[frame="11 98"]بسم الله الرحمن الرحيم
*سلسلة:"الله أعلم حيث يجعل رسالته" القرآن الكريم 06-124.
*عظمة آل البيت و دنو أعدائهم.
*1.الحسين عليه السلام و زوجة عبد الله بن سلام
روى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ابتداء من ص166، ج1 طبع الحلبي في قصة يزيد الذيً عشق أرينب بنت إسحاق وشكا إلى وصيف لمعاوية اسمه رفيق تباطؤ أبيه في أمره، وتفريطه فيه، فأعلم ذلك الوصيف أباه معاوية بشكواه هذه، التي لم يعرف سببها فقال معاوية: علي به، وكان معاوية إذا أتته الأمور المشكلة المعضلة، بعث إلى يزيد يستعين به على استيضاح شبهاتها، واستسهال معضلاتها، فلما جاءه الرسول قال: أجب أمير المؤمنين، فحسب يزيد أنه إنما دعاه إلى تلك الأمور التي يفزع إليه منها، ويستعين برأيه عليها.. فجاء وسأله معاوية عن سر شكواه هذه وكان من جملة ما قال له:
"فأي ولد أعق منك وأكيد قد علمت أني تخطأت الناس كلهم في تقديمك، ونزلتهم لتوليتي إياك، ونصبتك إماماً على أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وفيهم من عرفت، وحاولت منهم من علمت؟!!".
فشكا إليه حبه لأرينب التي كان قد شاع فضل جمالها، وكمال أدبها بين الناس وقال: إنه يرجو أن لا يدع أبوه النظر له في أمرها، ولكنه ترك ذلك حتى استنكحها عبد الله بن سلام، (مع أنه لم يكن قد أخبره بحبه لها قبل هذا الوقت)..
فأمره بكتمان أمره، قال: وكانت أرينب بنت إسحاق مثلاً في أهل زمانها في جمالها، وتمام كمالها، وشرفها، وكثرة مالها..
ثم أرسل إلى عبد الله بن سلام القرشي، الذي تزوجها، والذي كان من معاوية بالمنزلة الرفيعة في الفضل.. وكان معاوية قد استعمله على العراق – أرسل إليه – ان أقدم لأمر حظك فيه كامل.. فقدم، ونزل منزلاً كان قد أعده له.. وطلب من أبي هريرة وأبي الدرداء أن يخبرا عبد الله بن سلام أن معاوية يريد أن ينكحه ابنته لدينه، وفضله، ومروءته وأدبه.. وأنه كان قد وعدها أن يجعل لها في نفسها شورى.. فخرج أبو هريرة وأبو الدرداء من عند معاوية إلى عبد الله بن سلام، وأخبراه بالأمر، ففرح، ثم أرسلهما إلى معاوية خاطبين، فأعرب لهما معاوية عن رضاه وسروره وقال لهما: قد كنت أعلمتكما بالذي جعلت لها في نفسها من الشورى، فادخلا إليها، واعرضا عليها الذي رأيت لها..
قال: وكان معاوية قد أوصاها أن تظهر رغبتها في هذا الأمر وأنه لا يمنعها منه إلا أن تحت ابن سلام أرينب بنت إسحاق.. وأنها لا تتزوجه إلا إذا فارقها..
فعندما جاءاها يعرضان عليها ذلك أجابتهما بذلك ؛ فأعلما عبد الله بن سلام بالأمر، فطلق زوجته أرينب، وأشهدهما على ذلك.. وأرجعهما إليه خاطبين أيضاً فخطبا.. وأعلما معاوية بطلاق عبد الله لزوجته، فأظهر كراهته لذلك.. وصرفهما، ليعودا إليه في وقت آخر، وكتب إلى يزيد يعلمه بما جرى.
فلما عاد أبو هريرة وأبو الدرداء إلى معاوية أمرهما بالدخول إلى ابنته، وسؤالها عن رأيها لأنه كان قد جعل لها في نفسها شورى.. فقالت لهما: إنها تريد أن تسأل عنه وتستخير.. بعد أن سمعت منهما تقريظاً لعبد الله وما هو عليه من الفضل، وكمال المروءة، وكرم المحتد – سمعت منهما – ما القول يقصر عن ذكره.. واعترفت هي له بذلك حيث قالت لهما: "..وإنه في قريش لرفيع..".
فخرجا عنها، وأعلماه بالأمر.. وشاع الأمر بين الناس، ولم يشك أحد في غدر معاوية إياه..
