إن العائلة الكتانية من نسل الإمام أبي عبد الله محمد الملقب بالمنتصر، و هو كبير أولاد أبيه و وارث هديه و سره، القطب الإمام مولانا إدريس الثاني بن القطب الأكبر الإمام مولانا إدريس الأول، مؤسس الدولة الإدريسية و هو ابن عبد الله إدريس الأول، مؤسس الدولة الإدريسية و هو ابن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب و الحسن السبط هو ابن السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله e.
ولي الإمام بن إدريس، و أمه من الأشراف نفزة، الإمارة بعد والده سنة 213ه و توفي في ربيع الثاني سنة 221ه و دفن بإزاء والده بفاس في جامع الشرفاء. و خلف الأمير المذكور ابنه علي، جد الشرفاء العلميين، و قد توفي في رجب سنة 234ه.
فخلفه شقيقه الأمير يحيى الأول المعروف بمحيي الدين، و أمهما رقية بنت إسماعيل بن عمير ابن مصعب الأزدي، و يحيى هذا هو جد الكتانيين. و في أيامه بني القرويين و الأندلس بفاس و عمرت المدينة بالمهاجرين من قرطبة و القيروان. و بقي يحيى الأول في الإمارة إلى وفاته سنة 249ه بفاس، و دفن بإزاء أبيه و جده.
خلف الأمير يحيى الأول ابنه الأمير يحيى الثاني، الملقب بيحيى الأصغر. تولى الإمارة لمدة ثلاث سنين إلى أن توفي سنة 252ه فدفن بإزاء جد أبيه المولى إدريس بمسجد الشرفاء بفاس. و خلفه في الإمارة على المغرب والد زوجته عاتكة و ابن عم أبيه علي بن عمر ابن إدريس، و هكذا خرجت الإمارة من يد أبناء محمد بن إدريس إلى أبناء عمر بن إدريس (جد الشرفاء الحموديين و غيرهم). و عقب يحيى من ولده عبد الجليل، الولي الصالح، جد الأشراف الكتانيين.
و في حياة عبد الجليل بن يحيى الثاني ثار أحد الخوارج الصفويين، و اسمه عبد الرزاق، على الأمير علي بن عمر بن إدريس. و بعد عدة معارك انهزم الأمير و لجأ إلى قبيلة أوربة.
و احتل الثائر عدوة الأندلس، لكن عدوة القرويين قاومت و بايعت يحيى بن قاسم بن إدريس الثاني (جد الجوطيين)، الملقب بالجوطي و بالمقدام، و قد اضطهد يحيى الجوطي هذا أبناء عمه محمد بن إدريس، ففر من جد الكتانيين عبد الجليل بن يحيى إلى تلمسان حيث توفي سنة 303ه و دفن بالبليدة من أحوازها و خلفه ابنه عمران، جدنا، و قد توفي في تلمسان كذلك و دفن بالسوق الفوقي منها، و كان قبره معروفا إلى أن هده الفرنسيون لفتح طريق محدثة فوقه. و قد ذكر السيد عمران و السيد عبد الجليل أبو عبيد في خاتمة «المسالك و الممالك» و الأزورقاني.
قتل يحيى الجوطي سنة 292ه، فبايع أهل فاس أحد أمراء الأدارسة يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس الثاني. و في سنة 305ه، هاجم قائد الفاطميين مصالة بن حبوس مدينة فاس و هزم جيش الأمير الإدريسي. و لكن المدينة استعصت عليه، فاجتمع الأدارسة على حربه في أنحاء المغرب، و من بينهم جدنا يحيى بن عمران بن عبد الجليل بن يحيى الثاني. و تحالف الفاطميين مع أمويي الأندلس. و في سنة 315هاستولى موسى بن أبي العافية الزناتي على فاس. و كان عدوا لذوذا لآل البيت، فسعى في محو أثرهم من المغرب و طردهم عنه و أخرجهم من فاس و كل الأراضي التي سيطر عليها. فلجأ أمراء الأدارسة إلى قلعة حجر النسر بسوماته قريبا من جبل العلم، و كانت حصنا منيعا بناه سنة 317ه إبراهيم (الملقب بالرهوني) بن محمد بن قاسم بن إدريس الثاني، فنزل عليهم موسى بن أبي العافية هناك، و شدد عليهم الحصار بجيش تحت قائده أبي الفتح التسولي. ثم صار بعض من قدر الأمراء الأدارسة على الفرار يفر طلبا للنجاة.
كان من جملة من فر من قلعة حجر النسر جدنا يحيى بن عمران، فذهب إلى ناحية زواوة شرق الجزائر كما نص على ذلك جميع المؤرخين، بما فيهم أبو العباس أحمد بن محمد المقري التلمساني في كتابه «كنوز الأسرار و معدن الأنوار في التعريف بأولاد النبي المختار» و نصه: «ثم فر إلى زواوة الكتاني أمير الناس يحيى بن عمران بن عبد الجليل بن يحيى بن يحيى بن محمد بن إدريس». فعلا بايع أهل زواوة (القبائل الكبرى) يحيى بن عمران، و لقبوه أمير الناس، ثم لقبوه بالكتاني لأنه أول من جيش بخيام الكتان، و كانت تستعمل من قبل من صوف أو شعر.
