العودة   ديوان الأشراف الأدارسة > ديوان الأشراف الأدارسة > تاريخ وجغرافيا الأشراف الأدارسة
 

تاريخ وجغرافيا الأشراف الأدارسة التطرق لتاريخ وجغرافية دولة الأدارسة ودراسته وتحليله من خلال الكتب والمراجع.

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

  #1  
قديم 28-12-2013, 01:11 AM
الصورة الرمزية وائل الريفي
وائل الريفي وائل الريفي غير متواجد حالياً
كاتب متألق
 




افتراضي لقطات من تاريخ طنجة في القرن السابع عشر والثامن عشر

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد ...


الموضوع عن مدينة طنجة عاصمة الأجداد وهذه لقطات من تاريخ طنجة في القرن السابع عشر والثامن عشر
بالجهاد والمقاومة تفتح البلاد وتعود الثغور المحتلة من الأوغاد وهاهي مدينة طنجة تسترد على أيادي المجاهدين أبناء الريف وبقيادة القائد الفاتح علي الريفي عام 1095هجري
ولكل قائد مسلم عظيم ذكريات التي نعتز بها ونعمل على استرجاع ذكرياتها ، لنجعل بذكراها شعلة للكفاح والسير علي خطى الأولين المجاهدين من أبناء العائلة المجاهدة والمنطقة الريفية في شمال المغرب،
- بالجهاد والمواجهة مع الأعداء تستعاد الثغور ويتم تحريرها، وتستكمل الوحدة الترابية بها،
ويعرف المغرب على امتداد تاريخه الإسلامي تحقيق العديد من هذه الإنجازات الوطنية الكبرى، سواء مما تمثل في المعارك الكبيرة الحاسمة التي خاضها المغرب، كأحداث "معركة الزلاقة" و "الأرك"، و"وادي المخازن"....و "معركة المسيرة الخضراء"، وغيرها.
وكأحداث تحرير الثغور المحتلة واستنقاذها، أو تحقيق الاستقلال والتخلص من الاستعمار، وما رافق ذلك من مواقف أصبحت أنموذجا مثاليا في الصمود والتضحية.
وقد شاءت إرادة الله أن ترتبط أعمال الجهاد الكبرى بالقادة الريفيين وعلى رأسهم أبناء عائلة الريفي أصحاب المكانة في مكائد الحروب والمرابطة علي الثغور المحتلة الحمد لله لقد شهرت عائلة الريفي في المغرب وخاصة أولاد حدو البطيوي أو البطؤي الريفي الحمامي التمسماني بقيادة جميع المعارك
التي عرفها المغرب في القرون الأربعة الأخيرة في عهد السلاطين العلويين، وبقيادة القادة الريفيين مما حافظ المغرب فيها على شخصيته، ووحدة ترابه، وتحريره واستقلاله
في سطور : القائد أبو الحسن علي بن عبدالله الحمامي التمسماني الريفي تولى حكم تطوان في 24 يوليوز سنة 1679 م /جمادى الثانية 1090 هجري و في سنة 1681 م أضيقت له مدينتي العرائش و أصيلا ثم اضيقت له مدينة طنجة سنة 1684 م و في سنة 1691 م أصبح حاكما عاما بتطوان و طنجة و العرائش و المعمورة و الغرب ..حسب الرسالة التي وجهها للملك الفرنسي لويس الرابع عشر في 21 دجنبر سنة 1691 م و في 3 ربيع الأول سنة 1106 هجري /22 اكتوبر 1694 دشن الحصار الذي ضرب على مشارف سبتة و هو أطول حصار عرفه التاريخ على مدينة محتلة حيث استمر هذا الحصار إلى 15 رجب سنة 1139ه / 7 مارس 1727 م ...توفي القائد علي بن عبدالله الحمامي الريفي في 6 شعبان 1125 هجري/ 29 غشت سنة 1713 م ...و يعتبر القائد علي هو من أعاد الاعتبار لطنجة بعدما كانت مجرد ثكنة عسكرية متهدمة و اصبح لها كيان سياسي باعتبار القائد علي بن عبد الله قد ترك تطوان و استقر بطنجة ليتفرغ لبناء المساجد و ما تهدم من سورها ...و لعله القائد الوحيد في المغرب الذي صاهر سلطانين هما السلطان إسماعيل العلوي و ابنه السلطان المستضيء ...انظر تفاصيل الموضوع في كتاب حياة المولى إسماعيل بالفرنسية ..dominique busnot ;histoire de regne de moley ismail roi du maroc...طبع هذا الكتاب في باريس سنة 1714 م
***.

