كتابه: "بغية الرواد فبي ذكر الملوك من بني عبد الواد"([41])
إن كتاب "بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد وما حازه أبو حمو من الشرف الشاهق الأطواد"، كتاب يقع في جزءين([42]) لم يخصصه المؤلف لتاريخ الملوك من بني زيان فحسب، بل جاء حافلاً وثرياً، عالج جوانب كثيرة من تاريخ الدولة الزيانية. إذ أفصحت مقدمته عن دوافع تأليفه للأمير أبي حمو. يقول: »تخليداً ما لدولته الكريمة من فعال وبأس ونوال، وأحاديث صحاح للفخر... وما جمعته سيرته الكريمة من حرب وسلم... وتدوين ما اشتملت عليه أيامه من أخلاق وجدة وإيمان وردة وفرج من بعد شدة ليكون لذلك أسوة في الفخر اللباب وذكرى لأولي الألباب«([43]).
أما أقسام الكتاب، فقد أشار المؤلف إلى أنه رتبه على ثلاثة أقسام، وهي كما يأتي:
القسم الأول: »في تعريف بكنه قبيل عبد الواد وأوليته«، وفيه ثلاثة أبواب:
l الباب الأول: في ذكر محل اعتماره من الأرض ويشتمل على ثلاثة فصول. الأول في اسم المكان ووصفه، والثاني في تعديد من أنجبه واستقر به من الصالحين والعلماء وغيرهم، والثالث في تملكه من لدن الفتح الإسلامي.
l أما الباب الثاني، فقد جاء في »التعريف بجنس القبيل وفضله«، ويشتمل على فصلين: الأول في ذكر البربر، ومنتهى زناتة فيهم، والثاني في ذكر شعب بني عبد الواد وبطونهم.
l وجاء الباب الثالث في »ذكر أوليتهم وترحيل أيامهم، ويشتمل على ثلاثة فصول: الأول في ابتداء أمرهم، والثاني في انتهاء الملك إليهم، والثالث في من ولي غير مستمد منهم«.
أما القسم الثاني، فقد خصصه في ذكر الملك الأول من بني عبد الواد. وفيه ثلاثة أبواب: الباب الأول في ذكر دولة يغمراسن بن زيان([44]) ودولة بني عثمان من بعده، والباب الثاني في إحياء الدولة بعد وفاتها، والباب الثالث في دولة أولاد عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن.
وجاء القسم الثالث وقد خصصه لما »حازه أمير المؤمنين مولانا أبو حمو من الشرف الشاهق الأطواد«. وفيه ثلاثة أبواب: الباب الأول في ذكر سجاياه الكريمة وسيرته الحميدة، والباب الثاني »في ذكر ما حوته دولته الكريمة من حلّ وترحال وإبرام« ([45]).
وإذا ما انتقلنا إلى موارد الكتاب، فنجد أن يحيى بن خلدون اعتمد الكثير من الأشكال. فعلى صعيد الكتب التاريخية، فالغالب عليه أنه يكتفي مرة بذكر الكتاب دون المؤلف، ومستخدماً عبارات مقتضبة كقوله: »قال صاحب الأحكام في حديث المغرب الأقصى«، و»صاحب الجغرافية« ([46])، بينما نجده في مواضع أخرى يذكر المؤلف دون أن يسمي كتابه، فيشير إلى المسعودي والطبري والسهلي والصولي وابن قتيبة([47]). وفي حالة ثالثة، يعتمد بعض الألقاب لمؤلفين دون التصريح باسمهم أو مؤلفاتهم، وخاصة وأن بعضها شائعة مثل »قال الأنباري المكناسي فيه« ([48])...
كما اعتمد على روايات شفاهية معاصرة أو سابقة له، كقوله: »حدثني الثقات«([49]) أو »روى أبو الحسن عن أبيه«([50]) و»قيل إنه« ([51]) أو »وأخبرني الشيخ أبو الحسن الميروقي من أعيان المدينة في شأن البلاد«([52]).
يضاف إلى ذلك أن مؤلَّف يحيى بن خلدون جاء حافلاً بالنصوص الشعرية لعدد من شعراء العرب عبر مختلف العصور منها أبيات المعري والسموأل ابن عاديا([53])، وقصائد لشعراء عاصروه من أمثال لسان الدين بن الخطيب([54]) ومحمد بن أبي جمعة التلالسي وغيرهم([55]).
