بطبيعة الحال فالدولة الإدريسية خضعت لـ ..
نظام سياسي إسلامي كونفدرالي
غاية في الإحكام والمرونة معًا
اقتضته ظروف دولتهم الناشئة وسط مجتمع
يغصّ بصنوف من الطوائف الضالّة والقبليّات البربريّة المختلفة
شعرت باضطهاد عمّال بني أميّة فولاّة بني العبّاس
جعلها تتبنّى أفكارًا ثوريّة خارجيّة تستوردها من مركز البؤر والفتن بالمشرق
فهو من الناحية السياسية نظام ممتاز بكلّ المقاييس
فهو يخضع للتسلسل الهرميّ الكلاسيكي لكن
في قالب سلس شأنهم في ذلك شأن سائر الدول الإسلامية
تخضع لـ ( خليفة أو إمام أو سلطان ) على اختلاف هذه الألقاب التشريفية
وفقا لاختلاف الجذور الفكرية للمذهب السائد التي خضعت له تلك الدول
و دولة أجدادنا الأدرسة بما أنّها موضوع الحديث
تبنّت
نظام الإمامة تبعًا لمنهجها الزيدي الذي كان يميل إليه
جدّنا الأكبرأبوعبدالله إدريس الأكبر مع سائر آل بيته
حيث يرى هذا المذهب جواز تعدّد الإمامة إن تناءت الأقطار و تباعدت
و يرى أهل السنّة أنّ الخلافة في قريش بمختلف بطونها دون غيرهم ،
و لا يجوز أن يكون للمسلمين إلا خليفة واحد و وحيد في جميع أصقاع المعمورة جمعاء
و " إذا بويع خليفتين فاقتلوا الثاني منهما كائنا من كان " كما في الحديث
في حين اعتقد شيعة آل البيت إمامة أهل البيت دون غيرهم من بطون قريش
ثم اختلفوا فيما بينهم أيضا في تحديد مفهوم الآل و كيفية تنصيب الإمام
فمنهم من جعلها في محمد ابن الحنفية بالوصاية بعد مقتل أخيه الحسين
ثمّ منه إلى ابنه أبي هاشم ثمّ إلى محمد بن علي السّجّاد من بني العبّاس
و هم شيعة الموالي من خراسان بمختلف فرقهم من كيسانية و راوندية
و على رأسهم أبو مسلم الخرساني قائدهم و داعيتهم المعروف إلى
الإمام الرّضا من آل محمّد
مع تحديد مشروعه و وصفه و التكتم على شخصه و اسمه
حتّى أقرب النقباء إليه قد يجهلونه وإن كانوا يخالطونه و يأخذون عنه
و منهم من جعلها بالوصايّة أيضا و لكن في نسل الحسين بعد مقتله
ينالها كل إمام بكر بعد أبيه الإمام وبتحديد منصوص عليه عندهم وهو مذهب الإسماعيليّة
و الجعفرية أو الإثني عشرية على وجه الخصوص و هم أكثر الشيعة اليوم
بل أضحت كلمة الشيعة لا تطلق إلا عليهم.
و قالت الزيدية - وهم شيعة اليمن - وهم أقرب الشيعة فكرًا لأهل السنّة
حيث حصروا الإمامة في بني فاطمة دون غيرهم ولو كانوا علويّين
فليس كلّ علويّ فاطمي ، لكن كل فاطمي إلاّ و هو علويّ بالضرورة
فهم لا يفرّقون مثل الجعفرية في ذراري فاطمة سلام الله عليها
فهم يجيزون إمامة بني الحسين أو إخوانهم من بني الحسن
و لا تجوز الوصاية في الإمامة عندهم لأحد بعينه
فهي ليست إرثاً لآحاد الفاطميّين بالنّص والتعيين
وإن كانت كذلك في جملتهم وهي باقية فيهم إلى قيام السّاعة
بل لا يسمّى الإمام إمامًا حتّى يكون في الشرع فقيهًا مجتهدًا عالمًا
و بالسّيف في وجه الظّلم داعيًًا و للمستضعفين مُعينًا و ناصرًا
و من أرخى على نفسه ستور بيته يخشى على نفسه من المجابهة
أو خضع لجور و ظلم جبابرة عصره فليس أهلاً للإمامة الكبرى
و لو كان من أرجح بني فاطمة عقلاً وأكثرهم علمًا وأزكاهم نفسًا
لأنّ صلاحه فإنّما هو لنفسه لا لغيره و لا يصلح أمر الرعية بمن كان هذا حاله.
نرجع الآن إلى قضية التقسيم المتناقلة في كتب التاريخ عن دولة الأدارسة
أقول أنّها سوء صياغة لكتابة التاريخ عند أولئك الإخباريّين الرواة
فدولة الأدارسة كانت تخضع دومًا لفاس حتّى بعد وفاة جدّنا الإمام إدريس الأزهر
أي إلى سلطة مركزية مقرّها عاصمة الدولة و هي قاعدة ملكها فاس
و ممثّلة في شخص الإمام وهو الأمير محمد بعد وفاة أبيه
كما أنّه لم يؤثر عن جدّنا الأمير مولاي عيسى أنّه نزع
ربقة الطاعة من رقبته البتّة أو شقّ عصاها خروجًا على أخيه
أو طمعًا في مكانه و سدّة حكمه لأنّه يرى نفسه أولى منه
و إنمّا هو شقاق احتدم صراعه لدرجة الاقتتال بين الأخوين عفا التاريخ عنه فلم يذكره
ما جعل الأمير محمد يأمر الأميرالقاسم بعزل الأمير عيسى و تخليته عن منصبه
مع تقلدّ مناصب ولايته بما أنّهم عمّاله و ولاّته على الأقطار
ومخالفة القاسم نفسها تجعلنا نلتمس ذلك
إذ لو أنّ عصيان عيسى كان خروجًا كليّا على الطاعة لما توانى في ردعه
فللإمام الحقّ في أن يُؤمّر و يستخلف على رعيّته البعيدة من يشاء
من بطانته و أقرب النّاس إليه ممن يطمئّن إليهم و يثق في أهليّتهم و كفاءاتهم
أمراءً و ولاّةً تابعين له، لا ملوكًا أو حكّاما مستقلّين عن سلطته
و لمتولّى الإمارة أهلية التّصرف فيما دقّ من الشؤون دون
الرجوع المباشر للإمام وهو في عاصمة ملكه
إذ خوّل له الاستقلال النّسبي شريطة عدم الإخلال باتّحادية الدولة و سيادتها
و هذا ما أصبح يسمّى اليوم بالتعبير السياسي المعاصر
بالنظام الكونفديرالي و هو من ارقى الأنظمة الديمقراطية اليوم
و تتبناه العديد من الدول كالولايات المتحدة الأمريكية و الإمارات العربية بل حتّى
الإتحاد الأوربي على هذه الشاكلة أو يسعى لتحقيقها كليّا و على جميع المستويات
السياسية و الاقتصادية و العسكرية ...
وقد اتّخذ الإمام محمّد إخوته كأمراء على الأقطار دون غيرهم ما يفسّرأنّ
الأدارسة قد تكتّلوا على أنفسهم إذ كانوا على درجة كبيرة
من الوعي السياسي حيث كثرت الحركات الثوريّة الإنفصالية
المنددة بالخروج على طاعة الخليفة العباسي بالعاصمة بغداد وعزله
سواء ثورات الخوارج الشّرّاة من أزارقة أو صفرية أو إباضية
أو حتى الثورات العلوية التي كان يشنّها من وقت لآخر
علويّ سطع نجمه فأضحت له السطوة و المكانة المرموقة في قلوب أنصاره
الذين عادة ما يتفانون في طاعته مناوئين للخلفاء وعمّالهم
من شدة ما يجدونه جرّاء مناصرتهم للعلويّين و قد كانوا شوكة في حلق العباسيّين
ومن أشد خصومهم المناوئين فقد كانوا يختارون دائما
الأقاصي من مغارب الأرض أو مشارقها كخراسان و بلاد ما وراء النّهر
بعيدا عن بطش العبّاسيّين و جَلَاوِزَتِهم
تلك البطولات التي سطّروها و الهجرات التي خاضوا غمارها
وفّرت لهم الأرضية والمناخات المناسبة لهيكلة الدول و تهيئتها
باستقطاب الأنصار و الموالي و تجنيد الجند من خلال الدعوة و التعليم
و من خلال المرابطة والجهاد و إعداد العدّة : رجالاً وعتاد