فقد كانت المواجهات الكبرى، التي حملتها ظروف الحملات النصرانية على المغرب من جهة، وحضور التسلط الاستعماري الذي حركته أطماع أوربا من جهة ثانية، عامين فرضا على المغرب أن يكون ملوكه وشعوبه في وضع جهاد مستمر، ما إن تنتهي مواجهة حتى تتولد مواجهة أخرى، يخوض المعارك على اختلاف مستوياتها، ويواجه الزحف الاستعماري الذي يستهدفه وقد كان من هذه المواجهات الكبرى، ما حملته أعمال الجهاد التي قادتها أسرة من بين الأسر الريفية المجاهدة ، وعرف من بين القادة المجاهدين البارزين من أبناء عائلة الريفي وهم الأتي أسمائهم:- القائد المجاهد الكبير عمر بن حدو الريفي وشقيقة القائد احمد بن حدو البطيوي التمسماني الريفي وهذا القائد ذكر بكثرة سواء في المصادر المغربية و الغربية .و يكفي أن القائد احمد بن حدو الريفي في سفارته لأنجلترا للملك شارل الثاني في مارس سنة 1682م ,كان أول شخصية مغربية يزورأكسفورد مما يدل على مكانة هذا الرجل القائد لقبائل غمارة و الريف عامة أحمد بن حدو الريفي، وقائد بلاد الهبط والقبائل الريفية وعلى رأسها قبيلة ورياغل الريفية العقيد علي بن عبد الله الريفي والباشا الشهير الثائر أحمد بن علي الريفي وهناك تسلسل عظيم من القادة الريفيين أولاد وأحفاد بن حدو البطيوي الحمامي الريفي التمسماني وجميع هؤلاء القادة شهروا بالجهاد ومقارعة الأعداء وأيضا عملوا على الحفاظ على وحدة التراب المغربي وتثبيت كرسي العرش للسلطان المجاهد "المولى إسماعيل" لتخليص الثغور المغربية، التي كان يحتلها نصارى الإسبان، والبرتغال، والإنجليز، في المعمورة، و طنجة، والعرائش، وأصيلا، وباديس، وسبتة.
وتميز من بينها "فتح مدينة طنجة"، إذا كان إصرار السلطان المولى إسماعيل قويا، وشديدا، ودفع القادة الريفيين أولاد بن حدو البطؤي الريفي الحمامي التمسماني في العمل على تحريرها، واستخلاصها من الاحتلال النصراني، بعد أن امتد هذا الاحتلال قرابة قرنين ونصف قرن من الزمن.
لذلك كان فتح طنجة إنجازا رائعا في تاريخ المغرب، وكانت وقائعه ومراحل أحداثه، التي استمرت أعمال الحصار والمواجهة فيها، أكثر من خمس سنوات، تمثل "ملحمة جهادية كبرى"، تبقى ذكرياتها وذكريات الأبطال أولاد الريفي الذين صنعوها – وفي طليعتهم القائد المجاهد "علي بن عبد الله الريفي" –حية قائمة تذكرها الأجيال المتعاقبة، وتسترجع أجواءها في شكل احتفال، يقام سابع المولد النبوي من كل سنة، وهو وقت اقتحام المدينة ودخول المجاهدين إليها، متجمع الجموع بضريح صهر القائد علي بن عبد الله الريفي،الشيخ محمد الحاج البقالي الشهير بـ "أبو عراقية" "تـ 1130هـ" بطريق مرشان، وهو أحد المجاهدين المتطوعين الذين قدموا للمشاركة في الحصار والفتح، فتذبح الذبائح، ويطعم الطعام بالمناسبة.
وإذا كانت طنجة – وهي هدية القادة الريفيين في عهد حكم العلويين للإسلام وللمغرب، المدينة التي استقطبت المجاهدين، واستنهضت الهمم لتحريرها من كل جهات المغرب، وذلك بعزيمة السلطان "المولى إسماعيل"، فكانت نموذجا للتحرير –فإن طنجة ستواصل رسالة الجهاد، لتبقى رباطا لتجميع المجاهدين
وقد اعتبر القادة الريفيين "حدث الفتح العظيم لمدينة طنجة المحتلة " عملا خارجا على العادة، وذلك الظروف الزمنية التي جرت فيها أحداثه، وللظروف النفسية والاجتماعية التي خلفها إنجازه بالنسبة للمغرب وبيئته آنذاك، فهو يأتي كأول مواجهة ناجحة بعد نكسة استمرت قرابة ثلاثة قرون، فلأول مرة ينهزم فيها العدو المحتل، ليتخلى عن مركز من مراكزه المهمة، ولأول مرة تنتزع منه بالقهر والغلبة، مدينة محصنة، رصد لها كل وسائل المناعة والدفاع، لذلك كان هذا الفتح يمثل الشيء الكثير بالنسبة للمغرب، قديما وحديثا، فزيادة على أنه عملية انتصار واسترجاع لحصن من الحصون المنيعة، فهو يمثل يقظة بعد هجعة وسكون، ويمثل استرجاع الثقة بالنفس في هذه المواجهة








