب في نفس المقال أبياتا شعرية منقوشة على جدران القصبة نذكر منها:
فـــــائق الجـــــو للزمــــان ربيع *** ولكــل الأنـــــام حصن أمان
وأميــــن العبــــاد فـــي كـل أمـر *** وأمير الجهاد يـــــوم الطعان
اشكروا الصنع منه جودا وفضلا *** فجــــزاء الصنـــع بالشكران
قـل هـــو الله نـــاصري ومجيري *** ومعيني على العدو والمعاني[84]
وفي المرحلة ما بين 1750 و 1757 تم إكمال أسوار المدينة من طرف الحاكم محمد بن عمر لوقاش.
ويبلغ طول سور تطوان 5 كلمترات، وعلوه يتراوح بين 5 و6 أمتار، وعمقه يبلغ 80 سنتمتر.
وتخترق السور سبعة أبواب هي:
باب المقابر.
باب "الجياف"، لخروج الجيف منه.
باب السعيدة، لدفن سيدي السعيدي إزاءها.
باب الرموز.
باب العقلة.
باب النوادر.
باب التوت.[85]
ومن آثار هذا العصر مدرسة لوقاش، وهي الوحيدة من نوعها المتبقية بتطوان، وتختص ببساطة زخرفتها المستقاة من الطابع المحلي، وينسب بناؤها إلى محمد بن عمر لوقاش الذي حكم المدينة من سنة 1750 إلى 1757.
وينسب إليه ايضا بناؤه للسقايتين العموميتين بكل من باب العقلة وباب التوت، وعلى قنا باب العقلة كتابة منقوشة اشامل على أبيات شعرية تنسب للأديب عيسى الجزائري، صديق القائد لوقاش، ومادحه ببديعيته المشعورة، وبعض هذه الكتابة[86] بتصرف:
ورد عذب صرف سقايتي فهو الشفا *** والبـــرء للمتعطش الظمـــآن
فــإذا وردت هنـــي ورد ســــــــائغ *** وإذا صدرت سلكت بالشكران.
وتلاصق مدرسة لوقاش مسجد لوقاش، وكانت تتوفر على إقامة للطلبة مكونة من 54 غرفة.
أما جامع الباشا فبني بأمر الباشا أحمد الريفي سنة 1737-1738 كجزء من مركب قصر المشور ويعتبر هذا المسجد إضافة نوعية إلى المجال المعماري التطواني، بحيث نجد به نمطين في العمارة وهما:
أولا القباب التي تغطي بيت الصلاة وعددها 25 عوض نمط السقوف القرميدية المعروفة بالمغرب. وثانيا المنارة المثمنة الزوايا. ويرجع أصل هاتين الإضافتين
إلى استامبول التركية ودخلتا المغرب عبر الجزائر العثمانية.
وللباشا أحمد الريفي صومعتين أخريين من نفس طراز جامع الباشا بتطوان، وهما صومعة مسجد القصبة بطنجة وصومعة الجامع الكبير بشفشاون، وهو ما يجعلنا نستشف إصرار الباشا أحمد الريفي على التمييز بطراز معماري معين محاكاة لسلوك سلطاني سائد بالمغرب.
ومن أهم الانجازات العمرانية خلال القرن 18 قصر الباشا أحمد الريفي بالمنشور.
ويتميز هذا القصر ببهو داخلي تحيط به أقواس من جهاته الأربع، وفي كل جهة ثلاثة أقواس: قوس أوسط كبير محاط بقوسين صغيرين، وتتخذ الأقواس شكل حذوة الفرس، ونجد في الكثير من قصور العائلات التطوانية الكبرى (اللبادي، مدينة، بريشة..) نفس تخطيط الساحة الداخلية لقصر المشور.[87]
الفصل السادس: بداية الأفول
شكل قرار السلطان محمد بن عبد الله، القاضي بإبعاد القناصل والتجار الأوروبيين عن تطوان بداية التدهور الاقتصادي للمدينة، وبذلك فقدت تطوان دورها الدبلوماسي الريادي لصالح غريمتها التي بدت أكثر ملاءمة للاضطلاع بهذا الدور الحيوي.
