وقوله تعالى : ( فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ) اختلف المفسرون في معناه فأما على سياق ابن إسحاق ، عن سالم بن أبي النضر : أن بلعام اندلع لسانه على صدره - فتشبيهه بالكلب في لهثه في كلتا حالتيه إن زجر وإن ترك . وقيل : معناه : فصار مثله في ضلاله واستمراره فيه ، وعدم انتفاعه بالدعاء إلى الإيمان وعدم الدعاء ، كالكلب في لهثه في حالتيه ،: حملت عليه وإن تركته ، هو يلهث في الحالين ، فكذلك هذا لا ينتفع بالموعظة والدعوة إلى الإيمان ولا عدمه ; كما قال تعالى : ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) البقرة : 6 ] ، استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) [ التوبة : 80 ) ونحو ذلك .
قال الطبري: إنما هو مثل ضربه الله لسائر المكذبين بآيات الله ليتفكروا فيعلموا حقيقة أمرك وصحة نبوَّتك في علمك بذلك لأنه تضمن الحجة البينة عليهم بأنك رسول الله وأنك لم تعلم ما علمت من ذلك إلا بوحي، ساء مثلا القوم الذين كذبوا بحجج الله وأدلته.
قال ابن عاشور: الانسلاخ هو خروج جسد الحيوان من جلده بفعله هو، والسلخ هو إزالة جلد الحيوان الميت بفعل غيره.
قال ابن القيم: لما انسلخ من آيات الله ظفر به الشيطان ظفر الأسد بفريسته.
ومشهد المسلوخ الجلد المتعري البدن نموذج شاخص يجسد حالة المتعري السريرة المُعْرِض عن دلائل الوحي فاقد الوقاية بالإيمان كمن سلخ نفسه فلم يهلك إلا نفسه. وينقلك التمثيل إلى القفار لتعاين هاربا في الصحراء لتفترسه الضواري فيختار الهلاك على السلامة ولا يُسَلِّم بدلائل الحق كأبلغ تصوير لشدة العناد.
. و قمة البلاغة والدقة في التعبير أن القرآن لم يقل (فهو كالكلب) وإنما باعد بينهما فقال: (فمثله كمثل الكلب) تنزيهاً للحيوان الباقي على فطرته.
و العجيب أن المتعامي عن دلائل الحق لم يشبهه القرآن بالكلب حتى سلخ عنه (أي عن الإنسان) جلده فزالت غدد العرق فأصبح كالكلب الذي لا يملك غدد عرق وليس له إلا اللهاث بذل جهدا أو سكن.
قال أبو السعود: تشبيه ما اعتراه بعد الانسلاخ بما ذكر من حال الكلب
يقول سيد قطب ( إنسان يؤتيه الله آياته , ويخلع عليه من فضله , ويكسوه منعلمه , ويعطيه الفرصة كاملة للهدى والاتصال والارتفاع . . ولكن ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخاً . ينسلخ كأنما الآيات أديم له متلبس بلحمه ; فهو ينسلخ منها بعنف وجهد ومشقة , انسلاخ الحي من أديمه اللاصق بكيانه . . أو ليست الكينونة البشرية متلبسة بالإيمان بالله تلبس الجلد بالكيان ؟. ها هو ذا ينسلخ من آيات الله ;ويتجرد من الغطاء الواقي , والدرع الحامي ; وينحرف عن الهدي ليتبع الهوى ; ويهبط من الأفق المشرق فيلتصق بالطين المعتم ; فيصبح غرضاً للشيطان لا يقيه منه واق , ولايحميه منه حام ; فيتبعه ويلزمه ويستحوذ عليه . . ثم إذا نحن أولاء أمام مشهد مفزع بائس نكد . . إذا نحن بهذا المخلوق , لاصقا بالأرض , ملوثا بالطين . ثم إذا هو مسخ في هيئة الكلب , يلهث إن طورد ويلهث إن لم يطارد . . كل هذه المشاهد المتحركة تتتابع وتتوالى ; والخيال شاخص يتبعها )
لقد شبَّه الله تعالى حال أولئك الذين ارتدوا عن الإسلام بكلب يلهث، وقد تساءل العلماء عن سر لهاث الكلب ولم يهتدوا لشيء حتى من الله عليهم باكتشاف (المجهر) وعلم وظائف الاعضاء فوجدوا أن الكلب لا يخزن الهواء في رئتيه بل يأخذ الهواء ويزفره بشكل مستمر، والعجيب أن هذا اللهاث يبدأ مع الكلب منذ أن يكون جنيناً في بطن أمه ولا يتوقف إلا مع موته.
فالكلب يلهث من قلة الأكسجين لأنه لا يخزن أي كمية من الأكسجين بعكس الإنسان الذي تخزن رئتيه كمية محددة من الأكسجين .
علميا يخلو جلد الكلب من الغدد العرقية المنظمة لدرجة الحرارة وإن وجدت الغدد المنتجة للرائحة المميزة للكلاب. وتوجد أسفل أقدام الكلاب وحول الفم بعض غدد العرق وتقوم بمهمة الترطيب ولا تأثير يذكر لها على خفض درجة الحرارة. ولذا لا يملك الكلب إلا اللهاث لإخراج الحرارة الزائدة بتبخر الماء في النفس وإخراج لسانه لتعريض مساحة أكبر. واللهاث هو أنفاس سريعة ضحلة تتضاعف فجأة من 30-40 مرة في الدقيقة لتبلغ 300-400 مرة في الدقيقة مع إخراج اللسان. أثناء الراحة يلهث الكلب ويخرج لسانه من حين لآخر واذا جرى يشتد لهاثه فهو يلهث طبيعة حتى لو وضعت حملا فوقه ام لم تضع ولا يلهث فقط من شدة التعب كما تفعل بقية الحيوانات والانسان وعند لهاثه يخرج لسانه بعكس الانسان وقد يكون المراد ايضا ان الكلب يلهث إن طورد، ويلهث إن لم يطارد .
فجلد الإنسان يختلف عن جلد الكلب لوجود الغدد المنظمة لدرجة الحرارة وإذا تم سلخ جلد الإنسان سيفقدها فيصبح كالكلب الذي يفقدها ولا يملك إلا اللهاث بذل جهدا أو سكن.
في الآية دلالة ضمنية هي أن الإنسان يملك تركيبا يفقده الكلب فلا يملك إلا اللهاث بذل جهدا أو سكن، وبسلخ جلد الإنسان يفقد ميزته تلك مما يعني أن هذا التركيب الجلدي وظيفته تماما كاللهاث.
قال جل وعلا: " وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث "، الأعراف 176.
والتعريف في لفظ الكلب للجنس، وبالفعل يلازم اللهاث كل أفراد أسرة الكلبيات من الجنسين والتي تبلغ 32 نوعا من رتبة آكلات اللحوم. قد يصل ارتفاع الكلب الانجليزي القزم 6.5 سم فقط وهو يلهث مثل كل الأنواع، وقد يصل ارتفاع الكلب الدنمركي العملاق إلى 100 سم وهو يلهث حتى عند الراحة.
ولابد ان من فسر هذه الآيات بمعناها المجازي معذور خاصة في ظل غياب المعطيات العلمية المتوفرة الآن ولكن الواضح ان المقصود هو (مسخ بحق وحقيقة ) للذي اساء استغلال النعمة فصار مثل الكلب يخرج لسانه في كل حال ولا يستطيع ان يدخله الى فمه الا قليلا ومما ورد في اسباب نزول الآيات - حتى وإن اختلفت - فان محصلتها واحدة وهي قيام انسان ما بالدعاء باسم الله الاعظم على غيره دون وجه حق نصرة للباطل واتباعا للطاغوت والعجيب في الامر ان الشيطان هو من قام باتباعه اي صار خادما له (خدام) كما يفعل السحرة والمشعوذين الآن فكان غاويا بدلا من ان يكون هاديا ..وهذا شأن من كان تقيا فانقلب على عقبيه في كل زمان ومكان.
ومن اورد ان بلعام كلما اراد ان يدعو على نبي الله موسى دعا على قومه لم يتدبر المعنى جيدا . صحيح ان بلعام لم يستطع ان يقوم بالدعاء على موسى باسم الله الاعظم لأن الله سبحانه وتعالى منعه من ذلك بأن جعل لسانه خارج فمه ومن له دراية بعلم التجويد او الصوتيات يعلم تماما ان من الاستحالة ان تنطق نطقا سليما ولسانك خارج فمك كالكلب لا سيما الحروف الحلقية والجوفية ولو اخذنا مثلا اسم الجلالة (الله) فهو يخرج من اللهاة الى اقصى الحلق ولا يمكن ان تنطق به ابدا ولسانك خارج فمك !!
وكذلك الاسم الاعظم ...!!! ولذلك يظل الاسم الاعظم سرا خفيا
فكان ما حدث لبلعام من عقاب قد ضرب عصفورين بحجر : اولا : منعه من النطق باسم الله الاعظم في نفس الوقت اصبح اشبه بالكلب عظة لغيره بل انه اصبح كلبا فعلا بان منع منه العرق عبر المسام فصار يتمرغ في الارض بحثا عن البرودة كما يفعل الكلب (أخلد الى الارض.. وحرف إلى يفيد النهاية او الغاية ) وتلك نهاية كل من ينسلخ عن آيات الله
فبلعام يمثل حال الذين يكذبون بآيات الله بعد أن تبين لهم فيعرفوها ثم لا يستقيموا عليها . . وما أكثر ما يتكرر هذا النبأ في حياة البشر ; ما أكثر الذين يعطون علم دين الله , ثم لا يهتدون به , إنما يتخذون هذا العلم وسيلة لتحريف الكلم عن مواضعه
إنه مثل لكل من آتاه الله من علم الله ; فلم ينتفع بهذا العلم ; ولم يستقم على طريق الإيمان . وانسلخ من نعمة الله . ليصبح تابعاً ذليلاً للشيطان . ولينتهي إلى المسخ في مرتبة الحيوان
إنه مثل للعلم الذي لا يعصم صاحبه أن تثقل به شهواته ورغباته فيخلد إلى الأرض لاينطلق من ثقلتها وجاذبيتها ; وأن يتبع هواه فيتبعه الشيطان ويلزمه ويقوده من خطام هذاالهوى . .
يقول تعالى : (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران: 8]. في اشارة للتقلب الشديد للقلوب حيث لا يثبت ايمانها على حال اما صعودا او هبوطا ومن هنا كان
أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك )
والانسان الذي طبع على قلبه لن يسير قط على صراط مستقيم حتى لو اعيد مرة اخرى للحياة بعد ما رأى عذاب الآخرة و حتى لو لقن اسم الله الاعظم ..
يقول تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [الأنعام: 27-28].
قال عليه الصلاة والسلام ( إن ما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن، حتى إذا رئيت بهجته عليه، وكان ردئًا للإسلام، غيَّره إلى ما شاء الله، فانسلخ منه ونبذه وراء ظهره وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك، قال: قلت يا نبي الله: أيهما أولى بالشرك المرمي أم الرامي؟ قال: بل الرامي ) رواه ابن حبان في "صحيحه" قال ابن كثير : إسناده جيد.