و قد ذكر هذه الأحداث، و الأمير يحيى بن عمران، جميع النسابين و المؤرخين، كابن جزي و المقري و الأسيوطي و المكناسي و غيرهم.
و هكذا فالكتانيون هم سلالة أمير الناس يحيى، المدعو الكتاني، بن عمران بن عبد الجليل بن يحيى بن يحيى بن محمد بن إدريس بن إدريس ابن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي و ابن فاطمة بنت رسول الله e.
و في هذا يقول جد جدنا العلامة سيدي جعفر بن إدريس الكتاني:
فجدنا يحيى و بالكتاني
سببه جعل الخبا كتانا
وقت إمارة له فيما قد سلف
كذا تلقى "ناظم اللآلي"
نسبته قائمة البرهان
جرى على من بعد حتى الآنا
و في "كنوز" قد آتانا مؤتلف
عن بعض أعيانهمُ الكمال
توفي يحيى الكتاني بن عمران في زواوة عن سن عالية أواخر المائة الرابعة. و انتشر عقبه هناك إلى أن انتقل منهم إلى مدينة شالة قرب الرباط جدنا مولاي محمد بن الولي الصالح مولاي عبد الله، دفين قسطنطينة شرق الجزائر أواخر القرن الخامس الهجري، و ضريحه معروف بالمدينة اليوم و ملحق به مسجد كبير و كذلك المدرسة الكتانية. و بصفة عامة لازالت آثار بني الكتاني بتلك الجهات من ضرائح و زوايا و مدارس عليها أوقاف و توابع مشهورة نسبتها للكتانيين. و السيد عبد الله هذا هو ابن سيديهادي بن يحيى الكتاني. لقد انتقل إلى شالة جدنا سيدي محمد بن عبد المومن بن علي الموحدي في الثلث الأول من القرن السادس الهجري، و كانت شالة آنذاك قاعدة قبيلة بني حسان.
و انتشر نسل سيدي محمد بن عبد الله الكتاني في شالة حتى عد لهم فيما بعد أحدهم أكثر من ثلاثمائة قبر. و انتقل حفيد سيدي محمد بن عبد الله الكتاني، و هو مولاي موسى بن أبي بكر بن محمد بن عبد الله الكتاني، من شالة إلى مكناس حوالي سنة 654ه أواخر أيام السلطان أبي يحيى أبي بكر بن عبد الحق المريني. و استوطن المولى موسى هذا و أولاده الحومة المسماة بزقاق الحجامين. قال القاضي ابن الحاج في كتابه «عقد الدر و اللآل في شرفاء عقبة ابن صوال»: «و كان لهم (أي الكتانيين) فيها (أي مكناس) الصيت الشهير بصراحة النسب، و علو المكانة، و عظيم الحظوة عند ملوك بني مرين».
فيكون أول قادم إلى مكناس هو جدنا مولاي موسى بن أبي بكر بن محمد بن عبد الله بن الهادي بن أمير الناس يحيى الكتاني. و لم يزل أعقابه قاطنين بمكناس، و أهلها يجلون قدرهم و يرفعون شأنهم و يتبركون بهم و يذعنون لعلي منصبهم و يتفاخرون بمصاهرتهم و يتغالون في محبتهم. و لأمراء بني مرين اعتناء بهم و مزيد حظ لرعايتهم و تكريمهم و تبجيلهم لثبوت نسبتهم و ظهور بركتهم. و لنا ظهائر من تلك الفترة هي بيدنا.
و خلف المولى موسى بن أبي بكر ابنه المولى على بن موسى. و كان رحمه الله من أهل الفقه و النباهة. و هو الذي رفع عمود نسبه الإمام عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي المكناسي في كتاب: «عقد اللآلي المستضيئة». و كانت وفاته رحمه الله أواخر المائة السابعة بمكناس. و خلف ولد مولاي محمد بن علي، و كان من أهل الفقه، و خلف المولى محمد ابنه مولاي علي بن محمد. و خلف هذا ابنه مولاي عبد الواحد بن علي. و كان رحمه الله من أهل الولاية، معروفا بالخير مشارا إليه بالمعرفة و النجاح و الفلاح. و خلف هذا ابنه مولاي القاسم بن عبد الواحد المتوفى بمكناس سنة 893ه. و لدى العائلة رسم شرف كتب بمكناس سنة 930ه لأحد أفراد العائلة و هو الشريف الجليل سيدي عبد الواحد بن أحمد بن مولاي قاسم بن عبد الواحد المذكور.
