صلة بن أشيم (49)جاع مرّة بالاهواز فدعا الله عزّ وجلّ واستطعمه فوقعت خلفه دوخلة رطب في ثوب حرير فأكل التمر وبقي الثوب عند زوجته زماناً (50).
ويستمر ابن تيمية رحمه الله في سرد هذه الكرامات للصحابة والتابعين فيقول :
ولما مات أويس القرني (51)وجدوا في ثيابه أكفاناً لم تكن معه قبل ووجدوا له قبراً محفوراً في لحد في صخرة فدفنوه فيه وكفنوه في تلك الأثواب (52).
وكان مطرف بن عبد الله الشخير(53)إذا دخل بيته سبّحت معه آنيته، وكان هو وصاحب له يسيران في ظلمة فأضاء لهما طرف السوط(54).
وكان عتبة الغلام(55) قد سأل ربه ثلاث خصال صوتا حسنا، ودمعا غزيرا، وطعاماً من غير تكلف فكان إذا قرأ بكى وأبكى ودموعه جارية، وكان يأوي إلى منزله فيصيب فيه قوته لا يدري من أين يأتيه(56) .
وكان عبد الواحد بن زيد (57)أصابه، الفالج فسأل ربه ان يطلق له أعضاءه وقت الوضوء، فكان وقت الوضوء تطلق له أعضاؤه ثمّ تعود بعده(58) .
وختم ابن تيمية رحمه الله هذا الباب بقوله وهذا باب واسع ... قد بسط الكلام على كرامات الأولياء في غير هذا الموضوع، وأما ما نعرفه عن أعيانه، ونعرفه في هذا الزمان فكثير(59) .
ونقول بعد ذلك : أي كرامة من هذه الكرامات التي أثبتها ابن تيمية رحمه الله هي من المعقول أو من الأمور التي يقرّها العلم وقواعد الحياة ؟
ففي بحر الكرامات هذا أكثر على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرى صورته بعض أحبابه الصالحين وهي محفوظة في علم الله كما حفظت صورة المئات من الأموات في علم الإنسان المترجم إلى شريط أو فلم أو نحوها ، أم حسبت أن رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة كانت من آيات الله عجبا؟.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مَا مِنْ أحَدٍ يُسَلِّمُ عَليَّ إِلاَّ رَدَّ اللهُ عَليَّ رُوحي حتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ (60) .فماذا بقي من حاجز بين الأحياء وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلاشى حاجز الموت بينهم .
وسعيد بن المسيب(61)رحمه الله كان يسمع الأذان من قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس مرات في اليوم، وذلك في أيام الحرّة حين أغلق المسجد ومنع الناس من الدخول إليه ولم يكن يسمح لأحد إلا لسعيد بن المسيّب(62)
فمن أين كان يأتي صوت الأذان من القبر؟(63).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مِنْ أَشَدّ أُمّتِي لِي حُبّا، نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي ، يَوَدّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي، بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ (64) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ: السّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنّا إِنْ شَاءَ اللهَ بِكُمْ لاَحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا! قَالُوا: أَوَ لَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ .(65).
والسؤال أين تقع هذه الرؤية التي يتمناها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتمناها أحبابه؟
لابدّ أنّها تقع في الدنيا وذلك لأمرين : أحدهما : أن أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمنون ذلك ويدفعون أموالهم وأهليهم ثمناً لذلك، وهذا لا يكون إلاّ في الدنيا، والثاني : أن كل الناس يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآخرة، إذن تعينت الرؤية في الدنيا وحينئذٍ نقول : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمنى أمراً مستحيلاً أم ممكناً؟
وعن أوس بن أوس (66)قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة عليّ قالوا : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ( أي بليت) ؟ فقال : إن الله حرّم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء(67).
وعن أبي الدرداء (68)رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وإن أحداً لن يصلي عليّ إلا عرضت عليّ صلاته حتى يفرغ منها قال : قلت : وبعد الموت؟ قال : إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (69) .
والسؤال ما هو وجه المنع في رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة إذا كانت صلاتنا عليه تعرض عليه؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لله ملائكة سيّاحين يبلغونني عن أمتي السلام (70).
فإذا كانت الملائكة تبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة أمّتهِ عليه، فلا بد أن في الأمر خصوصية من حيث إمكان الرؤية، كما لا يخفى أن عدم رؤية البعض لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة لا ينفي عدم وجودها لآخرين أو عدم وجوده في حقيقة الأمر، فقد روى ابن تيمية : إن الحسن البصري تغيّب عن الحجاج، فدخلوا عليه ست مرات فدعا الله عزّ وجلّ فلم يرهُ منهم أحد وكان أصحابه يرونه في تلك الساعة و لا يراهُ حجّاب الـحجاج (72) .