السُّمُّ الزُّعَاف
لِصَاحِبِ كِتابِ "الإِتحَاف"، الطَّاعِنِ في النَّسَبِ الهَاشمِي لِبَنيِ عَلَوِيٍّ والسَّقَّاف
(رَدٌّ على جُوَيهِلٍ حَاوَلَ الطَّعْنَ في النَّسَبِ الشَّرِيفِ)
تصنيف
الشّرِيفِ أبي الليثِ محمد حمزة بنِ علي الكَتانيّ الإِدْرِيسِيّ الحَسَنيّ
الحمدُ للهِ العليّ الـكـبـيرِ المتعال، مَن ابتلى ونجّى، ووعد فوفىّ، وأمات فأحيـى، وكلٌّ له إليه المآل، وَعَدَ الصابرين الأجر، وأوعد غيرَهم الزجر، عسيرَه والـعُسـر، وهو شديدُ المحال، جعل للحق صولات، وللباطل زعْـقات، ثم تليها الفَـلَـقـات، صَحَّ به المَـقــال .
وأُصَـلِّي وأُسَــلِّــمُ عـلـى مَن كان أُسَّ الخيرات، ومَـعْـدِن الكرامات، ومَـنْـبَـعَ البركات، ومَن هو مِن أشرف وأكمل نَسَبٍ كما صَحّ، وعِـتْـرَتــُـهُ أشرفُ وأكملُ عِـتْـرَةٍ وأَنْـجَـح، مَن وَعَدَهُ اللّهُ بالـكـوثـرِ الـحـوضِ في الجنة، وكثرةِ الخيرِ والأتباع، فـقـال جل جـلالـه: {إنّا أعطيناك الكوثر}، وأرادَ المشركون ذَمـَّهُ فقـالوا لِعَدَمِ إنجابِه: أَبـْـتَـر، وجاء في آخر الزمان أدعياءُ زُنـَـمـاءُ، دَعَـوْا مَدْعَى الكفر، وقـالـوا: “ذُرِّيـَّـتُـهُ قليلةٌ “طعناً في فروعِ عِـتْـرَتـِـه، {يُـضاهئون قولَ الَّـذيـن كـفروا} و{يُـحَـرِّفــُـونَ الكَــلـِـمَ مِن بـعـدِ مواضعه}، أَعِـزَّةً عـلـى المؤمـنين، أَذِلَّةً على الكافرين، ظُـلْـمُ الوجوه، ثُـمَـلاءُ الـعـيـون، كأَنَّ عليهم مِـن الـشـيـاطين ظُـلُـمـاتٌ وظُـلُـمـات، {ومَـن لم يَـجْـعَـلِ اللهُ له نوراً فما له مِن نور}، فدَحَرَهُمُ اللهُ كما دحر من كان قبلهم، وأرسل عليهم شواظَ {إنَّ الله يدافع عن الذين آمنوا}، و{إنمَّا يُـريـد الله ليذهبَ عنكم الرجسَ أهلَ البيت ويطهرَكم تطهيرا}، وفرَّقَ اللهُ جَـمْـعَهم شَـذَرَ مَـذَر، وأوقــد نار فـتـنـتـهـم دفاعاً عن حـبـيـبه ونـبـيِّـه، الذي كان أصبرَ الناس عـلـى الإيذاء، وأَعَدَّ اللهُ للذبِّ عنه جُـنْـدَ الأرض والسماء، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه عددَ آله وأتباعه، وبارِكِ اللهمَّ ـ استجابةً لدعوةِ الأمة ـ فيـهم .
و بَـعْـدُ ؛
فمُـذْ كان الحقُّ: والـبـاطــلُ يَـسْـتَـدْمِـغُـهُ، فلا يكونُ سوى الحق، وقد { جاءَ الحقُّ وزَهَقَ الباطل إنَّ الباطل كان زهوقا }، كما جاء في الذكـر، ومذ ظهر الحق لا يَزْهَقُ أبدا، فاقـتـضى ذلك أنَّ كلَّ مَن حاولَ إزهاقَه أزهقه الله تعالى، عاجلاً كان أو آجلا ؛ { لِـيَـهْـلِـكَ مَن هَـلَـكَ عن بَـيِّـنَـةٍ، ويَـحْـيَـى مَن حَيَّ عن بـيـنة } .
وقد نَـبَـتَتْ نابتةٌ في هذا الزمان، سلكوا مَسلكَ اليهود والنصارى، وأرادوا تبديل الدين، فلم يطلبوا العلمَ على أهـلـه، وجاؤوا بطوامٍّ وطوام، وبلايا وبلايا، واخْـتَـلَـقُـوا الأقوالَ الشاذةَ والباطلة، وفَرَّقُوا دينَهم شِـيَـعا، وما كان ذلك إلاّ من باب جهلهم بالدين، وابتعاد قلوبهم عن محبة سيد المرسلين، صلى اللهُ عليه وآله وسلم، ثمَّ نَـتَـجَـتْ عنهم ناتجةٌ لم يَـكْـتَـفُـوا بالهجوم على علوم الشريعة، من حديثٍ وفقهٍ وأصول ونحوها، يتدارسونها بالـصـحـائــف والـكـتـب، مبتعدين عن ثَـنْـيِ الـرُّكَـبِ عندَ العلماء، ويُضَـلِّـلـون أعلامَ الوقت، وذلك أدنى المَـقْـت، بل طَـمُّـوا على العلوم الأخرى من تاريخ وسياسة ونسب وغيرها، فظهرتْ منهم آراءُ مُستشنعة، وأفكارٌ مستبشعة، ثم تَـعَـرَّضُـوا جفاءً لرسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى خاصةِ آله وأظهرهم نسبا، وطَـعَـنُـوهم في أنسابهم، وكذبوهم في دينهم، ورمَـوا بأقوال أهل الشأن كل مرمى .
وما استغرب ذلك في هذا الزمان الذي بلغناه على هَـرَمٍ به، والذي قـال فيه بعض مشايخ الإسلام:
"إن شمس الـديـن الـيـوم كُوِّرت، ونجومَه انكدرت، وجبالَه سُـيِّـرت، وعشارَه عُـطِّـلَـت، ونفوسَ العالم زُوِّجَت: كلٌّ انْـتَـظَـمَ إلى هواه، وصـحـف الضمائر والأسرار نُشِرَتْ، وسماءَ المعالي واقـتـنـائـهـا والمعاني واكتسابها وادخارها كُـشِـطَـتْ، والجحيمَ سُـعِّـرَتْ جحيمَ الجهلِ بالله تعالى وبرسوله الكريم، وجحيمَ العوائدِ الرديةِ والأعرافِ المخالفةِ للسنة الطاهرة الغراء البَلْجاء التي لا يَزيغ عنها إلا هالكٌ: سٌعِّرَتْ وأُضْرِمَت، وشَـبَّـتْ نيرانُها وتوهجتْ، وقامتْ في كل رَبْعٍ وحَـيٍّ".انتهى .
وذلـك أن دَعِــيـّـاً من أدعياء العلم لا هو فيه بِـحَـذامِ ولا قَـطـام، إنمّا جُـذامٌ بجُـذام، أَبـْـتَـرُ لم يطلب العلمَ على العلماء، ولا سلك فيه مَسلَك الفضلاء، ونظم في الفقه منظومةً وفي الأصول أخرى، وزَيـَّنَ له الشيطانُ سوءَ عمله، ثم كـتـب في الأنساب وأتى بطوامٍّ وطوام، فـتَـخَـرْبـَـقَ وتَـزَرْبــَـق، وتَـشَـيْـطَـنَ وتَـلَـيْـطَـن، وتَـعَـفْـرَتْ وتَـنَـفْـرَت، فإنـّا لله.
واحـتَـجَّ بكُـتُـبِ التراجم والطبقات والجرح والتعديل على الأنساب، وما عَـلِـمَ هذا الجويهل المسكين أن كلَّ فَـنٍّ إنما يُـرْجَـعُ فيه إلى أهـلـه، وما يُـؤتَـى المرء إلاّ مِـن بَـلَـهِـهِ وجَـهْـلِـه، أما غـيـرهـا فللاسـتـئـناس فقط والإثبات لا للقدح والنفي، وكان ذلك لأن المردود عليه قامت بينه وبين أَحَـدِ آلِ باعلويٍّ منازعةٌ في مسائلَ فقهيةٍ واعتقادية، فحَمِـيَ الوطيسُ بين الطرفين، وظلَّ النَّكْتُ في القلبِ والغيظ، فـقَـذَفَ الشيطانُ في صَـدْرِ المردود عليه ما قذف، ولو أنه التزم الورع والـتُّـقـى ـ وتلك شِـيـمَـةُ الـسَّـلَـف ـ والوقوفَ على الحدّ، وفي الأثر: "رحم الله امرأً عرف قَدْرَهُ فوقف عنده": لكان خـيـراً وأحـسـنَ نَـدِيّـاً، غير أنه تَـبِـعَ الشيطان في غَـوايــتـه، فآذى الكُـلَّ بالبعض، وخـالـفَ لسانُ حاله قولَ الله تعالى: {ولا تَـزِرُ وازرةٌ وِزْرَ أخرى}، فـقـال: بـل تَـزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أخـرى، وأَلــَّـفَ كــتـابـاً سَـمّـاه: "الإتحاف في إبطال النسب الهاشمي لبني علوي والسقاف"، فأظهر فيه من الجهل عُواره، ومـن السقوط منتهاه، حيثُ نسبُ آلِ باعلويّ من الـنَّـسَـبِ الصحيح الـمُـتَـواتـِـر عندَ أهلِ الأنساب، كما سيأتي بحول الله؛ غير أنَّ حالَ المردود عليه كما قـال الأَوَّلُ:
وإنْ لـم يَـكُـنْ عَوْنٌ مِـنَ اللهِ لـلـفَـتـى
فَـأَكـــْـثَـرُ ما يَـجْـني عـلـيـه اجـتِـهـادُهُ
فلمّا كان ما كان: وَجَدْتُ لِزاماً عَلَيَّ سَنُّ الصوارم وسَلُّها ذَبّاً عن حُرمة هذا البيت الكريم، وإبعاداً للمردود عليه من لهيب الجحيم، وفي الحديث ـ كما عند البخاري وغيره: "اُنصرْ أخاك ظالماً أو مظلوما، قـالوا: يا رسول الله، هذا نَـنْـصُـرُه مظلوما، فكيف ننصره ظالماً ؟ قـال: تأخذُ فوقَ يده"، وأَحْـبَـبْـتُ وَسـْـمَـهُ بـ:
{الـسُّـمُّ الزُّعاف ( )}
{لصاحب كـتـاب الإتحاف}
{الـطـاعـن فـي الـنسـب الهاشمي لبني علوي والسقاف}
وأقدمه بإذنه تعالى بثلاث مقدمات وخمس جرعات، كلُّ جرعةٍ مخصصةٌ للرد على وجه من وجوه الجويهل، ثم خاتمةٌ، ويليها ملحق.