بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه المخلصين الأوفياء
أيها الأخوة الأشراف أقرءوا بين السطور مازا دار ويدور من الحديث بين القائد العميد خالد الريفي قائد جيش الصحراء الليبية في تلك الوقت من الزمن
والقائد الزعيم الراحل الرئيس ياسر عرفات أبو عمار.
ومن هنا نبدأ بالقصة والواقعة الحقيقية
نقل كما ورد من كتاب هذه الذكريات عن نجاة الرئيس وإنقاذه من طرف العميد الريفي خالد
كانت طائرة أبو عمار ترمز إلى القضية الفلسطينية التي حاولوا إلقاءها في صحراء
في ربيع الشجاعة والبطولة تزهر ذكرى الشهداء في قلوبنا.
العقيد طيار محمد درويش - العقيد طيار غسان ياسين
المهندس طيار تيودور جيورجي.
إليهم.. اهدي هذا الكتاب
فتح ميديا- الحياة الجديدة- كتب: يحيى يخلف- الفصل السابع والأخير- أدى الرقيب مقداد من مرتب الإشارة التحية للرئيس، ثم انتحى ركنا، وانزل جهاد اللاسلكي عن كتفه.. وضعه على الأرض ورفع الهوائي..
قال له العميد خالد:
ابلغ القوات وجميع المحطات إننا وجدنا الطائرة، وان الرئيس بخير.
اعد ذلك مرة، وثانية، وثالثة..
ضبط الرقيب مقداد الموجة جيدا، واخذ يبث الخبر.
من العميد خالد إلى القوات..
من العميد خالد إلى الجميع..
وجدنا الطائرة والرئيس بخير.. وجدنا الطائرة والرئيس بخير.
دخلت على الخط محطة بعيدة، واحدة من محطات اللاسلكي التابعة لمنظمة التحرير في مكان قصي.. لم يكن عامل الجهاز هناك يسمع الصوت جيدا.
أعاد له الرقيب الخبر:
وجدنا الطائرة.. الرئيس بخير.
وجاء صوت عامل الجهاز من الطرف الآخر البعيد:
لا أسمعك جيدا، ولكن إذا كان الرئيس بخير، أرجو منك أن تطلق صفيرا طويلا..
عند ذلك، وضع الرقيب مقداد إصبعيه في فمه، وأطلق صفيرا رددت صداه الصحراء.
فتح الطبيب بسام حقيبته، لم يعالج الرئيس لان وضعه جيدا على الرغم من إصابته في عينه وعلى الرغم من بعض الرضوض.
أشار له الرئيس بأن يساعد الأخوة الآخرين..
ألقى نظرة سريعة على المصابين، وفحص إصاباتهم، بينما هب المقدم صيدم ومن معه لإخراج ماهر من مخالب الحديد.
- الجرحى يا سلطان.. الشهداء يا سلطان.. قال الرئيس.
فأجابه العميد خالد سلطان:
- اطمئن.. الحمد لله على سلامتك، المطلوب يا أخ أبو عمار أن تتحرك الآن إلى موقع آمن..
بدا على الرئيس التأثر الشديد، فعاد يردد:
- الجرحى.. الشهداء..
قال العميد خالد: يا أخ أبو عمار، الدواعي الأمنية تتطلب أن تتحرك فورا.
أصرّ الرئيس: الجرحى.. الجرحى.. الشهداء..
مشى العميد خالد ودار حول الطائرة، ثم عاد وقال:
- اطمئن: الجرحى الآن يتلقون الإسعافات وكل شيء يسير على ما يرام، وسأبقى بنفسي للإشراف على كل الأمور، والآن نرجوك أيها الأخ الرئيس أن تتحرك على الفور.
صعد الرئيس إلى سيارة الريفي، ظل قلبه هناك معهم مع أنينهم مع الوجع الذي يسبح في عروقهم، مع الآلام التي تنز من جروحهم، ظل قلبه يتلفت خلفه، ظلت مشاعره تشده إلى الخلف.
كان متعبا.. مرهقا.. مستنزفا.
عشيت عيناه من شدة انعكاس ضوء الشمس على الرمال، وتحركت شفتاه بالدعاء، بقراءة سورة من القرآن الكريم.
أدار الريفي المفتاح، دارت المحركات.
كان الضباط يقفون وقفة استعداد، لوح لهم بيده، صعد فتحي الليبي الى صندوق السيارة وحمل معه بندقية كلاشينكوف.
تحركت السيارة مشت ببطء، وما لبثت ان انطلقت، وأخذت تحرث الأرض الرملية، وتترك عجلاتها آثارا لا تنتهي..
كان الريفي ينقل الرئيس إلى مقر العمليات الليبية في السارة.
صعد الجنود إلى متن الطائرة، إلى مكان التجمع داخل الطائرة، كان محمد الرواس لا يزال يشعر بأن الصحراء تاهتز، وعندما رآهم انحبست الدموع من عينيه. أخرجوه، واخرجوا فتحي البحرية، واحمد جميل، وخلدون..
كان خليل الجمل ينتظر لم يشأ أن يطلب منهم إخراجه قبل أن يتم إخلاء رفاقه، لكن احدهم شاهده، إذ كانت الكراسي تحجب الرؤية عنه.. رآه فهتف:
- هناك أخ آخر..
اقترب منه جنديان وحملاه، وانزلاه من الطائرة إلى الأرض، وغير بعيد عنه كانت الألعاب تنتظر: العرائس، طائرة البطريق، دب الباندا، الدراجة النارية، مكعبات ليجو.. كانت تنظر دون أن تبدي أي تذمر.
