أثمر القانون الانتخابي عن النتائج التي صمم من أجل إنتاجها: برلمان من قادة العشائر، متكيف بدرجة كبيرة مع رغبات ابو عمار فيما عدا انتخاب عدد ضئيل نسبيًا من المستقلين والقادة الوطنيين. وقد استقال أشهر الشخصيات الوطنية الذي فاز بعضوية المجلس التشريعي الفلسطيني، والذي حصل على أعلى نسبة من الأصوات، الراحل حيدر عبد الشافي، من البرلمان في نهاية المطاف، .
كانت هيئة الشؤون القبلية هي المؤسسة الرئيسية الأخرى التابعة للسلطة الفلسطينية، والمصممة لترسيخ المصالح القبلية والعشيرية في ظل ابو عمار، وقد شرّعت هذه الهيئة وضعية الجماعات القبلية (والعشيرية الكبيرة)، ومنحتها سلطات من وجوه عدة، ليس أقلها توجيه موارد الدولة نحو التشكيلات الاجتماعية القبلية. وعملت هيئة الشؤون القبلية على تقويض مؤسسات فرض القانون الرسمية عبر تشجيع قطاع العدالة "غير الرسمي"، أي طريقة "الصلح القبلي " في حل الصراعات. وتجدر الإشارة إلى أن مكتب رئاسة السلطة الفلسطينية قام بتشكيل وحدة متخصصة من الوسطاء، عملت كقوة "رد سريع" في عمليات المصالحة، من أجل منع تفاقم عمليات القتل القبلية، وتحولها إلى حروب قبلية (أو عشائرية) شاملة. وبالإضافة إلى وحدة الوسطاء القبليين هذه؛ شكلت السلطة الفلسطينية هيئات متخصصة بالعرف - القانون السائد - والإصلاح (حل النزاع وفقًا للقانون السائد).
للوهلة الأولى ربما يتعجب المراقب من تفعيل الوساطات القبلية وقانون العرف القبلي، بوصفه تطورًا إيجابيًا مصممًا للتقليل من الخصومات الاجتماعية الداخلية بين الجماعات الاجتماعية الفلسطينية. وهذا ما قامت به فعلاً بدرجة معينة، وخاصة بعد تدمير المنشآت التابعة لشرطة السلطة الفلسطينية بدءًا من سنة 2000م، لكن هناك عيوبًا خطيرة في مثل هذه المقاربة، عدا إضعافها للمؤسسات القضائية الرسمية بفلسطين؛ فعلى سبيل المثال: تميل القبائل الأكثر قوة إلى التمتع بقدر أعلى من العدالة، ويجري إقصاء المرأة بطريقة منهجية من عملية العدالة القبلية، مما يحرمها أي عدالة، ولا يتمتع الأفراد ولا العائلات المهمشة - كما النساء - بأي حماية في ظل القانون القبلي.
عملت السلطة الفلسطينية كما لو كانت قبيلة كبيرة في عدد من الحالات، فعندما يقدِم عنصر من الشرطة، أو مسؤول أمني- على الخصوص- على قتل مدني فلسطيني، غالبًا ما تدفع السلطة الفلسطينية الدية بدلاً من فتح تحقيق رسمي، وتحميل المعنيين المسؤولية شخصيًا.
كان الهدف من إضفاء الطابع القبلي على السياسة - كما سبق أن أشرنا - هو إضعاف النخبة الجديدة، والأحزاب والفصائل السياسية التي تمثلها. ورغم أن المقصود من هذه السياسة - على وجه الخصوص – كانت "حركة حماس" والكوادر التابعة للأحزاب اليسارية في منظمة التحرير الفلسطينية (التي أظهرت أنها أكثر تنظيمًا من فتح)؛ إلا أن تلك السياسة هدفت أيضًا إلى تجريد العناصر الشابة في فتح من نفوذها. وفي هذا السياق، عملت فتح على تحويل نفسها إلى حزب كبير ، أضفى مسحة اجتماعية وسياسية على من يريد التمتع بالنظام القائم على المحسوبيات. وفي ظل انعدام أية ميول إيديولوجية لدى القبائل والعشائر - بحكم طبيعتها - فقد كانت سعيدة بركوب عربة فتح بعد العام 1994م، وانسجمت الأجندة السياسية بشكل رائع مع مصالح القبائل والعشائر الفلسطينية، وأصبحت فتح الخيار المفضل لدى أغلب العشائر.
