بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد تجسد ارتباط المغاربة بالقدس الشريف منذ اللحظات الأولى لاعتناقهم الإسلام ،فقد كان جُلُّهم يمر بالشام بعد إتمام فريضة الحج حتى ينعم برؤِية المسجد الأقصى المبارك مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم و يصلي فيه ليحقق الأجر في الرحلة إلى المساجد الثلاثة (المسجد الحرام و المسجد النبوي و المسجد الأقصى) حرصا منهم على تطبيق الحديث الشريف -" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي" متفق عليه، والحديث الآخر - ( الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي – أي المسجد النبوي - بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة) .
كان المغاربة يقصدون المسجد الأقصى كذلك طلبا للعلم, كما أن الكثير من أعلام المغرب أقاموا هناك لبضع سنوات, كأمثال الشيخ سيدي حرازم المتوفي بفاس أواسط القرن السادس و الشيخ المقري التلمساني صاحب كتاب "نفح الطيب".
لم تكن فريضتا الحج و طلب العلم هما الدافعان الوحيدان لتواجد المغاربة في فلسطين , بل كان هنالك دافع ثالث لا يقل أهمية و هو المشاركة في الجهاد خلا ل الحروب الصليببية. فقد تطوع المغاربة في جيش نور الدين زنكي وأبلوا بلاءاً حسناً, و بقوا على العهد زمن صلاح الدين الأيوبي إلى أن تحررت مدينة القدس من قبضة الصليبيين. و بعد الفتح اعتاد المغاربة أن يجاوروا قرب الزاوية الجنوبية الغربية لحائط الحرم أقرب مكان من المسجد الأقصى. وتكريما منه لجهودهم وَقَفَ الملك الأفضل ابن صلاح الدين الأيوبي هذه البقعة على المغاربة سنة 1193 (583 ه) و هي نفس السنة التي توفي فيها صلاح الدين بعد خمس سنوات من فتحه المدينة. سُمي الحي منذ ذلك الحين باسم حارة أو حي المغاربة, وكان يضم بالإضافة إلى المنازل عديداً من المرافق, أهمها المدرسة الأفضلية التي بناها الملك الأفضل و سميت باسمه.
عمل الكثير من المغاربة بعد ذلك على صيانة هذا الوقف و تنميته, باقتناء العقارات المجاورة له وحبسها صدقاتٍ جارية. من أشهر هؤلاء, نذكر العالم أبا مدين شعيب تلميذ الشيخ سيدي حرازم ودفين تلمسان (594 هـ) الذي حبس مكانين كانا تحت تصرفه, احدهما قرية تسمى عين كارم بضواحي القدس والآخرُ إيوانٌ يقع داخل المدينة العتيقة و يحده شرقا حائط البراق.
صلاح الدين الأيوبي ويعقوب المنصورالموحديبعث القائد صلاح الدين الأيوبي إلى السلطان يعقوب المنصور الموحدي سنة 586 هـ ، يطلب إعانته بالأساطيل الحربية لمنازلة عكا وصور وطرابلس الشام بعد معركة حطين وفتح بيت المقدس . وقد أوفد على رأس هذه البعثة الهامة قائد الجيش الأميرأبا الحرث عبد الرحمان بن منقذ الشيرزي طالبا أن تحول القوات المغربية في البحر بين أساطيل الفرنج ، وبين إمداد النصرانية بالشام من الجهات الأخرى .
فجهز له السلطان يعقوب المنصور 180 أسطولا كان لها أثر قوي في منع النصارى من سواحل الشام .
وكان هذا الأسطول الضخم مصحوبا بعدد كبير من العسكر المدربين وكذا المتطوعين والمرشدين والمجاهدين المغاربة ، وبهذا يفسر التحاق عدد كبير من المغاربة بالشام ، وكان فيهم الصناع والعمال والفقهاء ، من أمثال أبي الحجاج يوسف بن محمد المعروف بابن الشيخ الذي غزا بالمغرب مع الموحدين وبالشام مع صلاح الدين الأيوبي . كما ذكر العماد الأصفهاني من بين الشخصيات التي صاحبت صلاح الدين في جهاده للصليبين الأمير عبدالعزيز بن شداد ابن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي . كما وفد من الأندلس في هذه الفترة عدد من الأطباء الأندلسيين المشاهير من أمثال أبي الحكم تاج الحكماء عبدالله بن المظفر الباهلي (ت 549 ) ، وابنه أبو المجد محمد بن عبد الله الباهلي الملقب بأفضل الدولة ، وعبد المنعم الجيلاني ( نسبة جليانة على مقربة من غرناطةجنوب شرق الأندلس ) المتوفي سنة 612 هـ .
