[frame="13 10"] بسم الله الرحمن الرحيم
*معجزة انتشار الأشراف في العالم-الحلقة الأولى.
يقول الله تعالى في كتابه العزيز:
" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا" الأحزاب، الآية33.
إنها بحق معجزة السماء التي أردت لهذا النسل الطاهر أن يستمر إلى يوم أن يرث الأرض و من عليهاّ و عندما يفكّر الإنسان مليا في الأعداد الكبيرة و الهائلة لذرية رسول الله صلّى الله عليه وآله فانه بدون شك يحيطه إحساس بحدوث (معجزة) كبرى امتدّت خلال التاريخ و لازالت باقية، قائمةً ومشهودة. وهذه المعجزة هي تصديق لإخبار قرآني كان قد وقع في مكة قبل هجرة النبيّ صلّى الله عليه وآله وقبل تأسيس أول دولة إسلامية في المدينة المنوّرة.
لقد أنزل الله عز وجل على رسوله المضطهَد ( سورة الكوثر )، لتعلن هذا الخبر المدهش الذي ظلّت مصادقه العملية تخترق الأزمنة بل لتتّسع مصادقه وتزداد تفتّحاً كلّما أوغَلَ الزمن واستطالت القرون والأجيال، حتّى إذا استطلعنا واقع العالَم المعاصر وجدنا ( المعجزة ) حاضرةً بأجلى صورها وأوسع مدا ليلها.
والخبر الذي نزلت سورة الكوثر المباركة لتذيعه في الناس، قد جاء في أعقاب حادثة في مدينة مكة يوم كانت عاكفة على أوثانها ومقيمة على تقاليدها الجاهلية وقيمها المتفسّخة لا تبرحها ولا تفارقهاو لم يكن لرسول الله صلّى الله عليه وآله الصادع برسالة ربّه الهادية من ذريّةٍ ذكور يمتدّ من خلالهم نَسَبيّاً عبر الزمان. وقد اتّخذ أحدُ أقطاب الكفر الجاهلي في مكّة ( وهو العاص بن وائل السَّهمي ) هذه النقطة ذريعةً لمحاربة الرسالة الإلهية والغضّ من شأن حامل الرسالة صلّى الله عليه وآله.
فكان هذا العدو يبثّ في المحافل القرشية والتجمّعات المكيّة أنّ محمّداً صلّى الله عليه وآله رجُل أبتَر لا عقب له، فهو مقطوع النسل مبتور الذريّة! وكان هذا ممّا يَعيبُ به رسولَ الله صلّى الله عليه وآله ويعيّره به في محاولة منه بائسة لمحاصرة الرسالة والرسول، ولإطلاق نوع من الحرب النفسية نفاقا و تدليسا.
فجاء الوحي من فوق سبع سموات ليؤازر نبي الهدى عليه و آله أفضل الصلاة و التسليم و ذلك بسورة الكوثر ولكن لا لتقول وحسب ان رسول الله مُنزّه عن هذه الصفة التي أُثيرت حوله ظلماً وعدواناً، بل لتبشّر أيضاً بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله تخرج من صُلبه المبارك ذريّة كثيرة وفيرة، وينحدر منه صلّى الله عليه وآله نسل كثير كثيرإلى يوم الدين، فاختارت السورة للتعبير عن هذه الكثرة الكاثرة لفظة ( الكوثر ) التي تعني: الخير الكثير، و في روايات عدة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام.
ولم يُترَك ذلك الجاهل المفتري دونما عقاب ودون أن يُكال له الصاع صاعَين، فتُخبر الآيةُ الأخيرة من هذه السورة الكريمة بأنّ العاصَ بن وائل عدوَّ رسول الله وشانئه ومُبغضه هو الأبتر، وليس رسول الله. وقد تحقّق هذا بالفعل، فانقطع نسل العاص واندثر ولم يبق له من أثر. وما يُقال عن أُبوّته لعمرو بن العاص إنّما هو موضع شك وأكثر من الشك؛ ذلك أن المصادر التاريخية تشير إلى أنّه لم يكن من صُلبه.