دور العشائر
على النقيض من الانتفاضة الأولى؛ قوّت الانتفاضة الثانية - التي بدأت في العام 2000م في أعقاب انهيار مفاوضات السلام - نفوذ العشائر الفلسطينية؛ فالسنوات الست من حكم السلطة الفلسطينية على عهد عرفات عززت بوجه عام السياسات العشيرية، وأضعفت السياسات التي تعتمد على المؤسسات، بسبب العوامل التي تقدمت الإشارة إليها. ولذلك أضحت العشائر بشكل عام في وضع جيد للاستفادة من الأزمة الاجتماعية التي أحدثتها انتفاضة الأقصى. وبما أن العشائر الرئيسية أصبحت مسلحة الآن؛ فقد عنت هذه الحقيقة أنها تستطيع توفير الحماية والأمن لأفرادها، مما جعلها أكثر جاذبية! ومع تفكك قوات الشرطة والأمن حمل العديد من الأعضاء أسلحتهم ببساطة، وعادوا إلى مقرات العشائر.
سرعان ما انهارت مؤسسات فرض القانون والنظام التابعة للسلطة الفلسطينية، مع اندلاع الانتفاضة الثانية، ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى أنها أصبحت الأهداف الرئيسية للنشاطات العسكرية الإسرائيلية. وبناء على ذلك؛ دمرت إسرائيل كافة مراكز الشرطة، ومباني الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية. ومع شل عمل قوات الشرطة؛ بالكاد استمر النظام القضائي في العمل. وباختصار، فقد دُمر الإطار المؤسسي للسلطة الفلسطينية، مما أرغم المجتمع الفلسطيني على العمل في غياب أي سلطة رسمية، سواء السلطة الفلسطينية أم قوات الاحتلال. وفي سياق هذه العودة إلى دولة أقرب ما تكون في طبيعتها إلى "الهوبيسية"، باتت الجماعات البدائية - أي العشائر - في وضع مثالي لتوفير الأمن، والقيام ببعض الوظائف الاجتماعية الأساسية لأفرادها.
أصبحت قدرة العشائر على توفير الحماية لأفرادها ميزة ضرورية في الحياة الفلسطينية، في ظل الغياب شبه المطلق للدولة، وبخاصة أن الأعمال المناهضة لإسرائيل قد أفسحت المجال ببطء أمام مزيد من الاقتتال الداخلي بين الفصائل الفلسطينية، وزيادة معدلات الجريمة. ووجد الفلسطينيون من أبناء العشائر الضعيفة أنفسهم أكثر عرضة للجرائم، على اعتبار أن أسماء عائلاتهم لم تُشكل رادعًا يحول دون وقوعها. وغالبًا ما كان في استطاعة الفلسطينيين من أبناء العشائر القوية تجنب الوقوع ضحايا الجريمة ببساطة، بسبب أسماء عشائرهم. والسبب هو أن المجرمين يدركون العواقب الخطيرة التي ستترتب على مهاجمة شخص من عشيرة قوية.
وإضافة إلى ضمان الأمن الشخصي، أضحت العشائر ملاذًا للأمن المادي في ظل ظروف شهدت معدلات بطالة مرتفعة واقتصادًا منهارًا، إذ كان يجري شغل أية وظائف قليلة شاغرة من قبل أفراد العائلة، وبخاصة في اقتصاد تهيمن عليه الأعمال التجارية الصغيرة التي تديرها العائلات. وبالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما تعيد العشائر توزيع المداخيل الشحيحة على كافة الوحدات العائلية، مما يضمن حصول كافة أفرداها على موارد تكفيهم للبقاء. وأصبح هذا النوع من إعادة التوزيع العائلي للموارد (كانت هذه إحدى الوظائف القديمة للعشائر) أمرًا متعارفًا عليه، مع تأسيس صندوق للعشيرة، يديره أفراد من كبار السن المؤتمنين من أبنائها. ويتوقع من أفراد العشيرة من أبناء الشتات الإسهام في هذا الصندوق. وصار هذا هو الإجراء الضروري لمنع ظهور معدلات مرتفعة من حالات سوء التغذية والحرمان بين الفلسطينيين، لا سيما في غزة.