وعلاوة على ذلك، فإن تعامل يحيى بن خلدون مع الروايات التي يوظفها في مؤلفه تعتمد المقارنة مع نظيراتها. فهو في الموضع الذي يتحدث فيه عن نزوح البربر إلى المغرب، يحدد ما جاء على لسان الطبري فيقول: »وقال الطبري«، ثم يقول: »قال غيره« ([56]) دون أن يلتزم إحداها أو يسلم بها.
أما أسلوب يحيى بن خلدون، فلابد أن نعرف أن الثقافة التي تيسرت له قد أعطته المكانة التي يستحقها. فهو كاتب اشتغل لدى سائر الأمراء الذين عاصروه، وثانياً فإن نثره وشعره يشهد بمكانته الأدبية. فهذا ابن الأحمر يقول في حقه: »وله معرفة بالتاريخ القديم منه والحديث، واقتدار على سبك الكلام الرائق، وحوك النظام الفائق...«([57]). وعلى هذا الأساس بان علوه في صياغة عبارته. فهو يستخدم مرة أسلوباً منمقاً مسجوعاً وخاصة في ديباجة كل قسم أو فصل أو باب، وهو منهج اعتمده كتاب تلك العصور، وغرضه في ذلك إظهار مهارته في الصياغات اللفظية، وإن كان ذلك لا يخلو من زخرفة لفظية أو حشو زائد. ففي وصفه ليغمراسن بن زيان، يقول: »فارع الثنية وعاطف الحنية المستأثر دون الملوك بالخلال السنية عظم والريع والريعان متيم حفلي الطعام والطعان، خليفة الله المرتضى وسيفه المنتضى ووعد أمينه الصادق المقتضى، منير الأحلاك وناظم الأسلاك وملك الشرفاء وشريف الأملاك« ([58]).
ثم ينتقل بعد تلك المقدمات، مستخدماً أسلوباً يتسم بالبساطة وحسن اختيار الألفاظ والعناية بصياغتها. فهو يقول: »وسئل منه القوم ـ أي يغمراسن بن زيان ـ بالشرف وإثبات نسبه إليه، فقال: إن كان المراد شرف الدنيا، فهو ما نحن فيه؛ وإن كان القصد شرف الأخرى، فهو عند الله سبحانه«([59]).
ويجيء كتابه شاهداً على قدرته الأدبية إن كان في تنوع البحور التي يستخدمها كاستخدامه الطويل في قصيدة ليلة المولد سنة 771 هـ/ 1369 م([60]) أو بحر المتدارك في ليلة أخرى من ليالي المولد([61]). كما أظهر براعته في محاكاة الشعراء في قصائدهم. فهو يحاكي قصيدة لابن الخطيب، قد نظمها في احتفالات المولد لسنة 778 هـ/ 1376 م([62]). وأخيراً، فإن شعره الذي كتبه على لسان الجارية في وصف المنجانه ـ الساعة ـ بتكليف من الأمير أبي حمو في ليلة المولد([63]) تكفي لإظهار ما امتلكه من موهبة أدبية.
أما قيمة أثره التاريخي، فتأتي من خلال تركيزه على بني عبد الواد في تلمسان منذ قيامهم حتى سنة 777 هـ/ 1375 م، أي قبل وفاته بثلاث سنوات. وقد جمع فيه من المعلومات والمنجزات والحقائق التي تؤشر حياة تلك الدولة على المستوى الداخلي والخارجي.
ففي ميدان الحياة العلمية والثقافية لتلمسان، ترجم للعلماء الذين عاشوا في تلمسان أو ولدوا بها. فبلغ عدد تراجم العلماء 108([64]) ترجمة، مبيناً ذلك بقوله: »هذا ما أمكن الإلمام به من أسماء القوم سوى من أنجبته من الطلبة العراف والأمناء الثقات والصناع الحذاق في كل صنف« ([65]).
ولم يكتف بذكر العلماء فحسب، بل إنه كان يتتبع نبوغ العلماء من الأسرة الواحدة، الأمر الذي أعطانا انطباعاً عن البيوتات العلمية في تلمسان. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ذكر لنا ترجمة الشيخ محمد بن أبي بكر بن مرزوق (ت 681 هـ/ 1282 م) ([66])، ثم أتبعه بولده أبي العباس أحمد (ت 741 هـ/ 1341 م) ([67])، ثم ولده من بعده الفقيه محمد المكنى بأبي عبد الله المولود سنة 711 هـ/ 1311 م، والذي أشار في ترجمته إلى اشتغاله في البلاط المريني([68]). وهكذا يتكرر الأمر في أسر أخرى غير التي ذكرنا([69])، بل يعمد أحياناً إلى ذكر الشيخ وتلميذه من بعده([70]).