وقد يلاحظ المرء إلى أن الموضوع كان خطيراً ومهماً وحيوياً جداً، بحيث اختصّتَ به سورة مستقلة من القرآن الكريم و كذلك نلاحظ ثانياً أنّ التعبير بالفعل الماضي « أعطيناك » الدالّ على التحقق في الماضي يعني أنّ تحقق هذا الإعطاء هو من المسلّمات الواقعية وكأنّه قد حدث وتمّ وكذلك هناك تغبيرا مباشرا مركزا بالبشارة للنبيّ صلّى الله عليه وآله بكثرة الذريّة و إظهاراً للحماية والمحبة وانتهى بالإخبار الصادق عن انقطاع نسل الشانئ الأبتر الذي حرم الولد إلى الأبد.
ومَن يُتابع أخبار ذريّة النبيّ صلّى الله عليه وآله من خلال حركة التاريخ يجد أمراً عَجَباً وحالةً
مدهشة تجعل الإحساس بالإعجاز الإلهي حاضراً في الوعي، و يزداد كلَّ يوم تفتّحاً ويزداد وضوحا حيث يستطيع المرء أن يلاحظ ما يلي:
أولاً: أنّ هذه الأعداد التي لا تُحصى من ذريّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد امتدت عبر أحقاب التاريخ وتتابُع الأزمنة والعصور، ولم تنقطع في أيّ وقت من الأوقات بل إنّ هذه الأعداد الغفيرة الوفيرة إنّما تزداد كثرتها بمرور الزمان وتتضاعف عبر الأجيال.
ثانياً: أنّ هذه الأعداد المتكثرة المنتشرة في كل مكان من المعمورة إنما هي من نسل بنتٍ واحدة للنبيّ صلّى الله عليه وآله هي الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السّلام، ولم تُعقب غيرُها من
بنات النبي قط النبيّ قطّ، أمّا أبناؤه الذكور فقد شاء الله تبارك وتعالى أن يتوفّاهم وهم صغار السن.
ثالثاً: أنّ هذه الكثرة في ذريّة الصدّيقة فاطمة الزهراء سلام الله عليها قد اخترقت العصور اتّساعاً وتقدّماً إلى الأمام، على الرغم من المحاولات الطاغوتية العامدة إلى إبادتها والقضاء عليها، أو الحدّ من عنفوانها وفيضانها على أقلّ تقدير. وطيلة حكم بني أُميّة وبني العباس شَهِد أبناءُ السيدة الزهراء عليها السّلام أنواعَ القتل والاستئصال والتشريد والسجن والتعذيب. وكانوا يُقَتَّلون أحياناً تقتيلاً جماعياً في مذابح مروِّعة لا تُبقي ولا تَذَر مثل: مذبحة كربلاء الدامية، ومذبحة فَخّ قرب مكة، ومذبحة بني الحسن عليه السّلام بأمر المنصور العباسي.
رابعاً: أنّ هذه الكثرة في ذريّة رسول الله صلّى الله عليه وآله من الصدّيقة فاطمة والإمام علي بن أبي طالب عليهما السّلام ليست كثرة من الوجهة العددية وحدها، بل هي أيضاً كثرة في المواقع العلمية والمعنوية والقيادية قد أهّلت السادة ( الشرفاء ) ليكونوا طيلة التاريخ على قمّة التيّارات العلمية والمعنوية والاجتماعية والسياسية والتحرّرية. ومن يتصفّح مصادر التاريخ وكتب تراجم الرجال الكثيرة تبهره كثرة الرجال من السادة والشرفاء الذين كانوا منطلقات غنية في كلّ المجالات، وكانوا المبادرين إلى المكرمات والسموّ الأخلاقي والمعنوي.
*اللهم صل على سيدنا محمد و آل سيدنا محمد و اقسم له مقسما من عدلك واجزه مضعفات الخير من فضلك اللهم اعل على بناء البانين بناءه وأكرم لديك نزله و شرف عندك منزله واته الوسيلة و الدرجة الرفيعة و المقام المحمود وأعطه السناء والفضيلة و احشرنا في زمرته غير خزايا ولا نادمين ولا ناكثين و لا ناكبين ولا ضالين ولا مفتونين برحمتك يا أرحم الراحمين. [/frame]