فاستحث ابن سلام أبا هريرة وأبا الدرداء، وسألهما الفراغ من أمره، فأتياها، فقالت لهما: إنها سألت عنه فوجدته غير ملائم، مع اختلاف الناس الذين استشارتهم فيه بين ناه عنه وآمر به.. فأعلماه بالأمر فهلع ساعة، واشتد عليه الهم، ثم انتبه فحمد الله، وأظهر الرضا بقضاء الله..
قال: وذاع امره في الناس، وشاع، ونقلوه إلى الأمصار وتحدثوا به في الأسمار، وفي الليل والنهار، وقالوا: خدعه معاوية حتى طلق امرأته، وإنما أرادها لابنه، فلما بلغ معاوية ذلك قال: لعمري ما خدعته..
فلما انقضت أقراؤها وجه معاوية أبا الدرداء إلى العراق خاطباً لها على ابنه يزيد، حتى قدمها، وبها يومئذ الحسين بن علي(ع)، سيد أهل العراق فقهاً ومالاً وجوداً وبذلاً، فأحب أبو الدرداء ان يلقاه قبل أن يقوم بأي عمل؛ فأتى الحسين، فلما رآه الحسين، قام إليه فصافحه إجلالاً له، ومعرفته لمكانه من رسول الله، وموضعه من الإسلام، وقال له: أحدثت لي رؤيتك شوقاً إلى رسول الله(ص) وأوقدت مطلقات أحزاني عليه، فإني لم أر منذ فارقته أحداً كان له جلياً، وإليه حبيباً، إلا هملت عيناي، وأحرقت كبدي أسى عليه، وصبابة إليه؛ ففاضت عينا أبي الدرداء لذكر رسول الله، وقال: جزى الله لبانة أقدمتنا عليك، وجمعتنا بك خيراً، ثم اخبره بما وجهه به معاوية، فطلب منه الحسين أن يخطب عليه وعلى يزيد، ولتختر من اختاره الله لها، وأن يعطيها من المهر مثل ما بذل لها معاوية عن ابنه، ففعل أبو الدرداء ذلك.. وطلب منها أن تختار، فسكتت طويلاً، ثم قالت: يا أبا الدرداء، لو أن هذا الأمر جاءني وأنت غائب، لأشخصت فيه الرسل إليك، واتبعت رأيك، ولم أقطعه دونك على بعد مكانك، وبعد دارك..
فاختار لها ابن بنت رسول الله، فتزوجها الحسين، وساق إليها مهراً عظيماً، وقال الناس، وبلغ الامر إلى معاوية فتعاظمه ذلك جداً، ولام أبا الدرداء لوماً شديداً.
قال: وكان عبد الله بن سلام قد اطرحه معاوية، وقطع جميع روافده عنه لسوء قوله فيه، وتهمته إياه على الخديعة، فلم يزل يجفوه ويغضبه، ويكدي عنه ما كان يجديه حتى عيل صبره، وقل ما في يده، ولا نفسه على المقام لديه. فخرج من عنده راجعاً إلى العراق..
وكان له مال عند أرينب كان استودعها إياه، وكان يتوقع أن تجحده لسوء فعله بها، وطلاقه إياها على غير شيء أنكره منها.. ولكنه مع ذلك لقي الحسين، وذكر له المال، وطلب منه أن يذكر لها أمره، ويحضها على رد ماله إليه، فسكت عنه الحسين، وانصرف إلى أهله، وذكر لها الأمر، وحضها على أداء ماله إليه فاعترفت بأنه كان قد استودعها مالاً، ولكنها لا تدري ما هو، وإنه لمطبوع عليه بطابعه ما أُخِذَ منه شيء فأثنى عليها الحسين خيراً، وأدخل عبد الله عليها ؛ لتبرأ إليه من المال كما دفعه إليها؛ فأخرجت البدرات، ووضعتها بين يديه، وقالت له: هذا مالك، فشكر لها، وأثنى عليها، وخرج الحسين، ففض عبد الله خاتم بدرة فحثا لها من ذلك الدر حثوات، وقال: خذي، فهذا قليل مني لك، واستعبرا جميعاً، حتى تعالت أصواتهما بالبكاء أسفاً على ما ابتليا به، فدخل الحسين عليهما وقد رق للذي سمع منهما فقال: أشهد أنها طالق ثلاثاً، اللهم إنك تعلم أني لم أستنكحها لمالها ولا جمالها. ولكني أردت إحلالها لبعلها الخ.. ولم يأخذ مما ساق إليها في مهرها قليلاً ولا كثيراً، وقد كان عبد الله سأل أرينب التعويض على الحسين فلم يقبل عليه السلام، فتزوجها عبد الله بن سلام، وعاشا متحابين متصافيين حتى قبضهما الله، وحرمها الله على يزيد، والحمد لله رب العالمين.[/frame]