بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
استطرادا للحديث عن المهمشين:-
إن استعراض بدايات التدوين التاريخي يؤكد لنا صحة القاعدة الأولى التي تنص على عدم براءة المادة التاريخية المتوافرة، ففي عام 143 هـ قام الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور بالتشجيع على تدوين العلوم المختلفة وخاصة علمي الحديث والتاريخ، بهدف خدمة الأغراض الدعائية والإعلامية للسلطة العباسية الجديدة، ومن الواضح أن هذين العلمين على وجه الخصوص وضعا تحت مراقبة السلطة التي استخدمتهما في مواجهة الحركات المناهضة، بل أن المرويات التاريخية تذكر أن الخليفة العباسي هارون الرشيد قام بتلفيق ألف حديث على لسان النبي (ص) بمساعدة محدث مشهور وهو عبد الله بن المبارك، على مستوى التاريخ يلاحظ أن العباسيين استطاعوا القضاء على أي مؤلفات تحوي مرويات تاريخية غير خاضعة لسيطرتهم، ولم يكتب البقاء إلا للمصادر المتأخرة عن الحدث والتي تأثر كُتّابها بكم ليس قليلاً بما تطرحه مصادر السلطة، وبالتالي فقد ظلت مصادر السلطة تمثل المصدر الأساسي لأي بحث تاريخي، بل أن السلطة في بعض الفترات قامت باختراق التجمعات العلمية للفرق المعارضة لها واستطاعت دس المرويات المنسوبة لقياداتها التاريخية والفقهية والتي تؤيد الرؤية العباسية تجاه الحركات الاجتماعية المعارضة بطرق غير مباشرة.
والواقع أن وجود صدام طبقي، أو عقائدي، أو سياسي ما بين راوي النص التاريخي والقائمين على الحدث التاريخي الذي يرويه يجعل من المستحيل الحديث عن نصٍ محايد تماماً، فأغلب المصادر التاريخية تتعارض مع الحركات الاجتماعية من النواحي الثلاث، كما أن الاتفاق في ناحية أو ناحيتين لا يعني إهمال نقطة الخلاف الموجودة والتي تلقي بظلالها على ما يرويه المؤرخ.
وعلى سبيل المثال فإن المرويات الشيعية الرسمية من صاحب الزنج تتخذ مواقف سلبية عموماً، ومع ذلك فقد ذكرت المعاجم الشيعية أسماءً لمؤلفات ألفها بعض الشيعة المقربين من صاحب الزنج، والتي لم يكتب لها البقاء للأسف، ككتاب (أخبار صاحب الزنج) لأحمد بن إبراهيم العمي، وقد كانت كفيله بمنحنا رؤية صحيحة ومختلفة تماماً عن هذه الثورة