محمد بن أبي القاسم بن علي بن حمود.............نحب أن ننبه الأذهان إلى أننا لا نتحدث هنا عن أسرة مالكة أو عن دولة يتوارث الملك فيها الأبناء عن الآباء ، بل عن بيت عربي إسلامي أرادت له المقادير أن يعيش في كنف ملك نصراني ومكنت له من الإحتفاظ بما كان لأفراده من الأملاك والمكانة قبل الدخول في طاعة هذا الملك ، وهذه في ذاتها ظاهرة فريدة في بابها جديرة بالدراسة ، فلم يكن الحموديون وحدهم في هذه الظروف ، وإنما كانت هناك أسرات عربية إسلامية أخرى في صقلية مثل بتي التمنة ، وكانت هناك أسر مماثلة فيما وقع تحت سلطان النرمان من بلاد افريقية مثل المهدية وبونة وقابس وطرابلس .
وهذا الشيء الذي نعرفه عن أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم بن علي أتانا عفواً ، فقد كان هذا الرجل صاحباً لفقيه صقلية الأكبر محمد بن أبي محمد بن ظفر (497-567/1104-1171) ، وكان الفقيه يجله ويقدره ، وله ألف طائفة من كتبه أهمها (( سلوان المطاع في عدوان الأتباع )) وهو كتاب حافل بالدلالات ، ينطق بها عنوانه وموضوعه وسياق كلامه وفاتحته ، فالعنوان يدل على أنه ألف لرجل عدا عليه أتباعه أو انقلبوا عليه وأنزلوا به ضرراً ، فاحتاج إلى من يسليه عما نزل به ، ومادة الكتاب تدور حول هذا المحور بالفعل وتفصل الأمر بعض التفصيل ، أما فاتحته فتعرفنا به ، لأن ابن ظفر يقول عنه إنه (( سائد السادة ، وقائد القادة ، أبي عبدالله محمد بن أبي القاسم بن العلوي القرشي )) ، وكل لفظ هنا له معناه ، فالسيد هنا ليس صفة ولكنه لقب معناه أن محمد بن أبي القاسم هذا كان من الأشراف الإقطاعيين Signore Feodati حسب النظام الإقطاعي العام الذي كان سائداً في أوربا كلها إذ ذاك ، وإن إقطاعه كان خبزاً له ، والخبز في مصطلحنا الإقطاعي هو ما يقابل لفظ Fief في المصطلح الإقطاعي الغربي ، وهو إقطاع الأرض في مقابل وظيفة أو خدمة يؤديها المقطع للملك ، والوظيفة في حالتنا هذه قيادة عسكرية وحكومة على موضعه ، ولهذا يلقبه ابن ظفر بقائد القواد أو قائد القادة .
ويبدو أن هذه المعاملة الحسنة التي لقيها بنو القاسم بن حمود من جانب النرمان ترجع إلى ما أبدوه من الشهامة والاستبسال ، ثم ما أظهروه بعد ذلك من العقل والحكمة ، فاستسلموا على شروط الأمان والإطمئنان إلى الإسلام وضمان حقوق من معهم من المسلمين ، فكانوا بهذا أحكم من قائد عربي مسلم آخر يسميه جود فروا مالاترا – مؤرخ الغزو النرماني ((بينافيرت Benavert )) ، وهو اسم طالما حير الباحثين أصله العربي ، وغالبيتهم أنه ابن عباد ، وهو رأي مستبعد لاختلاف ما بين الصيغتين الإفرنجية والعربية ، وهو عندنا أقرب إلى أن يكون ((ابن ورد )) ، وأياً كان اسمه فقد كان هذا الرجل رئيساً على قطانية قبل دخول النرمان ، فلما أقبلوا تصدى لهم وحاربهم حرباً عنيفة هلك فيها من رجالهم مئات ، وقتل نفر من قوادهم منهم هو جو دي جيرسي Ugo di Jersey الذي كان رجار الأول قد أقامه نائباً عنه في الجزيرة عندما عاد إلى قلورية Galabria سنة 467-468 (1075) ، وما زال ابن ورد يصاول النرمان حتى عجز أمامه القائد النرماني جوردان واضطر إلى الإستعانة عليه برجار ، فأقبل بكل قواه ، وتعاون الاثنان على القائد العربي واستوليا على قطانية ، وانتقل ابن ورد إلى نوط Noto واسنمر في المقاومة حتى قتل في المعارك الأخيرة التي انتهت بسقوط آخر معاقل الجزيرة سنة 484(1091) بعد أن أصاب أهلها من المسلمين بلاءً شديد .
ولم يكن القاسم بن علي بن حمود يستطيع أن يفعل فعل ابن ورد ، لأن هذا الأخير كان من أهل صقلية الذين تطاولت العهود بهم فيها ، فهو يعرف نواحيها جميعاً وتربطه بالرؤساء في كل ناحية صلات قديمة مكنت له من الاستعانة بهم والانتقال إلى حصونهم ونواحيهم ليستمر في الدفاع ، فبعد أن سقطت قطانية انتقل إلى نوط ثم إلى بثيرة Butera ، أما أبو القاسم بن حمود فقد كان حديث عهد بالجزيرة لا يعرف من شئونها إلا ما عرف خلال السنوات القليلة التي قضاها فيها ، ولم يكن في استطاعته بعد سقوط جرجنت وقصريانه أن ينتقل إلى ناحية أخرى ، فليس له رجال وانصار ومحاربون ينتقلون معه من ناحية إلى ناحية كما كانت الحالة مع ابن ورد ، ثم إنه كان سليل بيت عرف السياسة والحكم ، وقد أدرك لهذا أن الاستمرار في المقاومة بعد أن هلك الناس وانقطع الأمل في الفرج لن يؤدي إلا إلى ضياع ما بقي من أموال الناس وذراريهم دون جدوى ، فآثر أن يسلم على صلح وعهد ، وحفظ بهذا نفسه ومن كان معه .
ولا يغيبن عن بالنا أن المسلمين إذ ذاك كانوا لا يتصورون سواء في المغرب أو الأندلس أو المشرق أو صقلية أن أمر الإسلام في ناحية من نواحيه يمكن أن يزول إلى غير رجعة أو أن النصرانية إذاغلبت على ناحية من نواحيه ستستمر في حكمها إلى الأبد ، وإنما هي نكسات من الدهر الخئون وتمحيص من الله للمسلمين ، ثم تشرق الشمس مرة أخرى وتعود البلاد للإسلام ، وهذا شعور ظل يملأ نفوس المسلمين في كل مناسبة أصاب بلادهم فيها مكروه ، ويعبر عنه مؤرخونا بقولهم بعد ذكر سقوط أي بلد من بلاد الإسلام (( أعاده الله للإسلام )) ، وأبلغ من عبر عنه ابن عاصم في كتابه المثير للأشجان (( حنة الرضا فيما قدر الله وقضى )) ، وهو عنوان حزين أشبه بأن يكون نهاية للأمل ، وهو أبلغ في هذا المعنى من قصيدة أبي البقاء الرندي ذات الصيت البعيد .