وبالنسبة لنا اليوم نحن أحفاد هؤلاء الرجال العظماء، فهو يمثل لنا ذكرى طيبة، من مظاهرها تحقيق فوز كبير بهذه المدينة، التي لولا هؤلاء الرجال المجاهدون وهذا الفتح لظلت طنجة كحال سبتة، ولكان للمغرب وجه آخر.
لقد حضر القادة الريفيين لخوض هذه الحرب عدة سنوات "1090 -1095" لم تكن أحداثها تجري بمحض الصدفة أو وقوع الحافر على الحافر، وإنما كانت تخطيطا محكما وضعه القادة الريفيين ""،وفي العهد السلطان الإسماعيلي العلوي عهد الفتوحات والانتصار واسترجاع الثغور المحتلة والسلطان العلوي لقد استعان الريفيين قوادا وجيوشا،من الوصفان،وقبائل الريف،والمتطوعة من كل جهات المغرب ،واستحكمه ذلك الإصرار المتشدد المتتابع بهدف إزالة الحواجز مرة تلو الأخرى،فقد كان الوصول إلى سور طنجة المدينة تحول دونه حواجز عديدة،تمثلها تلك الأبراج المحصنة الواقعة خارج السور في إطراف الفحص ،والتي يجري الاتصال بينها لتوالي الإمدادات وتداولها حسب الضغط ،مما يجعل المدينة وأسوارها دوما بعيدة عن أي تهديد
.
ويبدو أن طنجة كانت من القوة والمنعة ،ما استعصى على طوائف المجاهدين من المتطوعة،وغيرهم –والذين عاقبوا على حصارها منذ احتلالها –اقتحامها، فكانت من التحصن بالقصبات والأبراج أو ما عرف بالبساتين التي شيدت على أطراف فحصها ،مما بناه نصارى الانجليز في أيام الهدنة التي كانت بينهم وبين "الخضر غيلان".فقد حشر الانجليز فيها من جند وعتاد ما يجعل المدينة بعيدة التناول،آمنة من كل المحاولات الجهادية التي تتوجه إليها، أو الحصارات التي لا تجدي نفعا،فلا تصل آثارها إلى المدينة ،أو إلى دورها لعدم اقتراب المجاهدين منها ،وقيام البساتين والأبراج المذكورة حائلا دونها.
ولذلك كانت محاولات القادة الريفيين وعلى رأسهم القائد على بن عبد الله الريفي "لفتح طنجة"غير يسيرة ،تطلبت تعبئة كبيرة ،من الجند والعزيمة،والسلاح،وصبرا طويلا تجلى فيه التنظيم المحكم للحصار ،والإصرار على الفتح،وملاحقة الإمدادات وتواليها.
ويمكننا أن نميز في العمليات، والوقائع التي استهدفت فتح طنجة وتحريرها ،وما رافق ذلك من أحداث، مرحلتين اثنين:
*المرحلة الأولى:
وهي التي تمت أحداثها سنة 1091للهجرة، وقد تمثلت فيها المحاولات الأولى في عملية الفتح، والتي استهدفت تكسير خط الدفاع المتقدم الذي يحمي حصن طنجة المدينة ،وذلك بمهاجمة بساتينه،واقتحام أبراجه،والسيطرة عليها .
ففي سنة 1091 أمر" السلطان المولى إسماعيل"القائد "عمر بن حدو الريفي"-وقد كان قائدا للقصر الكبير ومنطقة الشمال،منذ مقتل "الخضر غيلان "وانهزم ثورته عام 1084-أن يتوجه إلى محاصرة طنجة ،والضغط عليها بغية فتحها واسترجاعها،وقد هيأ له لتنفيذ ذلك جيشا قويا أسند إليه أمره ،ضم "جيش أهل الريف"و"المتطوعة"،فنزل"فحص طنجة"،وابتدأ الحصار والمناوشة .
ويتحدث المؤرخ محمد بن العياشي(1) في كتابه :"زهر البستان" عن هذه المحاولة الأولى،حينما يتحدث عامة عن المعاقل و الحصون التي فتحها الله بعد الجهد والاستماتة والاستبسال من القادة والمجاهدين والجيش المغربي فيفيض في الحديث عن الكيفية التي استنزل بها المجاهدون بعض بساتين طنجة وافتتاحها ،ويعطي في ذلك وصفا شاملا للأحداث التي رافقت هذه المحاولات فيقول .
"من ذلك بساتين طنجة التي بناها"النصارى الانجليز"،في أيام الهدنة التي كانت بينهم وبين "غيلان"،فأمسى –أيده الله-،وله بالتصدي لها في أندية العدل،أرفع مكان،فأمر أيده الله كبير قواده: القائد عمر بن حدو البطيوي الريفي التمسماني بمنازلة الثغر المذكور ،ومنا جزته والرباط فيه حتى يفتح الله عليه،وأسند إلى نظره جيش أهل الريف والمتطوعة من سائر الناس،فنازل البساتين المذكورة التي منها "قبة السلاطين"،" ومرشان"،و"دار البارود" ،وغيرها من البساتين ،وحاصرها من كل جهة ومكان ،حتى استفتحها ،واستولى على ما فيها، وبقي"حصن طنجة"نهبة للمسلمين ،تصل جيوشهم عند الغارة إلى سوره ،بعد ما كانوا في أمن بتلك البساتين ،من مفاجأة المسلمين،والغارة على سرحهم، مما أنشأوه من الرشق،الذي أحكموا تأنيق بعضه إلى بعض،بين تلك البساتين،ورصفوا بعضه في بعض كأنه بنيان مرصوص،ممتدا من البحر للبحر،في زمن الفترة،وتقلص ظل الخلافة ،حتى كانت تلك البساتين سورا لفحصهم من طنجة ،وراحة للنصارى في سرحهم وغدوهم ورواحهم،ينقلبون في هذا الفحص بخيولهم ورجلهم ،فقيض الله لهم بوجود المولى المنصور بالله،جيشا عرمرما إلى نظر القائد المذكور،ففض ختامهم ،واستنزلهم من معاقلهم،وفتح الله على يده تلك البساتين ،فبقي النصارى في "حصن طنجة" منكمشين،أحير من بقة في حقة، متخوفين، فجاء القائد المذكور بالفتح للمولى المنصور".(2) فقد كان اختراق هذا الحاجز من الأبراج والسيطرة على عدد منها إيذانا ببداية التهديد الحقيقي لحصن طنجة، وقلبا لموازين القوى، والتحكم فيها.
فقد كان نصارى طنجة آمنين بهذا السور من البساتين والأبراج يمتد من البحر، من جهة الشرق إلى جهة غرب المدينة، كأنه بنيان مرصوص ليقوم مسرحا لدوابهم وماشيتهم، تغدو به وتروح، فلا يمكن لقوة إن تحركت برا أن تصل إلى أسوار طنجة إلا باختراق هذا الحاجز، وتجاوزه، والتغلب على أبراجه.
بل إن نصارى طنجة بتلك البساتين قد أصبحوا في موطن قوة "يغيرون على من حولهم ومن هو قريب من جوارهم".(3)
وقد استخدم المجاهدون في ذلك كل وسائل الحرب الممكنة آنذاك من تفجير البارود، والحفر تحت الأسوار، وتوجيه مجاري المياه المنتفع بها، وغير ذلك، مع ما كان يتتابع من المدد المتجدد في كل لحظة، والذي يقذف بمآت المجاهدين من محلات الجيوش والمتطوعة إلى منطقة طنجة، مما تتسع معه مساحة الحصار، ويكبر به ميدان المعركة، ويميل به العزم إلى النصر وتحقيق عملية الفتح.
ويبدو أن محاولات هذه المرحلة قد كان لها شوط ثان، فأحداث هذا الفتح في سنة 1091 هـ قد تجددت بعد أن أخذت لحظة استراحة، فجدد فيها القائد عمر بن حدو الريفي محتله الجهادية ليعاود الكرة نحو نصارى طنجة، والضغط على حصنها العنيد لاستثمار مقدمات النصر، التي تحققت قبل بالاستيلاء على بعض البساتين والأبراج، والاحتفاظ بعناصر المبادرة في هذه المبارزة.
والملاحظ أنه قد تداخلت عند كثير من المؤرخين أحداث هذه المرحلة في شوطيها الأول والثاني، وإن تم تعيين بعض تواريخها باليوم والشهر في السنة المذكورة.
