.
تَلمسان ياجرح التاريخ وجماله
وياوجه الحزن وسعادته
العابر بتلمسان الجزائرية لأول مرة.. قد يظن أنها بلدة شاميّة هاجرت بناسِها وبساتينها وينابيعها وأغانيها.. بزهرها.. ونضرة الوجوه فيها.. هاجرت من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب.
والواقف فوق أعلى قمة من هضبة « لا لا.. ستي » الصخرية البيضاء.. التي تحتضن تلمسان من جنوبها بانحناءةِ هلالِ ابن يومين ـ الواقف هناك ـ إذا مَدّ بصر في صباح صيفٍ إلى ما وراء مضيق البحر المتوسط، يظن أن تلمسان مدينة أندلسية كبيرة هربت بأسطحتها القِرميدية وقصورها ومُوشّحاتها من عَدْوَةِ البحر في الشمال.. إلى التلال العالية في الجنوب بعد أن تساقط نصف متاعها وأبنائها أثناء الرحلة الخائفة.
ومن مكانها في الجنوب كانت تلمسان تستطيع من فوق التلال أن تتطلع كل صباح إلى الأندلس أو تتذكر على الأقل.
والمؤرخون القدامى والمُحدَثون الذين كتبوا عن تاريخ تلمسان كانوا يؤكدون بشهادةٍ قاطعة أن المدن العربية في الأندلس حين خرج منها العرب اتجه أهل كل مدينة من مدنها الكبيرة إلى ناحيةٍ عبر البحر.. فأهل قُرطُبة يَمّموا شطرَ « تلمسان ».. على حين نزل الوافدون من إشبيلية في « تونس ».. بينما حلّ أهل غرناطة بمدينة « فاس » بالمغرب العربي. ولعلّ ولع الأهلين بالموشّحات الأندلسية وحفاظهم عليها حتّى الآن في هذه المدن الثلاث هو خير دليل على صحة ما رواه المؤرخون، إن لم يكن هذا الولع مَرويّاً بحَنينٍ حزين إلى الماضي؛ خاصة وأنه الميراث الأخير الذي ما زال يحتفظ به الأندلسيون من الأندلس وما نبرةُ الحزن التي تَشيع بعَبَقها التاريخي في هذه الموشّحات إلاّ تلويح وداعٍ أبديّ لوطنٍ قد فُقد إلى الأبد.
إن هذه العوده الصغيرة إلى تاريخ تلمسان قد تغيب عن البال، إذا كان العابر بها يمرّ بمدينة الينابيع لأول مرة. وإذا حدث أن كان مروره بها في شهر نيسان، فإنه قد يظن أن هذه المدينة الصغيرة الضاحكة لم يَعرف وجهُها البكاء أبداً.
لم ينغرس بصدرها سهمٌ يوماً ما.. لم يتهدّم فيها بيت.. ولم يَطُف بأسوارها غازٍ.. لم يَجُع فيها طفل ولا امرأة. تلك لأن كل ما في تلمسان الآن يضحك.. يسير بعطره.. يحمل بين أضلاعه إرثاً تاريخياً، ويقضي نهاره في بستان يغرق المدينة، ويَدَع ليله لموشّحٍ قد يتموّج مع الليل على مهل من هذه النافذة الصغيرة العالية أو تلك.
تمر بتلمسان الآن.. فتجد الأطفال بأناشيدهم في باحات المدارس.. وزهور اللوز باشتعالها الأبيض في البساتين.. والعيون المكحولة الخَجلى في أسواقها الضيقة.
أمّا إذا عُدتَ إلى كتب التاريخ لتسأل عن تلمسان.. فإنك ستزداد إعجاباً بها، بقدر ما سيحزنك ما مر بها من أمم غازية، ومن حروب دامية. إلاّ أن ما يلفت النظر في تاريخ هذه المدينة أن الأمم والقبائل الغازية لها قد كانت في كل مرة تُضيف إلى تلمسان من المباني والمآثر أكثر مما تهدمه فيها.. بل إن بعض هؤلاء الغزاة قد كانوا لا يضيفون شيئاً لعمران هذه المدينة قبل أن يرمّموا ما تهدّم على أيديهم منها، مهما امتدّ بهم زمان حكمها أو قَصُر.
وفيما عدا فترتين متأخرتين من تاريخ هذه المدينة، فإن كل الفترات السابقة، وكل الحكام السابقين لها على مَرّ التاريخ قد أكّدوا لتلمسان شخصيتها المتميزة من النواحي التالية:
أ ـ شخصيتها التاريخية والفكرية.