في ظل غياب تشريعات الدولة لعبت العشائر دورًا رئيسيًا في اقتصاد غير رسمي كذلك، واعتمد هذا الاقتصاد على الابتزاز في بعض الحالات. وعلى سبيل المثال؛ كانت العشائر تقيم بشكل دوري حواجز على الطرقات، وتتقاضى جباية من المركبات للسماح لها بالمرور بأمان، وهنا كذلك، كانت هذه النشاطات تُرى في قطاع غزة بشكل أساسي. كما زادت عمليات الخطف التي تقوم بها العشائر من أجل الحصول على فدية خلال تلك الفترة، فقد شكل الصحافيون أهدافًا مفضّلة. وتميزت النشاطات الإجرامية الأخرى (كسرقة السيارات وإعادة بيعها) بتنظيمها على امتداد الخطوط العشيرية أساسًا، وأضحى التهريب مصدرًا رئيسيًا للمال بالنسبة إلى بعض العشائر. ومع تفشي ظاهرة التهريب في كل من الضفة الغربية وغزة، إلا أن الحاجة إليها كانت أكثر إلحاحًا في القطاع، وبالتالي أصبحت تجارة مربحة هناك. وأصبحت هذه الحقيقة أكثر تجليًا في أعقاب انتخابات 2006م التي فازت فيها حماس، وبعد تشديد الحصار الذي فرضته إسرائيل على القطاع.
يشكل التهريب عبر الأنفاق بسبب الحصار الخانق علي غزة - والانفاق الممتدة بين رفح والجانب المصري من الحدود - مصدرًا مهمًا للدخل، بالنسبة إلى بعض العشائر وتتقاضي عمولات على استخدامها، ويبدو أن الوقود والسجائر والسلع الاستهلاكية الرائجة الأخرى هي أكثر البنود المهربة شيوعًا إلى غزة.
كان لاستشهاد القائد الرمز ابو عمار في تشرين الثاني/ نوفمبر 2004م أثر سلبي على العشائر الفلسطينية؛ فقد كان ابو عمار مصدر التحكم الشخصي، الذي وزع وسيطر على عمليات توزيع المناصب من الجهات الفاعلة المتنوعة، بما في ذلك العشائر المتحالفة معه. ولم تتمكن السلطة الفلسطينية، ولا فتح، ولا منظمة التحرير الفلسطينية من الحلول محل ابو عمار، من حيث قدرته على رسم سياسات وسلوكيات العشائر .
وقد يتجلى التمثيل الأبرز لتزايد نفوذ العشائر في الفترة التي انهارت فيها السلطة الفلسطينية في غزة، في أعقاب انسحاب إسرائيل من المستوطنات هناك، سنة 2005م؛ ففي أعقاب انسحاب إسرائيل، سيطرت العشائر القوية على بعض من أراضي المستوطنات التي جرى إخلاؤها - وهي العقارات المهمة التي تمتد بموازاة الشاطئ. وسواء أكانت السلطة الفلسطينية تحت سيطرة فتح أم تحت سيطرة حماس في غزة، فإنها ما تزال عاجزة عن طرد العشائر من أراضي تلك المستوطنات حتى يومنا هذا.
سياسات العشائر في ظل حكم حركة حماس لغزة
عزز فوز حماس في الانتخابات النيابية - التي جرت في كانون الثاني/ يناير 2006م - من نفوذ الحركة في فلسطين بدرجة كبيرة، وعلى الخصوص في غزة .
تبنت حكومة حماس في البداية موقفًا متشددًا من العشائر، وذلك في جزء من خطة واسعة بخفض مظاهر الفلتان في غزة؛ فقد عادت معدلات الجريمة إلى مستوياتها المعتادة، بعد أن كانت قد ارتفعت بنسبة 50% بين عامي (2005م و 2006م). كما حظرت حماس بفاعلية استخدام العشائر والفصائل للسلاح وحظرت حكومة حماس كذلك المظاهر المسلحة العلنية، وإطلاق الأعيرة النارية في حفلات الزفاف، سعت حماس في غمرة حماسها إلى حل الميليشيات المرتبطة بالعشائر، فبدأت بمهاجمة عائلة "دغمش" ، التي كانت قد اختطفت مراسل محطة bbc "ألان جونستون"، في آذار/ مارس 2007م؛ وبعد معركة ضارية بالأسلحة الرشاشة في مستهل تموز/ يوليو، أذعنت عائلة دغمش وأطلقت سراح جونستون. وبعد ذلك انتقلت إلى مواجهة عائلة "حلس"، في تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه، وهي عائلة تعرف بعلاقاتها الوثيقة مع "حركة فتح". وفي حين استطاعت حماس إنزال الهزيمة بعائلة "حلس"،
ثم عمدت حماس إلى تغيير خطابها بدرجة معينة، في جزء من حملة إيجابية كبيرة تهدف إلى التودد إلى العشائر؛ فبدلاً من محاولة إضعاف "العصبية" عمدت حركة حماس إلى مدح العرف بوصفه قانونًا ينسجم مع الشريعة الإسلامية بدرجة كبيرة ويكملها. كما أثنت حماس على العادات الاجتماعية المحافظة التي تتمسك بها العشائر التقليدية، معترفة بذلك بأنها تشاركها تلك القيم.