فقد أورد القادري في "النشر" سير أحداث الفتح التي تعرضت لها بساتين طنجة في عام 1091هـ فأرخها في الأوقات التالية:
أولا: ففي منتصف ربيع الثاني "وصل لفاس خبر أخذ المسلمين طنجة على يد قائد القصر عمر بن حدو البطيوي" الريفي .(4)
وفيه ما يماثله في التقاط الدرر، غير أنه سمى المكان الذي جرى عليه الفتح "بقصبة طنجة".(5)
ثانيا: ثم في "جمادى الأولى اصطلح البطيوي الريفي مع النصارى، ووقعت الهدنة"(6)
ثالثا: و "في منتصف رمضان ورد خبر خروج النصارى من طنجة، وقاتلوا مع المسلمين، فمات من المسلمين أزيد من مائة.
وخرج من فاس رماة إلى طنجة بقصد الجهاد.
ثم ورد حبر موت في قتال في الجهاد، ثم ورد خبر قتال آخر فيه.
ثم ورد خبر قتال آخر كبير مات فيه كثير من المسلمين".(7)
وفي "التقاط الدرر" شبيه بهذا في أحداث سنة 1091 هـ.(8)
ولاشك أن أخبار هذه الأحداث وتتابعها تكشف عن شدة المواجهة وقوتها وتوالي الإمدادات للحفاظ على الامتياز في تسيير أحداث الفتح.
غير أن القادري وهو يوقت هذه الأحداث يجعل حدث الصلح وتوقيع الهدنة سابقا في الزمن على تلك الوقائع الضارية التي تكررت فيها المواجهة واستشهاد العديد من المجاهدين.
فهل تجددت الحرب في شهر رمضان بعد أن سبق توقيع الهدنة والصلح في شهر جمادى الأولى؟ أم أنها مجرد ذكر وقائع حدث بينها ما بعثر ترتيبها الزمني؟
أرجح أيضا أن خاتمة هذه المرحلة كان في حدث الصلح وإبرام عقد الهدنة بين القائد عمر بن حدو الريفي وبين نصارى الإنجليز بطنجة، لأننا نجد:
الريفي أ- أن أحداث التاريخ تتلاحق بانتقال القائد عمر بن حدو بمحلته من المجاهدين بأمر السلطان إلى المعمورة
للضغط عليها واستنفاذها من يد نصارى الإسبان، وقد تمكن من ذلك جيش المجاهدين حينما دخلها فاتحا بقيادة السلطان "المولى إسماعيل" الذي قدم إليها ليشهد ثمار الفتح بنفسه في ثالث عشر ربيع الثاني عام 1092 هـ.(9)
ب – أن تداخل أحداث فتح طنجة في هذه المرحلة الأولى قد جعل بعض المؤرخين يذكرون وقائعها ضمن أحداث عام 1090 للهجرة، فقد ختم ابن الحاج في "الدر المنتخب" حديثه عن أحداث هذه المرحلة بأن "كل ذلك في عام تسعين وألف...وفي رواية أن أخذ البساتين كان عام واحد وتسعين".(10)
ورغم أنه رجح أن تكون هذه الأحداث في عام 1091 هـ إلا أنه لا يبعد أن يكون بعضها مما وقع قبل، وعلى مشارف نهاية عام 1090هـ، والملاحظ أن القادري نفسه وهو يؤرخ لوقائع عام 1090 هـ في كتابه "التقاط الدرر" يورد هذا الخبر:"...وقوي الاجتهاد في إخراج الرماة، وفي رابع المحرم وقعت عزوة بطنجة، وأخذت قصبة لهم بأربعة أبراج".(11)
ويورد الناصري في "الاستقصا" بعض أحداث عام 1090 هـ فيذكر ما نصه :" وفي أواخر المحرم من هذه السنة أوقع جيش المسلمين بنصارى طنجة، فقتلوا منهم ثلاثمائة وخمسين، وانتزعوا منهم قصبة بأربعة أبراج، واستشهد من المسلمين نحو الخمسين رحمهم الله". (12)
وعلى كل، فترتيب أحداث الفتح في هذه المرحلة يكبر الاحتمال فيها قد امتدت خلال سنتي 90 والتي تليها، لتنتهي مع عقد الصلح الذي تم في جمادى الأولى عام 1091 هـ.
وقد تأتى سرد أحداث هذا الفتح في كل من "زهر البستان" و"الدرر المنتخب"، وقد جاءت نهايتها طبيعية بانعقاد الصلح وإبرام الهدنة بين القائد المذكور ونصارى طنجة.
ففي "زهر البستان" يجري الحديث هكذا عن القائد عمر بن حدو بعد فتح بساتين طنجة المتقدم ذكرها بما نصه: "...وتلون عهد الاستراحة ورجع بملحة أخرى، -وأمره أيده الله- بمعاودة منازلتها، فتهيأ النصارى الإنجليز الذين بها لملاقاة المسلمين، وطلبوا الإغاثة من جيرانهم النصارى "صبنيول من عدوة الأندلس" عند تعذر إغاثتهم من إخوانهم الإنجليز لبعد ما بين طنجة و"جزيرة انغلطرة" فأغاثهم "اصبنيول" بطائفة من النصارى "أهل القبطجية" منهم، فخرجوا من حصن طنجة لمحاربة المسلمين، فثاب المسلمون في وجوههم، وأمكن الله منهم بسيوف المسلمين، فقاتلوا قتالا ذريعا، ورجعوا لحصنهم منهزمين، وطلبوا من القائد المذكور أمانا على شروط اشتراطها عليهم من فك أسارى المسلمين، ودفع بارود وعدة، وغير ذلك ما تحملوا مما يكبر عليهم دفعه لولا خوفهم من سطوة المولى المنصور، والتزموا دفع بارود وعدة، وأشهدوا على أنفسهم، وشهد عليهم بذلك القسيسون والرهبان، ورجع القائد المذكور بأجر وغنيمة"(13)
أما في "الدرر المنتخب" فإنه يتابع خبر وقائع "فتح طنجة" بعد سقوط تلك البساتين بما نصه:"....وبقي النصارى في مدينة طنجة منحصرين، فبعث القائد المذكور بخبر فتح البساتين لأمير المؤمنين، فأمده بجيش من المجاهدين، وقال له : أدم الحصار على القوم الكافرين، فتهيأ النصارى "الإنجليز" الذين بها لملاقاة المسلمين وطلبوا من جيرانهم النصارى "صبنيول" بعدد كثير من الشجعان والأبطال، وخرجوا من طنجة لمحاربة المسلمين أهل الكمال، وتركهم المسلمون حتى ساروا من طنجة سيرا له بال، فرجع المسلمون عليهم، وتمكنت سيوف المسلمين منهم، وقتل من المسلمين نحو الخمسين، ومن الكفار ما يزيد على ثلاثمائة، ورجعوا منهزمين لطنجة حصنهم، وطلبوا من القائد المذكور الصلح، فشرط عليهم شروطا، من فك أسارى المسلمين، ودفع بارود، وعدة، مما يكبر دفعه عليهم، والتزموا أن يدفعوا ذلك كل عام، وشهد القسيسون بذلك مما التزموه، ورجع القائد المذكور بأجر وغنيمة".
وهكذا انتهت أحداث المرحلة الأولى من "فتح طنجة" بعقد الصلح الذي أبرم عام 1097 هـ لتتحول محلة المجاهدين إلى حلق "وادي سبو" لافتتاح "حصن المعمورة".(14)
وإذا كانت أحداث هذه المرحلة – رغم عنائها وشدتها – لم تثمر ظاهريا سوى إزاحة بعض الأبراج، والاستحواذ على الغنائم التي التزم بها عقد الصلح، فإنها في العمق قد هيأت لعمليات الفتح الحاسمة التي ستشهدها فيما بعد الثغور المغربية الواقعة تحت قبضة النصارى.
إن نتائج أحداث هذه المرحلة قد أرسلت ظروف الاستقرار النفسي عند جيوش المغرب، وأعطت لها الثقة بجدوى العمل الجهادي، وذلك برد الاعتبار للمحلة المغربية كي يصبح الخصم النصراني أمامها للمرة الأولى في موقف ضعف، يذعن للشروط ويقبلها.
ولا شك أن هذا سيكون من العوامل المحفزة للمحلة المغربية على تكرار مثل هذا العمل الجهادي، والدخول في تجربة جديدة لمحاصرة بقية الثغور المحتلة.
لقد أزاح اختراق حاجز أبراج طنجة حواجز نفسية كثيرة كانت تثبط أعمال الجهاد، وتحول دون الوصول به إلى الفوز.

