الرؤيا مبدأ الوحي ، و هو أمر متفق عليه ، ولكنها مما يرتبط بالرائي قبل الرؤيا نفسها بمعنى أن صدقها بحسب صدق الرائي ، ( وأصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثا )كما قال صلى الله عليه وسلم. ( مسلم )
وهي عند اقتراب الزمان لا تكاد تخطيء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لبعد العهد بالنبوة وآثارها فيكون للمؤمنين شيء من التعويض بالرؤيا التي فيها بشارة لهم أو تصبير وتثبيت على الدّين . ( البخاري ومسلم )
وربما يفسر ذلك أن الكرامات التي ظهرت بعد عصر الصحابة ولم تظهر عليهم لاستغنائهم عنها بقوة إيمانهم واحتياج من بعدهم إليها لضعف إيمانهم .
ورؤيا الأنبياء وحي فإنها معصومة من الشيطان وهذا باتفاق الأمة ولهذا أقدم سيدنا إبراهيم عليه السلام على تنفيذ أمر الله له في المنام بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام .
أما رؤيا غيرهم من البشر العاديين فتوزن بميزان الرائي ، صدقه و دينه وخلقه و حالته النفسية و وقت الرؤيا (فأصدق الرؤى رؤى الأسحار وعكسه رؤيا العَتَمة عند انتشار الشياطين). و هذه الرؤى ، إنما تعبر ، أي لا يعني أنها كرؤيا الأنبياء تؤخذ كما هي ، أنما قد يكون لها تفسير مختلف ، فأحيانا ترى رؤيا تؤولها شرا و هي خير أو العكس.. وكذلك الرؤيا نفسها ومدى تعلقها بالرائي نفسه أم بغيره ، فإذا كانت متعلقة به وحده فله أن يتعامل معها وفق التأويل الصادق أما إن كان رآها لغيره ، فيتعامل معها لنفسه وفق ذلك ولكن إن كانت متعلقة بالآخر فللآخر هذا الحق .
أما فيما يتعلق برؤيته صلى الله عليه وسلم فهي مما يستبشر به ، و يمكن أن نأخذ بما تراها فيها من مبشرات أو تحذير أو دعوة للفضائل ، ولكنها لا تأخذ قوة التشريع لان مصادر التشريع معروفة ليس من بينها الرؤى ..
و لذلك عندما يأتيني شخص و يقول انه رأى الرسول صلى الله عليه وسلم و انه أوصاه بكذا و كذا ، فإنني أتوقف أولا عند الرائي نفسه أهو من من يشهد له الناس بالإيمان والصدق وفعل الخيرات أم لا ؟؟ ثم حتى لو كان منهم أنظر ثانية فيما أتى به من خبر : هل فيه ما يتطابق مع ما جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أم يخالفه ، فان كان خيرا لي أن أعمل به و إن كان غير ذلك رددته ، لأنه لا يمكن أن يحث صلى الله عليه وسلم على أمر مناما وقد نهى عنه فعلا وقولا في حياته ..
ونقيس الرؤى بالمقياس الذي اتبعه أهل الحديث في معرفة صحة الحديث من عدمها .. فالرائي نضعه موضع ناقل أو راوي الحديث ، والرؤيا نضعها موضع الحديث باستثناء أمور التشريع والحقوق ذات الصلة بالأطراف الأخرى .. لأنها لا تقاس إلا بقواعدها ( القران ، ثم السنة ثم الاجتهاد فيما ليس فيه نص وفق قواعد الاجتهاد )..
ومن أراد أن تصدق رؤاه فليتحرّ الصدق وأكل الحلال والمحافظة على الأمر الشرعي واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم وينام على طهارة كاملة مستقبل القبلة ويذكر الله حتى تغلبه عيناه فإن رؤاه لا تكاد تكذب البتة .
عن أبي قتادة قال : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلُمًا يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لا تَضُرُّهُ ) رواه البخاري 3292 .