ويعد قرار السلطان محمد بن عبد الله ببناء ميناء الصويرة (1764-1772) ضربة قاسية للاقتصاد التطواني، خصوصا وأن السلطان فرض على بعض التجار التطوانيين الإقامة بالصويرة، مما أدى إلى انتعاشها على حساب تطوان[88].
لقد انتقلت تطوان من حيث أهمية مينائها من المرتبة الأولى خلال سنوات 1760 إلى المرتبة الثانية خلال سنوات 1780، إلى المرتبة الثالثة خلال العشريات الأولى للقرن19. ومع ذلك بقيت تطوان منتعشة من حيث الصناعة، بالإضافة إلى الدور الحيوي الذي لعبته لتزويد المجاهد الجزائري الأمير عب القادر بالسلاح والذخيرة، وبتعميم السفن البخارية بدت الموانئ الأطلسية أكثر تفوقا، وانتقل ميناء تطوان إلى الرتبة الخامسة سنة 1850.[89]
وبحلول حرب تطوان سنة 1859 – 1860 كانت الظروف الذاتية والموضوعية ملائمة للإعلان الرسمي عن أفول مدينة قاومت أسباب ضعفها بضراوة قبل أن تستسلم نهائيا تحت ضربات الجيوش الإسبانبة.
وإذا كانت الأسر الثلاثة الأولى التي حكمت تطوان: آل المنظري وآل النقسيس وآل الريفي قد اكتفت ببيعة شكلية للسلطان مع الاحتفاظ بسلطات واسعة، فإن الأسرة الرابعة المتمثلة في آل أشعاش ستدشن بداية علاقة من نوع آخر، بدأت بالحد من السلطات وانتهت بالإخضاع النهائي.
ظهر مؤسس أسرة أشعاش عبد الرحمن بن عبد الخالق أشعاش خلال فترة الاضطراب السياسي التي عاشها المغرب إبان حكم المولى اليزيد (1790-1792).
وفور وصول المولى سليمان إلى الحكم عزل أشعاش من منصبه، ثم أعيد إليه سنة 1794-1795، وأزيح مرة أخرى بعد ذلك، وتقلد عدة مناصب بالرباط قبل عودته إلى منصب حاكم تطوان، وأعفي مرة أخرى سنة 1808 ليعود سنوات بعد ذلك.
وخلف محمد بن عبد الرحمن أشعاش والده سنة 1824، ووجد أمامه وضعا مزريا وبنية اقتصادية واجتماعية هشة، ووفاء لنهجها المعارض للسلطة المركزية قامت تطوان في أواخر حكم المولى سليمان بمولاة الثائر مولاي سعيد، وهو ما أدى إلى شل الحركة الاقتصادية بالمدينة بحرا وبرا وانتهت الثورة بإخضاع مهين لتطوان من طرف المخزن[90] وقد استطاع محمد أشعاش، رغم الصعاب، أن يحكم قبضته على المدينة إلى أن توفي سنة 1845، وخلفه ابنه الذي عزل أكثر من مرة، كانت آخرها سنة 1864.
وعلى الرغم من التدهور الاقتصادي الذي عرفته تطوان خلال القرن19، فإن الفترة عرفت بعض الانجازات العمرانية، من ذلك ترميم الأسوار من طرف المولى سليمان، وأعطى خلفه عبد الرحمن بن هشام أمره لأشعاش لبناء باب العقلة والبرج المجاور لها سنة 1830.
وفي عهد الحاكم الحاج أحمد الحداد (1851-1859) سيتم بناء برج آخر يعرف بالبرج الجديد، يوقع بين باب المقابر والقصبة الجديدة.
وفي هذه الفترة بنى السلطان المولى سلميان الملاح الجديد بعدما هدم الملاح القديم من طرف جيوش المولى اليزيد.
ويذكر صاحب الاستقصا أن بناء الملاح الجديد في موقعه الحالي أملته رغبة المولاي سليمان في إبعاد أهل الذمة عن ساحة الجامع الأعظم.
والجامع الكبير من بناء السلطان المولى سليمان، ويمكن مقارنة منارته بمنارة جامع الرصيف بفاس.
وفي هذه الفترة بنيت الزاوية الريسونية من طرف ابن مولاي عبد السلام بن ريسون، وتصر منارة الزاوية الريسونية أن تحاكي منارة جامع الباشا بشكلها المثمن الزوايا.