وأخبر تعلم المجاهدون من كل هذا كيف يمكنهم كسب معركة حصار الحصون والقلاع.
* المرحلة الثانية:
وهي التي أثمرت "فتح طنجة" بصفة نهاية عام 1095 للهجرة، وتبدأ هذه المرحلة غداة فتح المعمورة سنة 1092 هـ حينما أمر "السلطان المولى إسماعيل" قائده "عمر بن حدو البطيوي" الريفي بما معه من المتطوعة، وجيش أهل الريف، بالنزول من جديد على طنجة، وإحكام محاصرتها الحصار الشديد، ففتح من حصونها "قصبة مرشان" وهدم أبراجها، وخرب أسوارها، فوسع بذلك دائرة الاختراق، وأصبحت طنجة وقد "بلغ النهب حصونها ودورها".(15)
في هذه اللحظة انتقلت قيادة الجيوش المحاصرة لطنجة بالنيابة إلى القائد "علي بن عبد الله الريفي"(16)ليتابع عملية الحصار والتضييق على نصارى طنجة.
وحدث أن توفي القائد "عمر بن حدو" (17) الذي كان في رحلة إلى مكناس من أجل لقاء السلطان، فاستقل لذلك القائد "علي بن عبد الله الريفي " بقيادة جيوش الجهاد من المتطوعة، وجيش الريف، وولاه "السلطان المولى إسماعيل" على ما كان بيد سلفه من ولاية القصر الكبير، وتطوان، والفحص، وغمارة، وجدد فيه الثقة، وحضه على متابعة الحصار يبعث له بالإمدادات لمختلفة، مما يتجدد معها في كل مرة الأمل في الوصول إلى الفتح واستخلاص المدينة من النصارى المحتلين.
ويتعدد الوصف الذي يقدمه المؤرخون للأحداث التي أسفرت معها عملية الفتح عن استخلاص طنجة، وتحريرها من الأسر، الذي امتد إلى ما يقارب مائتين وثلاثين سنة.
1) فصاحب "زهر الأكم" يقدم صورة الفتح كاملة بما فيها شدة المواجهة، وقوة عزيمة المجاهدين في مصادمة قلاع الدفاع عن المدينة وأبراج الحماية، وإفشال كل محاولة إنجاد ومعاونة من البر أو البحر، فقد كان :" أمير المؤمنين أمر قائده "عمر بن حدو الريفي" المذكور بعد فتح ثغر المعمورة أن يرحل وينزل على مدينة طنجة، على من بها من الروم، فصار إليها في جمع عظيم من العساكر والمتطوعة، فنازلها، وحاصرها الحصار الشديد، إلى أن أخذ "قصبة مرشان"، وخرب سورها، وتلاحق السبي والنهب حصونها ودورها، واستأصل الكماة أرجاءها طولا وعرضا، وقد احتوى على سلاح فاخر، وأثاث وغرض، وطالما أقام المسلمون في الأخاديد كامنين، وما كانوا عن رماية الخزايا بآمنين، قد عم الله السرور سائر الإسلام، لما هدموا ما شيده الكفرة اللئام، فتلك منازلهم خاوية، فهل ترى لهم من باقية ؟ لقد أذعن الكفار بالذل والانكسار، لما علموا أن الحصر يلحق سورها والديار...
هذا والمنادي ينادي هلموا للبحر للأعادي، فتلاحقت باليم الجيوش، كأنهم أقمار وشموس، عارية الغيوث، فعلوا المراكب بالنبال والرصاص، وثمنوهم جرحا وقتلا، ولات حين مناص، فانقلبوا خاسرين مع ما راعهم من أخذ برج الصفيحة والبحر، علموا أنهم أصيبوا بالدمار والخسر، واحتوى على ما كان فيها الغزاة الأكرمون، وخلص الفحص للمسلمين، في اله من مشهد عظيم يوم الجمعة! عم فيه البلاء للكفر ! وفل جمعه، في الخامس والعشرون لربيع الثاني، خربت "قصبة مرشان"، و"برج الصفيحة"، و"برج البحر"، بعد أن هدمت قبل بروج أربعة...فشد عليها الحصار إلى أن دخلها المسلمون سنة 1095 هـ، وهبت على المسلمين نسائم النصر....".(18)
2) ويتحدث القادري في "النشر" عن الإمدادات التي كانت تتوجه إلى طنجة لتشديد قبضة الحصار، والإسراع بعملية الفتح، فيحدد أوقات ورود هذه الإمدادات، ويبين مصدر انطلاقها، ثم يصف في الأخير الكيفية التي استوي بها الفتح ودخول المجاهدين إلى طنجة، وهكذا ذكر أنه :" في الثاني من المحرم من عام خمسة وتسعين وألف وقع "البريح" بخروج الشرفاء والفقهاء والمرابطين يوم الأحد السادس من الشهر نفسه لطنجة بقصد حركة الجهاد، فأصبح ذلك اليوم حاكم البلاد مريضا هالكا.
ثم من الغد وجد بعض الراحة، وأمرهم بالخروج، فخرجوا، ووصلوا، وقضوا من الأجر وطرا. وفي آخر ربيع النبوي من العام رجع الشرفاء والفقهاء والمرابطون من طنجة وقد فازوا بأجر عظيم".(19)
ج- ويتحدث أخيرا ضمن حوادث عام 1095 هـ عن استرجاع طنجة من يد النصارى فقال:"...ففي أول ربيع الأول اشتد الحصار على النصارى في قصبة طنجة فتركوها بعد أن هدموا دورها وجميع ما هو داخل سورها، وهربوا عنها، فأخذها المسلمون والحمد لله ، وشرع المسلمون في بناء سورها أول جمادى الأولى)