ب ـ شخصيتها الجغرافية والاقتصادية.
ج ـ شخصيتها العمرانية والفنية.
شخصية تلمسان التاريخية
تعاقب على حكم مدينة تلمسان، بغرب الجزائر، الأممُ والشعوب التالية:
• البربر: وبَنَوا فيها أصل المدينة القديمة وهي « أغادير »، أي القلعة. وأطلقوا على البلدة كلها اسم « تلمسان » أي الينابيع.
• الرومان: وقد حكموا المدينة من بداية الربع الأخير من القرن الخامس الميلادي إلى عام 671م عند قدوم العرب المسلمين بقيادة عُقبة بن نافع.
• الفاندال: وقد مرّوا بها خلال فترة الحكم الروماني للمدينة، ثم طُردوا منها من جديد على يد الرومان الكاثوليك.
تلمسان في العهد الإسلامي
• منذ عام 671م وحتى نهاية الحكم الأموي وبداية الحكم العباسي ظلت تابعة للأمويين والعباسيين.
• بنو زناتة: وقد حكموها منذ بدايات القرن الثامن الميلادي حتى نهاياته تقريباً.. حينما انشقّوا عن العباسيين مع حركة انشقاق الخوارج في المشرق... وذلك بقيادة زعيمهم « أبو قرّة » من « بني يفرن » وهي فخذ من زناتة.
• الأدارسة: قدموا من فاس بالمغرب، واستولوا على تلمسان بالمصالحة مع زعيم قبائل زناتة، وظلوا يحكمون تلمسان طيلة القرن التاسع الميلادي.• الصَّنهاجيّون: من أتباع الفاطميين، وقد حاصروا تلمسان عام 937م وفتحوها.
• المرابطون: وهم قبائل من موريتانيا والسنغال حاصروا المدينة عام 1079م بزعامة « يوسف بن تاشفين » وفتحوها وبَنَوا فيها ضاحية « تاغرارت ».
• الموحِّدون: وقد كانوا يتركزون في الجبال الداخلية في المغرب العربي بزعامة « ابن تُومَرْت »... وقد أرسل ابن تُومَرت صديقه « عبد المؤمن » لفتح تلمسان فحاصرها عام 1143م، ودام حصاره لها سنين حتى انهزم المرابطون، وفُتحت المدينة لهم، ودام حكمهم لها 40 سنة.
• بنو عبدالواد أبو الزيانيّون: وقد كانوا بدواً رُحَّلاً استخدمهم الموحِّدون للحفاظ على تلمسان، إلاّ أن شوكتهم قد قويت فيها، وعلا شأنهم حينما استطاعوا أن يصدّوا قبائل ( بني غانية ) الطامعة في تلمسان، فما كان من الخليفة الموحِّدي بالمغرب إلاّ أن كافأ زعيمهم بتعيينه حاكماً له. واستمر حكم بني عبدالواد لتلمسان ثلاثة قرون، ابتداء من القرن الثالث عشر الميلادي إلى نهايات القرن الخامس عشر.
واشتهر منهم « يغمراش » الذي يعود إليه الفضل في بناء المساجد والقصور الباقية حتى الآن في تلمسان.
• المرينيون: وقد حاصروا تلمسان سبع سنوات ابتداء من عام 1299هـ بقيادة زعيمهم السلطان المريني « أبو يعقوب » ولم يرفع الحصار عن المدينة إلاّ بموته، إلا أن المرينيين قد بَنَوا خارج أسوار المدينة القديمة مدينةً جديدة أطلقوا عليها اسم « المنصورة ». وقد عاد المرينيون مرة ثانية لحصار تلمسان بقيادة أبي الحسن المريني ففتحوها ودام حكمهم لها إحدى عشرة سنة.
• بنو عبدالواد: عادوا لفتح المدينة بقيادة « أبو حمد الثاني » فدخلوها، وظلوا يحكمونها إلى بداية القرن السادس عشر الميلادي.
• فترة الحكم التركي: وقد خضعت تلمسان للأتراك العثمانيين منذ عام 1555م بعد أن كان قد فتحها القائد التركي « بابا عروج » الذي استنصر به « أبو زيان » من بني عبدالواد على عمه « أبو حمد الثالث » الذي انتزع منه الحكم.
• الأمير عبدالقادر الجزائري: وقد حكم تلمسان منذ عام 1863م.
الحكم الفرنسي
لم يَدُم حكم الأمير عبدالقادر طويلاً لتلمسان، إذ إن الفرنسيين سرعان ما عادوا فاحتلّوا المدينة من جديد وبَنَوا بها مركزاً عسكرياً في حي « المشوار »، واستمرت سيطرتهم عليها إلى عام 1962م حين استقلت الجزائر.
