عرض مشاركة واحدة

  #2  
قديم 19-05-2008, 02:06 AM
bdr_777 bdr_777 غير متواجد حالياً
عضو
 




افتراضي تابع

الشخصية العمرانية والفنية


منذ القِدَم كان بعض التلمسانيين يعتقدون أن مدينتهم أزلية البناء، وأن بعض القصص المذكورة في القرآن الكريم قد حدثت في تلمسان. وقد ذكر ابن خلدون هذه الناحية واستبعدها حين قال: « ويزعم بعض العوامّ من ساكنيها أنها أزلية البناء، وأن الجدار الذي ذُكر في القرآن في قصة الخضر وموسى عليهما السّلام هو بناحية أغادير ـ من تلمسان ـ ».
ويروي « البكري » أن « أبا المهاجر » أحد صحابة رسول الله صلّى الله عليه وآله قد كان أول من نشر الإسلام في تلمسان، إلاّ أن الشيء المؤكد أن عُقبة بن نافع قد مر بها في طريقه إلى المغرب العربي، إلا أن الآثار الباقية في تلمسان الآن تُشير إلى أن مدينة تلمسان الحالية قد بُنيت على أربع مراحل بأربعة أسماء.

[align=justify]• أغادير: وقد بناها البربر.
• بوماريا: وقد بناها الرومان.
• تافرارت: وقد بناها المرابطون
• المنصورة: وقد أُنشئت على يد المرينيين خلال حصار السبع سنوات للمدينة القديمة.
[/align]
وأهم الآثار الباقية إلى اليوم ترجع إلى عهد المرابطين الذين قَدِموا إلى تلمسان على جِمالٍ عليها دروعٌ جلدية وبوجوه ملثّمة لا يبين منها إلا العينان، ولكنهم ما لبثوا أن استقروا فيها بزعامة « يوسف بن تاشفين » الذي يُروى أنه قد ساهم بنفسه في بناء الجامع الكبير في تلمسان وذلك في سنة 1125م، ولا يختلف هذا المسجد في تصميمه وزخرفته عن جامع « قرطبة » الشهير.
ومئذنة الجامع الكبير في تلمسان تشبه إلى حدّ كبير مئذنة جامع قرطبة. وقد شُيّدت على قاعدة مربّعة، وارتفع بنيانها على هذه القاعدة، حيث انتهت في الأعلى بمربّع أصغر من مربّع القاعدة تحيط به شرفة يستطيع المؤذّن أن يُطلّ منها على المدينة بأكملها.
وقد كانت الجدران الخارجية للجامع مطليّة بالجص، ومزيّنة بالفسيفساء. أما داخل المسجد فقد زُينّ بأقواس تنحني بأقواس صغيرة متعاقبة على شكل أوراق الورد.

وعن النهضة والعمران في عهد الموحّدين قال ابن خلدون يصف ما كان عليه الأمر في تلك الأيام:
« وصرف ولاة الموحّدين بتلمسان نظرهم واهتمامهم إلى تحصينها وتشييد أسوارها وحشد الناس إلى عمرانها والتفاني في تمصيرها واتخاذ الصروح والقصور بها ».وتزدهر المدينة مرة أخرى على يد المرينيين الذين بَنَوا في مدينة تلمسان ضاحية « المنصورة » بأسوارها، وقصورها، ومساجدها. وما تزال حتى الآن أطلال مسجد المنصورة يشهد على ما وصل إليه فن العمران في تلك الأيام. كما أن الفضل يرجع إلى المرينيين في بناء المسجدَين الباقيين حتى الآن في تلمسان ( مسجد سيدي بُومدين، ومسجد سيدي الحلوي ). وتختلف الزخرفة الداخلية لمسجد سيدي بُومدين عن زخرفة الجامع الكبير الذي بناه المرابطون في أن الأخير مزيّن في داخله بأعمدة مربعة قصيرة تعلوها أقواس على شكل نصف دائرة... إلا أن ما يلفت النظر في تلمسان الآن أطلال سور المنصورة الذي كان يحيط بالمدينة من الغرب، ويطلّ على التلال والبساتين المثمرة الممتدّة خلفه.
وهذه الآثار ليست كلَّ شيء في تلمسان، فهي ما زالت تعجّ بمساجد ومدارس كثيرة تعود إلى العصور المختلفة من تاريخها.
ويرجع الفضل إلى تلمسان في الحفاظ على كثير من أصول الغناء الأندلسي، وقلما تجد موشّحاً أندلسياً الآن إلاّ وقد ذُكر فيه مصدر الغناء التلمساني.
وقد عاش في تلمسان كثير من الشعراء المشهورين مثل ابن خفاجة، وابن الخميس.
وما زال أهل تلمسان يعزفون حتى الآن على آلة يسمونها « الرَّباب »، وهي أقرب الآلات إلى عود زَرْياب، وهي تشبه سمكة قرش صغيرة مقلوبة. ونغم « الحوفي » يرتبط غالباً بتلمسان، غير أن أصول الموسيقى الأندلسية التي وضع قواعدها « زرياب » علي بن نافع، قد انتقلت إلى تلمسان، وظلت محفوظة بها إلى الوقت الحاضر.

هذه هي تلمسان موطن التاريخ، وملعب الزهور، وبلد المساجد، ونزهة النفس.

تلمسان المدينة التي تَظُنّ أنها لأول وهلة بلدة شامية هاجرت بناسها.. وبساتينها بينابيعها وأغانيها.. بزهورها ونضرة الوجوه فيها، هاجرت من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب! وحين تقف على قمة من هضبة « لا لا... ستي » التي تحتضن تلمسان من الجنوب، وتمدّ بصرك إلى ما وراء مضيق البحر المتوسط تظنّ أنها مدينة أندلسية كبيرة هربت بأسطحتها القِرميدية، وقصورها، وموشّحاتها من عَدْوَة البحر في الشمال... إلى التلال العالية في الجنوب بعد أن تساقط نصف متاعها وأبنائها أثناء الرحلة القاتله.

 

 

رد مع اقتباس