وعبد السلام بن ريسون كان "عالما صوفيا، وفنانا موسيقيا محافظا ومبدعا في الآلات الموسيقية، وطبيبا وكانت له دالة عند السلطان، لا يرد له طلب، كما كانت له اتصالات وعلاقة مع السفراء وغيرهم..."[91]
كما أبدع عبد السلام بن ريسون آلات موسيقية كثيرة، وزاد في بعضها، منها: محسن النغم وصنع عودا صغيرا من قطعة واحدة محفورة في الخشب ومن وترين، كما أن هناك أنغاما جديدة أخرى أدخلها في الغناء الأندلسي.[92]
وقد خصص الباحث الإيطالي Attilio Gaudio في كتابه: Maroc du Nord فصلا عن تطور الموسيقى الأندلسية بتطوان[93]. وقد شكل الجامع الكبير بضخامته "مركزا" استوحت منه العمارة المدينة أبعادها. فبدت وكأنها تحاكي المسجد في عظمته وبهائه. ولقد أدى هدم الملاح القديم، إلى بناء منازل فسيحة بحدائقها وملحقاتها، ونذكر منها دار ارزيني ودار غارسيا ودار بريشة.
وتتميز العمارة المدنية خلال القرن 19 بوفرة استعمال الزليج في الأرض وعلى الجدران.[94]
وقد عرفت فترة حكم المولى سليمان ازدهار الصناعة التقليدية، خصوصا صناعة الجلد بالإضافة إلى الطرز والنقش.
لكن هذه الصناعات المبدعة لم تستطع الصمود –إلا بصعوبة كبيرة- أمام غزو المواد الأجنبية، ولم يكن هذا التصدع الصناعي إلا امتدادا لمثيله في المجال السياسي والثقافي. وبدا وشيكا، بعد حرب 1859-1860 أن عالما تطوانيا تقليديا يودع بأحلامه الأندلسية ليحل محله واقع جديد يئن تحت ضربات الغازي الأجنبي.
تطوان خلال 1860
لقد كانت حرب تطوان ساعة حقيقة، يوم تحركت الجيوش الإسبانية يوم 13 دجنبر 1859 من سبتة في اتجاه تطوان.
وكان ذلك حدثا كبيرا في حياة أهل تطوان، بحيث استيقظت فيهم ذكريات "حروب الاسترداد" وذكريات محن الطرد والتهجير، أما في إسبانيا فكان الحماس كبيرا ورياح الغزو تذكرهم بالعدو التقليدي الذي قهر أجدادهم.
وقد وقف التهامي الوزاني في حواشيه على تاريخ تطوان لداود وقفة خاصة مع حرب تطوان، وأهم ما رد إليه هزيمة الجيش المغربي في المعركة:
ضعف القيادات المغربية وسوء تدبيرها وتخطيطها.
عدم تكافؤ أعداد الجنود والمتطوعين مع المخططات الحربية المرسومة.
ضعف الميزانية المخصصة للإنفاق على الجيوش.
ندرة الأسلحة والعتاد وفساد بعضه.
قلة الذخيرة الحربية.
تفشي أعمال الفوضى بين السكان من سلب ونهب وقتل واختطاف.
يقول التهامي الوزاني:
كان الجيش الإسباني جيشا كامل العدة، يصحبه الجغرافيون والرسامون والصحفيون وسائر ما تحتاجه حملات الاحتلال المنظم، كما تدل على ذلك الخرائط الدقيقة التي لا تزال موجودة مما وضعته الحملة، وكذلك الصور الفوتوغرافية، فإنها بلغت من الدقة غاية لا مزيد عليها"[95].
واستمرت سيطرة الإسبانيين على تطوان 27 شهرا إلى 2 ماي 1826... وأحدثوا منشآت جديدة بتطوان وابتدعوا مخططا لتعمير المدينة.
وطافت على السطح من جديد ثنائية بدو – حضر بحيث كيلت تهم عديدة من قبيل الخيانة ومساندة العدو للتطوانيين المدينيين، وبقي هذا الجرح كامنا ليندلع في هجومات قبائل جبالة على تطوان سنوات 1903 – 1904، وهي السنة التي كتب فيها René Leclerc عن تطوان ضمن كتابه: المغرب الشمالي ولنا عودة لهذا الكاتب في الفصل الأخير من هذا البحث.
-----------