إن هذا الاستعراض المبسَّط للحركة التاريخية العنيفة ـ التي لم تَدَع لهذه المدينة الصغيرة فرصةً لالتقاط أنفاسها ـ هذا الاستعراض يوقفنا أمام مدينة متميزة... عانت من الحروب والويلات كثيراً، وتعاقبت عليها فتوحات عاصفة من جهات مختلفة وشعوب متغايرة.
حاول كل شعب منها أن يطبع هذه المدينة بطابعه، إلاّ أن فترة الحكم الإسلامي فيها التي امتدّت على مدى اثني عشر قرناً قد تميّزت بصراعات فكرية بين الزناتيين والأدارسة والصنهاجيين أتباع الفاطميين والمرابطين والموحدين، ثم بني عبدالواد التابعين للموحدين ثم المرينيين، ثم بني عبدالواد مرة أخرى.. وأخيراً الأتراك العثمانيين.
وقد حرصت كل فئة من هذه الفئات على نشر مذهبها في « تلمسان » وإضافة المآثر الجديدة إليها. وكان بناء المساجد والأضرحة من أهم ما كانت تعنى به تلك الفرق، لذا فإن الطابع الديني قد ظل مسيطراً على هذه المدينة طيلة عصورها. وقد استمد سكان المدينة من هذا الطابع قوةً جعلته يقفون بضراوةٍ أمام موجة « الفَرْنَسَة » ومَسْح الشخصية المسلمة واللغة العربية أيام الحكم الفرنسي.
ومما زاد في تثبيت هذه القوة قدوم عدد كبير من الهاربين من « قرطبة » بالأندلس إلى تلمسان في نهاية القرن الثامن الهجري ( الثالث عشر الميلادي )، إذ إن هؤلاء قد حملوا معهم اعتزازهم بدينهم الإسلامي الذي فرّوا به من محاكم التفتيش، وحملوا معهم إلى جانب ذلك الطابعَ الفني المتقدم الذي وصل إليه الأندلسيون في عزّ مجدهم.
الموقع الجغرافي والشخصية الاقتصادية
إن هذا الازدحام التاريخي على تلمسان قد يُعزى إلى ناحيةٍ أخرى تتعلق بموقعها الجغرافي وشخصيتها الاقتصادية.
فتلمسان ـ بحكم موقعها المتوسط بين شرق إفريقيا وغربها، وبحكم وقوعها في نقطة قريبة من البر الأوربي ـ قد لَفَتَت إليها الأنظار لتكون محطة للقوافل العابرة بين شرق الشمال الإفريقي وغربه. كما أن موقعها في أطراف السهل الساحلي المطلّ على البحر المتوسط قد جعلها محطة للقوافل العابرة بين وسط إفريقيا وشمالها. والمؤرخون القدامى ـ كالبكري وابن خلدون ـ يؤكدون أن تلمسان قد كانت سوقاً لتجارة الذهب الذي كان يُحمَل من وسط إفريقيا في طريقه إلى أوروبا أو الشمال الإفريقي أو المشرق العربي. وصياغة الذهب ما زالت مشتهرة حتى الآن في تلمسان بشكل متوارث.
وموقع تلمسان الجغرافي كان قد لَفَت نظر معظم الشعوب المحاربة لتكون منطلقاً لجيوشهم الساعية إلى السيطرة على شمال إفريقيا؛ فالرومان جعلوا منها قاعدة لجيوشه، وكذلك كانت المدينة نقطة ارتكاز هامة لأكثر الجيوش التي تحمل صفة الدعوة لمذهب ديني معين.
ولعل خصب السهول التي تحيط بتلمسان، وتنوّع مزروعاتها وأشجارها المثمرة وكثرة مياهها وينابيعها قد أسهمت إلى حدٍّ كبير في اجتذاب هذا العدد الكبير من الأمم والشعوب إليها؛ إذ إن المياه والمزروعات قد كانت، وما زالت، المكانَ الأكثر إغراءً للحروب والمنازعات والقبائل المتنقّلة.
ومما يؤكد هذه النظرية أن أكثر القبائل التي مرت بتلمسان قد حاولت أن تستقر فيها، وأن تضيف إليها في كل مرة إضافات عمرانية هامة ما زال بعضها قائماً حتى الآن، وعلى حين غدا بعضها الآخر آثاراً تنطق بما كانت عليه في الماضي.
.