ومن المظاهر الثقافية والدينية التي أغناها وأبرز معالمها، احتفالات تلمسان في عهدهم بالمولد النبوي الشريف في كل سنة([71]). والتقاليد المتبعة فيه، والقصائد المولدية التي ألقيت في احتفالات عدد من السنوات على عهد الأمير أبي حمو، ذاكراً أسماء شعرائها، مع نماذج من قصائد الأمير أبي حمو موسى الثاني([72]).
وإذا انتقلنا إلى ميدان آخر متمثلاً بنظام الدولة، فإننا سنجد يحيى بن خلدون قد أحاط بمعلومات وافية عن الوظائف الإدارية في دولتهم وأسماء أصحابها عبر عهود الأمراء الزيانيين منذ عهد مؤسسها يغمراسن بن زيان حتى عهد الأمير أبي حمو([73]).
أما في ميدان النشاط السياسي والعسكري للدولة، فلقد تضمن كتابه أوجهاً متنوعة لطبيعة الحياة السياسية والعسكرية الزيانية الداخلية والخارجية. فهو يستعرض في كل عهد أمير علاقاته الحربية والخارجية مع أمراء الدول المجاورة([74])، كما أوضح طبيعة عهد أمير علاقاته الحربية والخارجية مع أمراء الدول المجاورة([75])، كما أوضح طبيعة علاقات الدول الزيانية مع القبائل المغربية المستوطنة في صحارى الجزائر وآثارها على صعيد الحياة السياسية، كما حوى عدداً من الوثائق التي أرسلها أمراء غرناطة من إنشاء وزيرهم لسان الدين بن الخطيب سنة 767 هـ/ 1365 م، بالإضافة إلى الهدايا المتبادلة بين غرناطة وتلمسان([76]).
وتتضح موضوعيته في توثيق الحقائق التاريخية من خلال إبراز علاقة الزيانيين مع جيرانهم المرينيين حكام فاس، إذ أن الدولة المرينية تمكنت من تحقيق انتصارات عسكرية كبيرة. عليهم، بل وقدرة المرينيين في السيطرة على تلمسان وضمها لنفوذهم([77]). وهنا لابد من أن ننوه بالفارق الكبير بينه وبين ابن الأحمر الذي أرخ للمرينيين وعاش في دولتهم. فانعكست أهواؤه في تقييم خصوم الدولة المرينية من خلال استخدامه عبارات نابية مجافية للحقيقة عن حكام تلمسان، وبوجه خاص مؤسس دولة بني عبد الواد الأمير يغمراسن بن زيان([78]).
بقي أن نشير إلى أن مادته التاريخية كانت مثار اهتمام وعناية من لدن المؤرخين الذين جاءوا بعده. فالتنسي قد أكثر من الاعتماد عليه، وبوجه خاص في ذكر نسبهم وغزوات يغمراسن بن زيان محيلاً تلك الروايات إلى يحيى بن خلدون([79])، بينما في مواضع أخرى نقل منه نصوصاً بصورة حرفية دون أن يذكره، منها وصفه للمنجانة ـ الساعة ـ في تلمسان والخاصة باحتفالات المولد النبوي الشريف([80]). وزاد على ذلك بأن نقل النص نفسه مع تغييرات طفيفة لا تمس جوهر المعنى والشكل، ووضع النص في مؤلفه الآخر "راح الأرواح"([81]).
وأخيراً، فإن المعنيين بدراسة الدولة الزيانية يدركون أهمية يحيى بن خلدون مؤرخاً لها في القرنين السابع الهجري وحتى وفاته في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري، وإن معاصرته لكثير من الأحداث جعلته شاهداً على عصره أو قريباً منه، وبالتالي فإن الاختلاف في بعض الحقائق تدفع المؤرخين القدامى والمحدثين إلى الوثوق بما يقول المؤرخ يحيى عن تلك المدة بوصفه مؤرخها الأساسي الذي لا استغناء عن ما جاء في أثره التاريخي المهم([82]).