ويقدم ابن زيدان في "المنزع اللطيف" صورة كاملة لعملية الفتح، يعتمد فيها على ما ورد عند القادري وغيره، فيصوغ منها مشهد الفتح، ويسرد أحداثه بالتتابع، فقد دخلت سنة 1095هـ والقائد علي بن عبد الله يحاصر طنجة:" فشمر على ساق، وشدد الحصار، ووالى الهجوم والقتال، وجعل الفتح نصب عينيه، وصيره ضالته المنشودة بعزم لا يطرق ساحته كلل، ولا ملل، والمولى إسماعيل يوالي عليه الإمداد بجيوش المسلمين إلى أن هم بتوجيه الفقهاء والشرفاء وذوي الحيثيات، حتى إنه في يوم الأحد السادس من المحرم فاتح العام أعلن النداء بفاس بخروج العلماء والأشراف والمرابطين للجهاد في سبيل رب العالمين...وخرجوا كغيرهم في لفيف المسلمين، ولم تزل الجيوش تفد إلي القائد علي بن عبد الله بن حدو البطيوي الحمامي الريفي التمسماني للرباط معه بكل قوة واستعداد ونجدة ونشاط إلى أن سدت كل الطرق في وجوه الأعداء الغزاة سبل النجاة، ولحقهم من الرعب والفشل بسبب ذلك ما لم يلحقهم من الرمي بالقنابل والنبال، وطلبوا الخلاص، ولات حين مناص، فعمد النصارى إلى دور طنجة وهدموها، كما هدموا كل محليهم في نظرهم، وتركوا طنجة بلا قلاع وركبوا سفنهم، وفروا ناجين بأنفسهم، ودخل المسلمون طنجة يوم الجمعة فاتح ربيع الأول من العام)) هربوا من العرائش وطنجة بسفنهم فوق البحار طاردهم القائد علي بن عبد الله بن حدو الريفي، فوق البحار وأتى بهم صاغرين مأسورين ,أطلاق سراح المأسورين عند الغزاة وعند كل استرجاع مدينة أو ثغر محتل ألقى القبض عليهم المجاهد على وآتى بهم صاغرين
ثانيا : فتح طنجة في الأدب
:
على أن موقف الفتح هذا إن كان قد تم بهذه الصورة الجهادية المثيرة، فإنه قد صاحبته صيحة كبيرة من شعراء الفترة وكتابها تخلد هذا الحدث، وتعلن عن الابتهاج الذي حصل به للإسلام وللمغرب.
فقد تغنى بالفتح ووقائعه ونتائجه بعض الشعراء ممن شاركوا في هذا الفتح، وصنعوا مع بقية المجاهدين وقائعه وأحداثه، ورفعوا أصواتهم يسجلون البشرى بتخليص طنجة من أيادي الشرك، وظلام الأسر، ويعلنون عن فرحة الإسلام بهذه العملية التي استرجعت بها طنجة إلى الهدى وأهله.
1- فالقاضي أبو مروان عبد المالك التجموعتي(24) "ت 1118 هـ" يفتتح قصيدته، التي قالها بالمناسبة، برفع التهنئة إلى طنجة لخلاصها من الأسر، وعودتها إلى الإسلام في قوله:
يهنيك أن زدت الهدى بهجه
بثغرك الأشنب يا طنجة
وانفك أسراك وقد طالما
كنت بأيدي الشرك كالعلجه
ويتذكر بالمناسبة حدث ضياع طنجة وسقوطها بيد النصارى، فيتحدث عن الأقوام الذين أسلموها إلى الأعداء دون مقاومة كبيرة، فيحمل عليهم حملة شعراء، منددا بمواقفهم المخزية، وخذلائهم في الدفاع عن مدينة طنجة، والحفاظ على إسلاميتها:
سحقا لقوم أسلموك وهل
أسلم، قبل، مسلم زوجه
لكن إذا الغدر عادى التقى
يخذل منه فرده زوجه
ولأول مرة يعلو صوت صريح يحمل المسؤولية في احتلال طنجة لأمراء بني وطاس لتخاذلهم عن الدفاع عنها، واستنهاض الهمم لاستنقاذها واستخلاصها، بل لانصرافهم عنها إلى لهوهم وزهوهم وانشغالهم بمجالس سكرهم ونشوتهم، فلا يسمعون صريخها، ولا يعبئون بما أتت به الحملة النصرانية عليها من احتلال وعدوان وتقتيل:
وطاس عن (نار) الوطيس ونى
وآثرت أثرته لبنجـــه
نشوان لا يلوي على أحد
فكم أباد الشرك من مهجه
لم يستفق إلا وقد طمست
سكرته من الهدى نهـجـه
قد جرأ الشرك على الغرب من
زهو ولهو أنتـجـا هـرجـه
ويلتفت القاضي التجموعتي وهو في غمرة الانفعال بهذه الأحداث المثيرة إلى طنجة، فينقل إليها البشرى بما شملها من فتح، ويجدد تهنئتها بعودة الإسلام إليها، وإسراج أهله سرجه فيها:
يا طنجة الإسلام بشراك قد
أسرج فيك أهله سرجه
وفي "ديوان" الفقيه الشاعر محمد الرافعي التطواني (26)" كان حيا 1096 هـ" عدد من القصائد الثغرية التي تمجد أعمال المجاهدين الريفيون في المرابطة على الثغور المحتلة من طرف النصارى، وتستنهض هممهم وعزائهم لمحاصرتها والتضييق عليها، والوصول بها إلى مرحلة الافتكاك من الأسر، وتحقيق الفتح لها، وقد كان الشاعر الرافعي من المرابطين المجاهدين الريفيين الذين شاركوا فعليا في أعمال الحصار، ومعايشة لحظات فتح الثغور واستلامها، وبخاصة، فتغنى – وفي أكثر من قصيدة – بما تحقق مع هذا الفتح من مزايا، فينقل التهنئة والبشرى كما في قصيدته النونية:
هنيئا وبشرى بنيل المنى
وفتح سعيد أزال العنا
أنارت بشائره جهرة
ونصر من الله لاح لنا
وتختص "قصيدته الحائية" بوصف حصار طنجة، ورباط المجاهدين عليها، وتسجيل فروسية جيوش المجاهدين الريفيون في اقتحامهم أبراج المدينة، وتحريرها واسترجاع، وتعلن عن الفرحة العارمة التي غمرت الناس في المغرب بمناسبة هذا الفتح، كما في قوله:
هنيئا وبشرى يا سراة بأنجم
علت في ذرى الأفلاك بالخير والصلاح
سمت ملة الإسلام لما تضعضعت
معاقل كفر بالصواعق والصفاح
وجاشت جيوش في أباطح طنجة
ونادى منادي الجيش حي على الفلاح
وسار لنا الفتح السعيد لطنجة
فياله من فتح وياله من نجاح