وهناك فئة من المغاربة الذين اشتغلوا في عدد من الميادين العلمية والإدارية في القدس بعد تحريرها، وخاصة في مجال القضاء ، فقد عملوا على استحداث منصب قاضي المالكية بهذه المدينة ونجحوا في ذلك ، وقد شغل هذا المنصب عدد من المغاربة ، منهم على سبيل المثال القاضي عيسى بن محمد المغربي الشخمي الملقب بشمسالدين ، فقد شغل هذا المنصب حتى عام 872 هـ ، ومنهم القاضي حميد الدين محمد بدر الدين المعروف بابن المغربي ، الذي تولىقضاء المالكية بالقدس والرملة في آن واحد ، ، وربما كان اخر القضاة المغاربة في مدينة القدس العلامة الغرناطي شمس الدين محمد بن علي الأزرق المغربي الأندلسي المالكي ، وقد باشر عمله بهذا المنصب في السادس من شوال سنة 896 هـ
أوقاف المغاربة تحت الاحتلال البريطاني والاغتصاب الصهيوني ظلت جميع الأوقاف المغربية
محفوظة عبر السنين, وظلت الدُّول المتعاقبة على الحكم تحترمها خاصة أيام الدولة العثمانية الى ان جاء الاحتلال البريطاني سنة 1917م حيث قامت العصابات الصهيونية في السنوات العشر الأولى للاحتلال البريطاني لفلسطين بمحاولات عدة للاستيلاء على حائط البراق وعلى منطقة حي المغاربة ، وكان أول عمل قام به اليهود بعد احتلالهم مدينة القدس سنة 1387هـ ( 1967 م) الاستيلاء على حائط البراق ، ودمروا حارة المغاربة ، وتم تسويتها بالأرض بعد أربعة أيام من احتلال القدس ، حيث توجهت الجرافات اليهودية إلى الحي المغربي داخل أسوار مدينة القدس وهدمته بكامله ، وشردت 135 عائلة من سكانه المسلمين بلغ عدد أفرادها 650 ، كما نسفت 34 داراً أخرى مجاورة ومصنعاً للبلاستيك ، وشرد سكانها وعمالها البالغ عددهم حوالي 300 آخرين .
وكان في حارة المغاربة قبل أن تهدم أربعة جوامع ، والمدرسة الأفضلية وأوقاف أخرى.
وأصبحت حارة المغاربة في ذاكرتنا بعد أن كانت أوقافاً إسلامية ، ويطلق عليها اليهود الآن كذبا وزورا"ساحة المبكى" بعد أن دفنوا تاريخ حارة وقفية إسلامية مغربية .
السياسة الصهيونية تجاه الأوقاف المغربية تعد الأوقاف الإسلامية إحدى بؤر الصراع مع الصهاينة بأرض فلسطين المحتلة عموما ، وبالقدس الشريف على وجهالخصوص ، نظرا لما تختزله هذه الأوقاف من معالم حضارية ناطقة بعمق انتماء هذه البلاد إلى حظيرة الأمة العربية والإسلامية ، والكاشفة في ذات الوقت عن زيف الادعاءات الصهيونية في "ارض الميعاد " المزعومة ، ونظرا لأهمية هذا الأوقاف فقدطالتها يد الاغتصاب الصهيوني إما بنسفها لمحو آثارها وإما بتشويه معالمها الحضارية ،وإما بمصادرتها من أصحابها ووضع اليد عليها بالتصرف الذي لا تقره لا الشرائع الإلهية ولا القوانين الدولية ، ولعل من أكثر الأوقاف التي استهدفتها الآلة الصهيونية الغاشمة ، أوقاف المغاربة بالقدس الشريف ، لما تتمتع به من خصوصيات الجوار للمسجد الأقصى وكثرة عقاراتها ، ووفرة خيراتها ودوام عناية أهلها بها خلفا عن سلف، ولقد كانت منطقة أوقاف المغاربة وبالذات حائط البراق الذي يتصل بمنازل المغاربة أولى نقطة الصدام العربي الصهيوني .
وهكذا بدأت الصهيونية الغاشمة في بسط سيطرتهاعلى أجزاء من الأوقاف المغربية بمجرد قيام الكيان الصهيوني على ارض فلسطين ، ثم عمدت بعد ذلك إلى مصادرة البقية الباقية من تلك الأوقاف في يونيو 1967 م ، فضمتها إلى أملاكها وأخلتها من سكانها ، كما عمدت إلى نسف الحي المغربي وتسويته بالأرضمستعيضة عنه بساحة عامة قريبة من حائط البراق ، وقد تمت عملية الإجلاء مساء يوم 10يونيو 1967 وصباح اليوم الموالي شرعت السلطات الصهيونية في الهدم الكلي للحي .