خلف السيد القاسم بن عبد الواحد ولدين السيد محمد و السيد أحمد. أما السيد أحمد بن القاسم فهو جد الفرع المتبقي بمكناس الذي ظل قليل العدد إلى أن انقرض في أوائل القرن الثاني عشر هجري. أما السيد محمد بن القاسم فهو جد جميع الكتانيين المعروفين اليوم، و هو الذي انتقل من مكناس إلى فاس سنة 948ه أيام الدولة الوطاسية. و قد جاء في تحليته في عقد شرف كتب لحفيده مولاي علي بن الطاهر بن محمد بن القاسم المذكور بتاريخ 962ه ب «السيد الشريف الأحفى الأبهى الأوفى الأرضى الشهير العلم الكبير الماجد الخطير المعظم». و قد أورده السيد الشريف مولاي الزكي العلوي في كتابه «الدرة الفائقة» قائلا ما نصه: «و جدهم القادم على فاس شهد له بالشرف جم غفير من علماء المغرب كالشيخ خروف التونسي، شيخ الإمام القصار، و أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن جلال التلمساني، و غيرهما من العلماء الأعلام و قضاة الأنام». ثم قال: «و كان هذا الجد القادم على فاس من الأولياء الأكابر، له وجاهة عند أهل زمانه بما ظهر لهم فيه من كثرة الزهد و الورع و الصمت، و الاشتغال بنفسه، و كثرة العبادات من صوم و صلاة و ذكر و خشوع و تواضع و غير ذلك من أفعال البر».
فيكون إذا الداخل إلى فاس من أجداد الكتانيين هو السيد محمد بن قاسم ابن عبد الواحد بن علي بن محمد بن علي بن موسى القادم إلى مكناس من شالة. و كانت وفاة مولاي محمد بن القاسم في أواسط القرن العاشر الهجري بعد قدومه لفاس بقليل. و خلف ولدين، أحدهما مولاي الطاهر و قد انقرض عقبه و الثاني جدنا مولاي عبد العزيز بن محمد بن قاسم.
بقرب تسعمائة بلا خفا
فبعد ذاك قصد الأشراف
ليس بها الآن سوى مجدَّد
و كل ذاك مفصل لأهله
كان دخول فاس جل الشرفا
لفاس حيث ظهر الإنصاف
قدومه أو وارد من أبعد
محرر عندهم في نقله
و كان سبب ورود أجدادنا إلى مكناس و فاس هو ناتج عن مجهود بين مرين و بني وطاس في جمع شمل الأدارسة و غيرهم من الأشراف و برهم و تعظيمهم. فصاروا يردون على المدينتين أفواجا و لم يكونوا بهما من قبل منذ أن أجلاهم منهما ابن أبي العافية. و قال في ذلك صاحب «درة المفاخر»:
أما السيد عبد العزيز بن محمد بن قاسم فقال عنه في «الدرة الفائقة»: «كان من الأولياء الكمل، يعتريه الحال في جل أموره»، و قال ابن الحاج في كتابه «عقد الدر و اللآل في شرفاء عقبة ابن صوال»: «كان من الأولياء الكمل الدالين على الله، و له كرامات أجلى من الشمس في الوضوح». و قد حبس أحد وجهاء فاس عليه و على شقيقه مولاي الطاهر و على من تنسل منهما دارا كبيرة بحومة عقبة ابن صوال بمصريتها و أرواها و ذلك بتاريخ 994ه. و لازالت هذه الدار محبسة على العائلة الكتانية إلى يومنا هذا. و استقرت العائلة في تلك الحومة حتى صاروا يعرفون بها فيقال: «الكتانيون شرفاء عقبة ابن صوال».
و قد توفي سيدي عبد العزيز بن محمد بن قاسم حوالي سنة 997ه في إحدى زياراته لأقاربه بمكناس و يعتقد أنه دفن هناك. و خلف بفاس ابنه مولاي القاسم، الرجل الصالح، الذي توفي بفاس سنة 1030ه. وخلف هذا الأخير ابنه مولاي علي بن قاسم، و هو مجمع الموجودين الآن من الكتانيين. و قد ذكر جد والدنا، سيدي محمد بن جعفر الكتاني في كتابه «النبذة اليسيرة النافعة» أنه وقف على عقد شرق لمولاي علي بن قاسم المذكور شهد شهوده و هم ثمانية عشر من وجهاء فاس بمعرفته و أنهم منذ أدركوا و ميزوا و هم يسمعون سماعا فاشيا مستفيضا على ألسنة أهل العدل و غيرهم أنه لم يزل شريفا معظما موقرا محترما، جليل القدر، كبير الخطر، ممن حاز نسبة الشرف حوزا صحيحا، و امتاز به امتيازا صريحا، و سلم شرفه الأكابر التسليم التام. و هو كذلك على تلك الحالة إلى أن توفي رحمة الله عليه بفاس سنة 1054ه.