وهي قصيدة طويلة يتمثل فيها الشاعر ظروف الاستعداد للجهاد، وتعبئة المجاهدين وإصرارهم لأجل الفتح، فيتحقق ذلك، ويكبر معه زهو النصر، فيستيقظ في النفوس الأمل لبعث مغرب العهود الزاهرة، ويتولد معه شعور باسترجاع الأندلس من جديد:
فنسأل مولانا الجزيرة مسكنا
وفتحا يكون للعباد به صلاح
فإن حدث الفتح الذي مثله القائد الفاتح علي الريفي بإسترجاع طنجة وقد ولد شعورا عاما بضرورة التعبئة لمتابعة فتح بقية الثغور المحتلة، ولتتحول طنجة بذلك إلى مجمع للمجاهدين، ومعسكر للمرابطين لتنطلق منها بقية الأعمال الجهادية الأخرى.
ولذلك كان النجاح في عملية استرجاع طنجة بداية لعهد تستوي فيه الشخصية الريفية المغربية، وتعود إليها ثقتها وإيمانها، فأكثر الشعراء من الحديث على فتح طنجة، ومن التهنئة بهذا الفتح الذي ما كان ليعدله إلا فتح سبتة لو أنه تحقق.
3) ونجد الشاعر "أبا عسرية الفاسي القصري"(28) "ت 1117هـ"، وقد صاغ رائعته القافية،(29) يمجد هذا الفتح وما تحقق معه، ويثني على المجاهدين القائمين بالحق لأجل التحرير، فيمدح السلطان المجاهد "المولى إسماعيل"، ويمدح القائد علي بن عبد الله الريفي وبعض ممن كانوا في طليعة الجيوش الفاتحة.
ثم يخلص للحديث عن المجاهدين وفعلهم في فتح الثغور، وقهر الكفر، وبخاصة في اقتحام "حصن مرشان"، وما بجانبه من "الأبراج" التي أعدها العدو للمراقبة والدفاع:
فكم من معقل للكفر هدوا
منيع لا يساوم باللحاق
كمرشان الشهير وما يليه
من الأبراج والأطم الغماق
ولاشك أن طنجة بهذه الحصون والأبراج المنيعة المحدقة بها، قد أصبحت في مأمن من أي أذى يمكن أن يتوجه إليها، أو هجوم بري يمكن أن يستهدف أسوارها وأبوابها، فكانت المدينة من المنعة والقوة ما جعلها في موقع المتحكم في المنطقة، لا يهددها ضغط المجاهدين الذي توالى عليها منذ أول يوم وقعت فيه فريسة للاحتلال النصراني.
ولكي تبرز القيمة الحقيقية لفتح طنجة، وما أنجزه المجاهدون من عمل بطولي في اقتحام أسوارها، كان على الشاعر أن يتمثل صورة طنجة باعتبارها مركزا قويا في المنطقة، بحصونها، وجبروتها، وعدوانيتها، تحول مناعتها وقوتها دون إنجازات المجاهدين المتواصلة، ولذلك صور طنجة وقد أصبحت تمثل العناد والشقاق، أو تمثل الداء العضال الذي استعصى على العلاج:
وهل بالغرب أو بالشرق ثغر
كطنجة في عناد أو شقاق
غدت في ملتقى البحرين داء
عضالا، لا لذاك الداء راق
وحاول فتحها قدما أناس
ففرق سوقهم قبل النفــاق
ولم تظفر بها إلا أسود
أجمتها من الأسل الرشاق
وتعلو نبرة الفتح بالقهر والغلبة في هذه الأشعار لتحمل إصرار قائد المجاهدين على بن عبد الله البطؤي الريفي
علي الفتح ومتابعته، وشحذ النفوس وتهيئتها وتعبئتها لاسترجاع بقية الثغور، ولذلك لا غرابة في أن يستيقظ في النفوس ما نومه امتداد القرنين السالفين من مأساة ضياع الأندلس وغياب الإسلام عنها.
وتتحرك في أعماق هذه القصائد الثغرية جدلية الإفراغ والتعمير، والتقتيل والإحياء، فيتهدم الشرك وحصونه، وينمحق الكفر وأهله، ليعم كل ذلك عمران الهدى، وبناء الإسلام.
وشرع قائد المجاهدين علي بن عبد الله الريفي في بناء ما تهدم من أسوارها ومساجدها".(5)ووجهه لحصار طنجة فضيقوا على من كان بها إلى أن تركوها خاوية على عروشها بعدما خربوها وهدموا أسوارها وأبراجها ومساجدها وفسدوا مجاري مائها وتركوها خاوية وانصرفوا لحال سبيلهم، فدخلها المسلمون والحمد لله في ربيع الأول سنة خمس وتسعين وألف، قاله في النزهة
هذا وينص عبد الكريم الريفي في كتابه :"زهر الأكم" على أن السلطان المولى إسماعيل أمر أبا الحسن علي الريفي، على ثغر طنجة، وذلك بعد ابن عم له، واسمه عمر بن حدو، وكان هذا قد أخذ بساتين طنجة، وقصبة مرشان، ودار البارود، ثم إن أبا الحسن الريفي سارع إثر تنصيبه أميرا على ثغر طنجة من قبل السلطان المولى إسماعيل إلى فك أسر المدينة من وثاقها "وكان فتحها، كما ذكرنا سنة 1095 هـ ثم بنى بها مسجدا، وبنى المسجد الأعظم بالمدينة. وأقام به الخطبة أيضا، فصارت حاضرة البر والبحر، وأمر السلطان، رحمه الله، بعمارة ثغر طنجة وبتحصينها، وأسكن فيها وجوه القبائل وجمعا عظيما من أهل الريف"
يتحصل من كل هذا أن المسجد الأعظم بمدينة طنجة تم بناؤه على يد القائد العقيد أبي الحسن علي الريفي، المقدم من قبل السلطان المولى إسماعيل على المدينة، وبذلك فإنه معلمة من معالم القادة الريفيين في المغرب .
ولم تتأخر طنجة كثيرا عن الالتحاق مرة أخرى بباقي الحواضر المغربية، فقد تمكنت، في ظرف وجيز، من استرداد مجدها في العلوم والآداب، واستطاع ولاتها الريفيون أن يجلبوا عددا من العلماء والشعراء إليها، فتحلق حولهم الشعراء يمدحونهم ، كما في الأبيات
2