وقد أتت معاول العدوان الغاشم في ظرف بضعة أيام على 138 بناية من ضمنها جامع البراق الشريف وزاويته و"جامع الأفضلية " ومكتب إدارة الأوقاف ومخازنها.
ولم تمض سنة على هذه الكارثة المهولة حتى أقدم الكيان الصهيوني إلى إصدار قارا جائر يقضي بامتلاك عدد من الأراضي والعقارات كان فيها ما ترجع ملكيته لوقف الشيخ أبي مدين وأوقاف المحسنين المغاربة.وقد اعترض المتوليان الشرعيان على الأوقاف المغاربة آنذاك السيدان عيسى هاشم السوسي ومحمد إبراهيم عبد الحق الفكيكي على هذا القرار اليهودي محتجين أن القوانين والشرائع الدولية للدولة المحتلة لاتجيز أن تستملك أي قطعة من الأراضي المحتلة ، وأن هذه العقارات هي أوقاف إسلاميةغير قابلة للبيع أو التصرف بالهدم أو الهبة أو غيرها ، وطالبا في وثيقتها بإعادةالنظر في قرار وضعة اليد على الأوقاف المغربية ، على الأقل أسوة بممتلكات وأراضيومقدسات الجاليات اليهودية في بلاد المغرب .
ثم استهدفت السياسة الصهيونية الأوقاف المغربية مرة أخرى بالهدم والنسف سنة 1971 بدعوى القيام بحفريات واستكشاف الآثار اليهودية بين أوقاف المغاربة .ورغم هذه السياسة الاستئصالية التي سلكتها الدولة العبرية تجاه الأوقاف المغربية فإنها ستظل شاهدة على عمق الارتباط الذي كان يربط المغاربة ببيت المقدس ، وستشهد أيضا على صدق الإيمان الذي حمل المغاربة على الإنفاق بسخاء من أجل أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم.
خاتمة
إن وعي أهل المغرب بالمكانة الدينية للقدس والمسجد الأقصى المبارك باعتباره مسرى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم و أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين الذي تشد الرحال إليه ،ومكانته الحضارية باعتباره ملتقى الحضارات القديمة ، وبؤرة الصراع السرمدي بين الحق والباطل جعلهم يتعلقون به تعلقا شديدا ورائعا وقد جسدوا هذا الوعي من خلال التضحيات الكبيرة والسخية التي قدموها عبر سنين طويلة وفي مختلف الحقول والميادين ،ومن خلال المشاركة في العمليات الحربية والجهادية على عهدي القائد نور الدين زنكي و القائد صلاح الدين الأيوبي لتحريره من قبضة الصليبيين المغتصبين ، أو من خلال العمل في الميادين الإدارية والصحية بالأرض المقدسة ، و كذلك الإشراف على الأوقاف المغربية هناك ...
وإنه لحري بأبناء المغرب في هذا الزمان حيث فلسطين و القدس و المسجد الأقصى تحت الاحتلال الصهيوني، أن يستحضروا هذه المواقف البطولية وأن يقتدوا بالعائلات من اصول مغربية في فلسطين بكل فخر واعتزازقدمت هذه العائلات العديد من الشهداء من أجل فلسطين وبيت المقدس ومنهم عائلة الريفي المجاهدة التي قدمت العشرات من الشهداء والجرحة وهناك منهم قابعي في السجون الصهيونية المريرة وهذه المقالة ننشرها للمغاربة ولكل العرب لكي تذكرهم بتاريخ أجدادهم المشرق في الأرض المقدسة ، عسى أن توقظ في نفوسنا روح الفداء والبطولة التي ميزت أجدادنا تجاه مغتصبي بيت المقدس بالأمس ، فيرتقوا إلى أن يكون لهم شرف تحريرها وتطهيرها من رجس الصهاينة كما شارك أجدادهم في تطهيرها من رجس الصليبيين أيام صلاح الدين الأيوبي.
يدعي اليهود الصهاينة ان لهم حقا تاريخيا في فلسطين وأنهم أولى الشعوب بهذه الأرض المباركة والحقيقة أن هذا مخالف للحقيقة التاريخية التي تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الفلسطينيين العرب الكنعانيين هم أبناء فلسطين الأصليين وان إقامة اليهود في ارض فلسطين لا بد ان تزول قريب ولذلك فلا بد أن تزول دولتهم وتدمر
بسم الله الرحمن الرحيم
(وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين)
وائل الريفي فلسطين المحتلة مدينة غزة المحاصرة.
يتبع