أخي عبد المالك زروقي سلمت على روعه طرحك الرائع لكـ خالص احترامي
أولاً...
علاقة أهل المغرب ببيت المقدس على مر القرون،
لبيت المقدس من مكانة في التاريخ البشري والإسلامي، مبرزا معالم قدسيته وموجبات احترامه ودواعي حرمته، فذكر بأن تاريخ القدس بدأ مع خليل الله ونبيه إبراهيم عليه السلام في المائة الأولى من الألف الثانية قبل الميلاد، مشيرا إلى أن ذلك العهد كان قمة اتصالها بالسماء، ثم كانت القمة الثانية بعد ألف عام من عهد إبراهيم عليه السلام أي في عهد داوود وابنه سليمان عليهما السلام في المائة الأولى من الألف الأولى قبل ميلاد المسيح عليه السلام.
هي ميلاد المسيح عيسى عليه السلام في أرجائها،
وبعهد بعثة جدنا الهادي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث اتخذ بيت المقدس في الإسلام أولى القبلتين، وكان إليها الإسراء وكان منها المعراج، وظل توجه المسلمين إليها في صلاتهم إلى أن وقع تغيير القبلة من المسجد الأقصى إلى الحرم المكي في العام الثاني من الهجرة.
وبعد أن ذكر بأن المسجد الأقصى بالمعنى الواسع أطلقه المسلمون على الحرم الشريف، وهو ساحة مهيأة في القدس منذ القرن الأول للهجرة، قال إن اسم المسجد الأقصى لم يعد اليوم يطلق إلا على المسجد الكبير الذي يقوم في جنب هذا الفضاء.العلاقة التاريخية للمغاربة ببيت المقدس، متوقفا عند مشاركة المغاربة في الدفاع عنه ضد الغزو الصليبي.
وذكر، في هذا السياق، بأن كتب التاريخ نقلت، على الخصوص، أخبار استنجاد صلاح الدين الأيوبي بالدولة المعاصرة له في المغرب وهي الدولة الموحدية، في شخص ملكها أبي يوسف يعقوب المنصور، مشيرا إلى أن هذا الاستنجاد وطلب الإعانة جاء على أساس السمعة التي تمتعت بها الدولة الموحدية من خلال إنجازاتها الحضارية والعسكرية.
كذلك أن عددا من المغاربة سمعوا بانتصارات صلاح الدين والوقع المدوي الذي أحدثه تحريره للقدس فهبوا للمشاركة كبحارة محاربين في أسطوله، مبرزا أنه من قبيل العرفان بهذه المشاركة ما يذكره المؤرخون من أن صلاح الدين وخلفاءه كانوا يعتنون بالمغاربة أشد الاعتناء احتسابا لجهادهم لتحرير القدس.
وبخصوص أوقاف المغاربة بالقدس ذكر المحاضر بأن أقدم ما يعرف منها هي البقعة الأرضية التي حبسها على المغاربة الملك الأفضل بن صلاح الدين الأيوبي في نهاية القرن السادس الهجري تقديرا لجهودهم في إعانة الأيوبيين على مدافعة الصليبيين، مشيرا إلى أن المغاربة تملكوا بالشراء عددا من العقارات الخاصة داخل القدس وخارجها.
وعدد من بين أشهر أوقاف المغاربة أيضا وقفين لأبي مدين، الذي عاش في عهد الدولة المرينية، معتبرا أنهما ربما يكونان جزءا من مكونات "حارة المغاربة" التي أضاف لها المغاربة أحباسا على مر العصور، تتعدى "بكثير ما وصل إلينا من وثائق التحبيس" .
أن عددا من المعالم تشير إلى أن المغاربة جزء من التنوع البشري والعمراني والثقافي لمدينة القدس، بالنظر لما ينسب إليهم من المساجد والزوايا والمدارس ومن انتشار التصوف الذي أصله من المغرب، وفيها كذلك حضور واضح للمذهب المالكي في رحابها.
وأبرز أن رعاية الأوقاف المغربية في القدس لم تنقطع حيث توالت في عهد الدولة العلوية الشريفة، وظلت أوقاف المغاربة معروفة محترمة ومسيرة على النحو الرائق في الدول المتعاقبة إلى أن استولت جماعات يهودية صهيونية متطرفة عام 1945 على جانب من أوقاف أبي مدين.
وأضاف أن هذه الأوقاف استقلت في 1954 عن بقية الأوقاف الإسلامية في تسييرها من طرف لجنة مغربية، اتصلت الدولة المغربية برئيسين لها، بعد استقلال المملكة حيث تم إمدادهما بما تصان وتنمو به تلك الأوقاف. وظلت أوقاف المغاربة قائمة إلى أن صادرتها دولة السلطان الخبيث ألمسماه بإسرائيل في 1967، وقامت القوات الصهيونية الخبيثة بنسف الحي بأكمله وسوته بالأرض وأقامت محله ساحة أمام حائط البراق.
والقيمين على هذه الأوقاف تقدموا باحتجاجات وعرائض على هذه المصادرات غير أنها لم تلق أي آذان صاغية بل إن سلطات الاحتلال واصلت نسف الأملاك بدعوى القيام بتنقيبات أثرية، بل إن جهات تنتسب إلى اليهود أضرمت النار في غشت 1969 في المسجد الأقصى.
لم يكن هناك "بلد من بلدان المسلمين أحس بأبعاد تلك الفضيحة الإنسانية بقدر ما أحست بها القيادة في المملكة المغربية"، إذ هب ملك المغرب بالدعوة إلى عقد أول مؤتمر قمة إسلامي بالرباط في شتنبر من نفس السنة، انبثقت عنه منظمة دولية تسمع صوت المسلمين وتفرعت عنها هيئات مثل لجنة القدس التي يترأسها الحسن الثاني ويعمل من خلالها على "الدفاع عن هوية هذه المدينة من جهة وعلى الإسهام في تخفيف الضائقة على أهلها " نيابة عن المسلمين وعن المغاربة " الذين كانوا على الدوام ضمن الدرع الواقي لحرمتها وفي طليعة المؤمنين بسلامة مصيرها، إحقاقا للحق، وثقة بوعد الله تعالى بنصر الذين ينصرونه".
رحلة نحو المجهول
لم تتوقف أطماع الصهاينة ببيت المقدس، واتجه تفكير قوات الاحتلال في سنة 1967 إلى احتواء القدس وتهويدها، حيث أسست شركة خاصة حددت أهدافها المعلنة في تطوير مدينة القدس وصيانتها في حين أن الأهداف الخفية كانت إزالة الوجود العربي الإسلامي.
كانت أول الإجراءات التي قامت بها الشركة مصادرة حي المغاربة المجاور لحائط البراق في القدس، بحجة إيجاد ساحة أمام "حائط المبكى"، وعملت على نسف حارة المغاربة يوم 11 يونيو 1967، تاريخ يتذكره جيدا إبراهيم بن محمد الفكيكي متولي أوقاف المغاربة بالقدس، حيث هدمت قوات الاحتلال 138 بناية أثرية من ضمنها جامع البراق وزاويته، وكلها أوقاف مغربية، وطردت سكان الحارة البالغ عددهم آنذاك 635 نسمة، تحت التهديد والوعيد، لتبدأ رحلة نحو المجهول، إذ سكنوا في بعض البيوت الفارغة قريبا من منازلهم ولم يحملوا معهم سوى أمتعتهم الشخصية.
وفي الليل أحضرت الجرافات لإنهاء مهمة تدمير حارة المغاربة، دون منح سكانها فرصة لنقل أمتعتهم... ومع الساعات الأولى من صباح الغد (كان يوم أحد) كانت العملية شبه منتهية، ليجد أهل الحارة أنفسهم دون مأوى، بعد أن وعدتهم سلطات الاحتلال ببناء 200 شقة سكنية لهم، إلا أن ذلك لم ينفذ.
ما إن انتشرت أخبار هذه المأساة حتى تحرك الملك الراحل الحسن الثاني، واستجاب لـ"نداء الجريح"، الذي وجهه إليه مغاربة فلسطين، فاحتضن مؤتمرين واحد للقمة الإسلامية وآخر للقمة العربية عام النكسة، وأرسل إلى أهله مساعدات عاجلة في القدس الشريف.
لم تكتف إسرائيل بالإجراءات السابقة لمحو الوجود الإسلامي، لتصدر قرارا سنة 1968، يرمي إلى استملاك عدد من الأراضي والعقارات، من ضمنها أملاك تابعة لوقف الشيخ أبي مدين.
وقد عارض المشرفون على الأوقاف المغاربة هذه الإجراءات، ورفعوا مذكرة احتجاج لإسرائيل، ورفضوا الدخول معها في مناقشات بخصوص التعويض، كما رفضوا اقتراحا إسرائيليا بتعويض زاوية أبي مدين الغوث ومسجدها، وهي آخر ما تبقى من أملاك الوقف بعقارات إسرائيلية في حي خارج البلدة القديمة للقدس.
وبهذه الإجراءات وضعت إسرائيل حدا نهائيا للدور الاجتماعي والإنساني لمؤسسات خيرية ظلت قائمة منذ مئات السنين، وأتلفت جانبا كبيرا من التراث العربي والإسلامي، وغيرت جانبا مهما من البيئة التاريخية للمدينة المقدسة .
يتبع