 

 

رد مع اقتباس
 

  #2  
قديم 28-12-2013, 01:12 AM
الصورة الرمزية وائل الريفي
وائل الريفي وائل الريفي غير متواجد حالياً
كاتب متألق
 




افتراضي رد: لقطات من تاريخ طنجة في القرن السابع عشر والثامن عشر

2 – ينظر بعض ذلك في، زهر الأكم : في أكثر من موضع فيه.

3 – الاستقصا : 7/77.
4 – الاستقصا : 7/67.
5 – الاستقصا : 7/67.
6 – 7 - عبد الكريم الريفي، زهر الأكم : 173
7 – وقد وقفنا على مجموع شعري فريد يضم شعر شعراء طنجة في هذه الحقبة.
دعوة الحق، س.36، ع309-310 /أبريل- مايو 1995 ص 108
الآتية / زهي من شعر الشاعر محمد بن الطيب الشلوشي :
وبالحـي حوراء المحاجر لو بدت لشمـس الضحى مدت إليها الأنامل
أبيـــت وجفني ساهر (ومكلم) وأضحــى وطرفي بالمدامع هامل
إلى الله أشكو طول بيني وغربتي لأن الهـــوى شغل لقلبي شاغل
أداري الهوى عنها وأخضع للعدى وأخشـــى عليها ما تجر الغوائل
ذهلـت عن الأوقات وجدا وحسرة وقد كان قبل الحب ذهني غافل (كذا)
فقلــت لهــا مهلا علي فإنني علــى كل حال عن جنابك راحل

 

 

رد مع اقتباس
 
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مائة سنة من تاريخ المنشآت الحبسية بطنجة نماذج من أحباس مدينة طنجة منذ القرن الثاني عش وائل الريفي استراحة الأشراف الأدارسة 1 02-01-2012 11:21 PM
انا اللحياني من طنجة واجدادي هنا عرفوا بالروافة عزيز اللحياني استفسارات وطلبات ودراسات لأنساب الأشراف الأدارسة 10 01-10-2011 09:20 PM
جزء من تاريخ طنجة عروسة الشمال وائل الريفي استراحة الأشراف الأدارسة 4 06-06-2011 06:02 PM
ضريح البركة محمد الحسني ابن المكي الوزاني تحت وصاية الإحتلال في طنجة وائل الريفي استراحة الأشراف الأدارسة 2 01-06-2011 10:59 PM
صور عن عائلة الموجى اليمانى الإدريسى منتقاه لجريدة اليوم السابع المصرية الشريف الموجى الأدريسى صور الأشراف الأدارسة 23 23-10-2009 02:42 AM


الساعة الآن 10:13 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir