الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه المخلصين الأوفياء
سيدي مشيش العلمي:
(ورد في كتاب: القنيطرة ميلاد المدينة والحركة الوطنية 1913-1937 لمؤلفة الدكتور مصطفى مشيش العلمي حول المرحوم سيدي مشيش العلمي (والد مؤلف الكتاب)).
(سلالة سيدي مشيش):
(1) سيدي مشيش بن (2)عبد السلام بن(3) محمد بن(4) أحمد بن(5) العربي بن(6) أحمد بن(7) عمر بن (8) عيسى بن (9) عبد الوهاب الاصغر جد الوهابيين (الذين لا يزال البعض منهم بالغرب) بن(10) محمد بن (11) ابراهيم بن (12) يوسف بن (13) عبد الوهاب الأكبر بن (14) عبد الكريم بن (15) محمد بن (16) مولاي عبد السلام القطب الأكبر جد الشرفاء العالميين وأخيه مولاي أملاح جد الشرفاء الوزانيين، بن(17)مشيش بن(18)أبو بكر بن(19)علي بن(20) حرمة بن(26) مولاي إدريس الازهر بن (27) مولاي إدريس الأكبر بن (28) عبد الله الكامل بن (29) مولانا الحسن المثنى بن (30) مولانا الحسن السبط بن (31) سيدنا علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
لقد كان جده، سيدي محمد، المزداد عام 1182هـ، حوالي سنة 1769م عالماً كبيراً وكان يدرس بجامعة القرويين بفاس ونظرا لخصاله التربوية فلقد اختير ليكون مدرس الامراء بقصر السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان، توفي رحمه الله عن سن تناهز 90 سنة ودفن بفاس.
أما أبوه سيدي عبد السلام بن محمد العلمي، المزداد بفاس عام 1247هـ (حوالي 1831م). لقد كان عالماً كبيراً ودرّس بدوره في جامعة القرويين، لما لاحظ السلطان تعليمه وأخلاقه عينه كمتصرف، كما أنه كان مستشاراً خاصاً للسلطان مولاي الحسن الأول الذي بعثه من بعد إلى القاهرة (مصر) لدراسة الطب وعلم التنجيم. وعند عودته حاملاً شهادة طبيب وجراح فتح عيادة بحي النجارين (السبيطريين) بفاس، صار من بعد ذلك الطبيب الخاص للسلطان والعائلة الملكية. لقد كتب عدة مؤلفات طبية وموجزات في علم التنجيم التي كانت تدرّس في الجامعة، كما أنه اخترع كذلك عدة آلات لتحديد ومعرفة الساعة الشمسية والساعة القمرية. لقد ذاع صيته إلى كل الناس والعديد من تلامذته المشهورين بدورهم ظلوا أوفياء لذاكرته وعلمه، توفي رحمه الله بفاس سنة 1322 هـ ودفن بمقبرة العلميين.
سيدي مشيش يستقر بصفة نهائية بالقنيطرة:
لقد ازداد سيدي مشيش بفاس حوالي سنة 1864، لقد نشأ وترعرع في وسط مليء بالروحيات والعلوم والثقافة وكذلك بنوع من الصوفية، سنتحدث بإسهاب عن كل هذا، كما كان الشأن بالنسبة لوالده، فلقد درس بجامعة القرويين وصار شاعراً متميزاً في ظرف وجيز. غير أنه ومنذ شبابه اهتم بالتجارة الكبرى وهكذا استجاب لرغبة السلطان مولاي الحسن الاول الذي كان يشجع بقوة جيل ذلك العهد بالتوجه نحو المبادلات الدولية الكبرى كما أنه كان قد أرسل إلى أوروبا ومصر ببعثات من الشباب لدراسة الطب ومختلف ميادين الهندسة، فيما يتعلق بالشؤون الاقتصادية فإن السلطان كان يحث أفواجاً أخرى للأنفتاح على العالم الخارجي، فلقد كان يشجعهم على السفر إلى الخارج والتعود على المناهج والتقنيات العصرية للتجارة الدولية. حتى ذلك الحين، فإن هذه التجارة كانت منحصرة أساساً بالعرائش وطنجة، على يد معشرين أجانب. لقد سافر سيدي مشيش إلى أوروبا أول مرة سنة 1922.
