سليمان الريسوني : سيدي أحمد..الثمرة التي وقعت جهة الروح
أخي سيدي أحمد هو الثمرة التي وقعت جهة الروح لدوحتين باركتهما الرياح اللواقح .. إذ لم يكن لأسرتي والدينا كبير اتصال من شأنه أن يجعل العارف بهما ( وهما الأسرتان الشريفتان في جبل العَلم ) يحدس مصاهرة ( بين بني ريسون وأولاد الشنتوف ) ستقوم ، بُعيد ما حطت الحرب العالمية الثانية أوزارها، ستهب طرفيها بنات وذكورا وفيئا وهدنة دائمة.
فقد اتسم الشناتفة ؛ وهم عائلة والدتي ، وهم أبناء سيدي عبد الصمد أحد أبناء الغوث الصوفي مولاي عبد السلام بن مشيش ، بمراس صعب متعصب لفخذتهم وحوزتهم ، فكانوا يمنعون الريسونيين من عبور طرقهم ، حتى، لإيصال أخراج وهدايا زاوية " الخلوط " الريسونية إلى الزاوية الأم بتازروت ( حيث ضريح القطب سيدي امحمد بن علي بن ريسون صاحب المتون ، والقائد الجامع في معركة الملوك الثلاثة؛ التي دحر فيها المغاربة جحافل الغزاة البرتغاليين بأحواز وادي المخازن .. فكان أن اقتطع الملك السعدي المنصور الذهبي أرض المعركة للزاوية الريسونية . وهي الأرض التي ستغوي جد أبي بالقدوم إلى منطقة الخلوط - مدشر أولاد سلطان حيث سيرى النور والدي ، اخوتي وأنا ) فما إن تمت هذه الزيجة حتى رأبت الصدع وأنبتت في شقوقه الزرع والبقل ؛ فكانت الأيدي تحصد من قبلتي الحقل إلى أن تشابكت وتواددت فتصاهرت وانصهرت...
أخي سيدي أحمد هو ثالث إخوتي الثلاثة عشر، وأنا آخرهم . ولسبب لا أعرفه توقف والداي عن مناداة من جاؤوا بعد سيدي أحمد من إخوتي بسيدي أو للا؛ وهو التشريف الذي حملته أختنا الراحلة للا فاطمة وأخونا الأكبر سيدي محمد .
لم يكتب لي أن أعيش طفولتي إلى جانب إخوتي ، بحيث رباني عمي سيدي محمد رحمه الله، الذي ظل إخوتي يعتبرونه أباهم الثاني فيما اعتبرته أنا ، وإلى سن متأخر، والدي الأوحد " با ".
كان " با " متزوجا من ابنة عمه " ماما " للا فطوم رحمها الله ، التي رزق منها بابن وحيد هو " خاي " سيدي الحسن رحمه الله وقد تزوج "خاي " من أختي لطيفة ابنة عمه وخلف منها ستة أبناء ينادونني عمي بدلا من خالي .
في طفولتي ، ببيتنا بحي الطابية ، تعرفت على أخي سيدي أحمد ،الذي كنت أعتبره ابن عمي.. شاب بلحية سوداء كان يزور بيتنا ، بين الفينة والأخرى ، ناديته بولولو( مرعب الأطفال الافتراضي )
لم يبق لي ،الآن، من صورة بولولو إلا بعض مشاهد للطفل الذي كنته .. يختبئ - متكرشخا ضحكا - خلف رواق أزرق بباب غرفة مظلمة بدارنا بالطابية وهو يصيح : بولولو.. بولولو ...
في بيتنا الثاني بحي للا عائشة الخضراء كان سيدي احمد جارنا ( ذاكرتي الآن أصفى ) عرفت أنه موظف بالمحكمة .. حيث يشتعل " حبيبي " السي الطيب؛ أخ ماما ، ورغم أني علمت مؤخرا أن سيدي أحمد كان رئيسا لمصلحة كتابة الضبط ، آنئد ، فما أزال أجد صعوبة في هضم أن حبيبي السي الطيب الذي كان رحمه الله يسكن بيتا من أفخر بيوتات القصر الكبير وله سيارة وسائق أقل درجة في سلم الوظيفة من أخي سيدي أحمد .
كنت أستطيع أن أتهجى تفرد سيدي أحمد عن خاي سيدي الحسن ؛ الذي هو في مثل سنه تقريبا ، كما عن باقي أفراد العائلة ، وكذا سكان الحي ... تفردا في طريقة حديثه ..زهده في مسائل يقبل عليها أقرانه أو من هم في وضعه...إقباله على أشياء هي أقل اعتبارا في نظر الآخرين...
لم أكن أعرف - ونحن في بداية الثمانينيات - بوضوح أن سيدي أحمد هو رئيس الجمعية الإسلامية ، تلك الشرارة التي ألهبت سهولا..
لم أكن أعرف أن سيدي أحمد الذي احتج يوما بقوة على جيران لنا ( طالما أشركونا في صخبهم الليلي ) كان يلوذ بالليل ..
ليل العلماء
ليل العارفين
ليل صباحاته
لعله في ذلك الليل قرر أن يخرج من عوالم المحاكم إلى محاكم العلوم ..
ومن القصر الكبير إلى العالم الأكبر .
سليمان الريسوني,
http://www.raissouni.org/affdetail.a...ngue=6&info=42