العشائر والقبائل والدولة: -العشيرة سيف ذو حدين: فمن ناحيةٍ، تدعم العشيرة الاستقرارَ بوضوح، وتخفف من وطء الانهيار الاجتماعي في ظل الظروف الصعبة الناتجة عن تفكك الدولة، كما أنها توفر الأمن الشخصي، والمورد المالي اللازم للبقاء في ظل الظروف "الهوبيسية". ومن ناحية أخرى، تضعف الميليشيات العشيرية والنظم القضائية العشيرية بشكل مباشر بناء الدولة وكفاءتها؛ فالميليشيات العشيرية تمنع الدولة من التمتع باحتكار الاستخدام الشرعي للقوة، والذي يعد حجر الزاوية الذي يشكل ماهية الدولة. وإن كان حل الصراعات على الطريقة العشيرية يساعد على إحلال السلم الاجتماعي في ظل غياب الدولة؛ إلا أنه يضعف مؤسسات الدولة ومعايير العدالة غير المنحازة في ظل ظروف بناء الدولة. وبالتالي، فإن السياسات التي تشجع على منح العشائر صلاحيات ربما تكون ملائمة في الظروف الشديدة عندما تلوح في الأفق كارثة إنسانية، أو ربما تشكل جزءًا من إستراتيجية لمجابهة التمرد، لكن يوجد عيب واضح في مثل هذه السياسات، عندما يكون الهدف تعزيز مؤسسات الدولة، أو جعلها أكثر فاعلية، والذي بدوره يمكن أن يوفر مزيدًا من الاستقرار والأمن، ومعايير العدالة.
- يتناسب نفوذ القبائل والعشائر وهويتها عكسيًا مع نفوذ الدولة وهويتها: أضحى نفوذ العشائر الفلسطينية - وبخاصة في غزة - أقوى بكثير اليوم ،منه قبل أي وقت مضى خلال السنين الأربعين الماضية، أو حتى قبل عقد مضى. في الواقع، أصبحت العشائر والهوية العشيرية أعظم أهمية مع انهيار السلطة الفلسطينية، وحتى في ظل الاحتلال العسكري من قبل دولة إسرائيل، لعبت العشائر دورًا أقل أهمية في حياة الفلسطينيين وبالتالي، فرغم عدم زوال العشائر بعد أن تصبح الدولة أقوى وأكثر فاعلية، إلا أن دورها يستمر في حياة الناس وإن كان متقلصًا، بحيث يقتصر على النشاطات الاجتماعية في الأغلب، وفي حال اعترى الضعفُ الدولة، تلعب العشائرٌ أدورًا أعظم أهمية، بما في ذلك تأمين الأمن الحسي والمالي.
- تحاشي إضفاء مسحة رومانسية على القبائل والعشائر: إن القبائل التي نعرفها اليوم لا تشبه القبائل التي عاشت قبل قرن مضى، أو قبل 50 سنة مضت، أو حتى قبل جيل مضى؛ فالعشائر الفلسطينية - كما العشائر والقبائل في أي مكان آخر في العالم العربي اليوم - تنجب حصتها من الأطباء، والمحامين، والمهندسين اللامعين ورفيعي الثقافة. وبينما كان بوسع القبائل - قبل قرن أو قرنين - العيش دون الشعور بسلطة الدولة؛ فالحال لم يعد كذلك الآن، فالسياسة تكمن اليوم في الصلة القائمة على التفاعل بين الدولة والجماعات الاجتماعية المتنوعة، والقبائل والعشائر. وتساعد الهواتف الخلوية، والحواسيب المحمولة في اليد، على توصل الدولة إلى الاستفادة المثلى من القبائل والعشائر، بما يخدم غاياتها السياسية والخاصة
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم وائل الريفي , فلسطين