من أجل تنمية العلاقات التجارية المباشرة مع أوروبا، رحل بعض المغاربة واستقروا بكل من انجلترا (مانشيستر)، فرنسا، ألمانيا إلخ ... آخرون صاروا معشرين واستقروا بأهم موانئ ذلك العصر، خاصة العرائش وطنجة والرباط – سلا، باختصار فإن سيدي مشيش صار من التجار الرئيسيين الذي يعملون في ميدان الاستيراد والتصدير بفاس ومكناس، عبر ميناء الرباط – سلا في باديء الأمر. لقد كان يعمل لحسابه الخاص كما أنه كان يعتبر المعشر الرئيسي بالنسبة للعديد من تجار الجملة الفاسيين. غير أن البواخر، وبسبب أحوال البحر، لم تكن تستطيع دخول ميناء الرباط – سلا إلا في فصل الصيف. ففي هذه الفترة بالذات كان سيدي مشيش يقوم برحلاته ذهابا وإيابا بين فاس وهذا الميناء. ففي مدينة سلا كانت علاقاته وطيدة خصوصاً مع سيدي أحمد حجي الحارثي وعائلة الصبيحي. إحدى مراحل رحلات قافلته كانت تسوقه إلى ضفاف نهر سبو، على مقربة من قصبة القنيطرة، التي كان قد انتهى من بنائها السلطان مولاي الحسن الأول سنة 1891. بنى سيدي مشيش أول بيت له بالقنيطرة سنة 1896، كوخ من خشب، في المكان الذي سيعرف من بعد ب "المدينة العالية". انطلاقاً من هذه النقطة كان يشع في الغرب، في أهم الأسواق الأسبوعية لهذه الجهة ومراكزها كالمهدية وسيدي يحيى وسوق أربعاء الغرب ومشرع بلقصيري وسيدي سليمان وسيدي قاسم. كان يودع ذخيرة من السلع لممثليه. لقد كان يتصرف بنفس الطريقة طول كل مساره، ابتداءا من ميناء الرباط – سلا إلى مدينة فاس، عند عودته، عدة شهور من بعد، كان يتحاسب مع ممثليه. وبعدها يسلمهم سلعاً جديدة عند مروره المقبل. كان يتعلق الأمر أساساً بمواد مستوردة كالسكر، الشاي، الصابون، الشمع، القماش إلخ ... أما المواد التي كان يقوم بتصديرها فهي : الصوف، الجلد، منتوجات الصناعة التقليدية، الحمص الفول، العدس، الحبوب الدوم إلخ ... عندما احتلت الجيوش الفرنسية المهدية وقصبة القنيطرة فإن سيدي مشيش كان موجودا في عين المكان، خصوصاً في فصل الصيف، حسب ما ذكر فيما سبق. عندما تقرر إنشاء ميناء القنيطرة، أدرك سيدي مشيش في الحين الأبعاد الحقيقية لهذا الأمر، ليس فحسب بالنسبة لمستقبل الجهة بل إنه كذلك سيصير الميناء الحقيقي لكل من العاصمة فاس ومدينة مكناس. فصارت إقاماته بالقنيطره أطول مدة ومتكررة. منذ افتتاح الميناء للتجارة المدنية، في فاتح يناير 1913 كان سيدي مشيش من بين المعشرين الأوائل الذي استعملوه. بما أن أول تجزئة صودق عليها وبدأت أشغال تهيئتها في الحين كانت هي تجزئة الحي الأوروبي، فلقد اكترى هناك عنبرين من الصفائح لاستعمالهما كمستودع لسلعه.
لن يمر إلا وقت قصير حتى يعاين السرعة التي جاء بها معشرون آخرون واستقروا بمقربة من الميناء الجديد. لقد كانوا يتوفرون على خبرة كبيرة، قدموا خصوصا من العرائش وطنجة وكانو يتوفرون على وسائل كبيرة وعلاقات تجارية مهمه، كان يتعلق الأمر بأوروبيين، أشخاص ماديين أو شركات، وكذلك يعود، حاصلين على تشجيعات مهمة من طرف السلطات الفرنسية. بدل أن يعاني من منافساتهم وينقرض، لقد استعمل ذكاءه وقوة إبداعه من أجل التجديد وفرض نفسه. لقد أحدث مؤسسة عصرية وفعّالة، مستخدما إمكانات بشرية ومالية ومادية ملائمة للظروف. لقد كان يستعين بالشباب وبأحسن الكفاءات الوطنية والوسائل والتقنيات المتقدمة جداً. إن الطرق والابتكار والتنظيم التي كان يعمل بها سيدي مشيش تتطابق تماما مع مفهوم "المقاولة" كما جاء في النظرية الاقتصادية ل "شو مبيطر" (SCHUMPETER)د