استدار العميد خالد وعاد يتفقد الطائرة..
المقدم صيدم والجندي طه يعملان على إخراج ماهر من بين الحديد، إنهما يوسعان الفتحة الصغيرة التي لا تتسع لرأس طفل صغير.
ألقى نظرة، ثم ذهب إلى الكابينة، رأى الشهداء، فامتلأ بالأسى.. ومن ثم مشى يتفقد الجرحى..
ينهمك الطبيب بسام في معالجتهم، رآه يعالج فتحي البحرية التي تغطي الدماء المتجمدة، وجهه وثيابه، وعلى الرغم من ذلك فانه يتمتع بحالة معنوية ممتازة.
أما جهاد الغول، فقد علا وجهه الشحوب.. ولم يستطع التعرف على الآخرين فقد غطت ملامحهم الرمال والدماء.
كانت إصابة فتحي البحرية حادة. جرح في الرأس سبق أن لفه بقميصه مما أوقف النزف. فحصه الطبيب بسام، ورأى انه من الأفضل ترك الأمر على حالة، وعدم رفعه، لنقله إلى العيادة حيث الشروط أفضل. ثم إن هناك آلاما في رجله، ولم يستطع الطبيب التأكد إن كان هناك كسر أم لا؟
بعد ذلك توجه الطبيب بسام إلى المهندس علي.. انه يعاني من ثلاثة جروح: واحد في الرأس، وآخر خلف الإذن، وثالث في أعلى الصدر، من جهة اليسار، وربما يكون ثقب أحدثته شظايا الحديد.
قام بتطهير خفيف للجروح، إذ اكتشف إن الدم قد تجمد مع الرمال، مما شكل طبقة صلبة فوق الجرح يصعب أزالتهما بدون آثار جانبية، ووجد انه من الأفضل نقله إلى العيادة، واكتفى بتطهير أولي بسيط.
وانتقل لمعالجة الآخرين..
نجح المقدم صيدم ومن معه من الضباط والجنود في توسيع الفتحة المطلة على ماهر. وسعوا الفتحة بالعتلات وبأياديهم.
وبدأ الجندي طه يسحب ماهر من كتفيه، بدأ يسحبه برفق، وصرخ ماهر فجأة، فقد انغرست حديده في ظهره.. كانت الشروخ الحادة والنتوءات التي تشبه حد السكين تهدد بتمزيق جلده..
قام المقدم صيدم: لا بد من رفعه قليلا..
كان ماهر قد نتر نفسه قبل وصولهم، واقترب من الفتحة وصار يتعين عليه أن يرفع ظهره عن سكاكين وشفرات الحديد، وان يساعدهم.
جمع شظايا نفسه جمع بقايا الرمق وبقايا القوة ابتلع ريقه.. حلقه جاف، استعان بالله ورفع جسده عن الحديد، وسحب نفسه إلى الوراء، امسك الجندي طه بكتفيه، انحنى المقدم صيدم ركع على الأرض.. وركع على يديه وقدميه ليحمل جسد ماهر على ظهره عندما يخرج من الفتحة.. تجمع الرجال يسحبون جسده بهدوء ورفق وانتباه وعندما أخرجوه هتفوا: الله اكبر.. الله اكبر.
مددوه على الأرض واحضروا باب الطائرة المخلوع، واستعملوه كنقالة وحملوه إلى الظل، وفي تلك اللحظة اشتدت حركة الرياح، عقم له الطبيب الجرح العميق في وجهه، قرب عينه اليمنى، نظفه وعقمه عدة مرات، لكن الرمال الناعمة كانت من الشدة بحيث كلما نظف الطبيب الجرح تعود وتطمره بالرمل.
ثم بتضميد رجله بشكل مؤقت لان كسره كان كسرا مضاعفا مفتوحا، ضمده بشكل مؤقت لوقف النزيف، ثم ربط سابقه إلى قطعة خشب، وبعدها حقنه بجرعة مسكنة لتخفيف الآلام.
طلب الجرحى الذين جفت حلوقهم من العطش جرعة ماء، بلل الطبيب قطعا من القطن ومسح بها شفاههم.. ثم غسل لهم وجوههم.
أوعز العميد خالد بنقل الجرحى إلى السيارات حملوا ماهر أولا.. ثم بقية الجرحى.. عانق محمد الرواس العميد خالد، وقال له: اعرف ان اسمك العميد خالد ولا اعرف اسمك الحركي، لذلك سأسميك من الآن فصاعدا باسم حركي جديد هو «وجه الخير».
كان يتوكأ على جنديين من جنود الشرطة العسكرية فإصابته في فخذه لا تمكنه من السير بمفرده..
وفيما هو يتحرك نحو السيارة، وقعت عيناه على آلة التصوير الملقاة بين الرمال آلة التصوير رفيقته وأنيسته، غالية مثل يده اليمنى.. كان قد فارقها مدة أربع عشرة ساعة أطول فترة يفارق بها الكاميرا في حياته.. طلب منهما أن يحضراها خف احدهما وجاء بها.
حملها محمد الرواس بين يديه مسح عن عدستها الغبار كان قد صور بها الرئيس فيما مضى في مواقف تاريخية، صوره بها أثناء زياراته لرؤساء دول وأثناء حضوره مؤتمرات عربية ودولية، وفي لحظة إعلان وثيقة الاستقلال وإعلان قيام الدولة الفلسطينية.. و.. و... مسح الغبار عن العدسة مرة أخرى، ثم قال لمرافقيه:
اتركاني أقف وحدي..
رفع (الكاميرا) إلى عينه وجه عدستها نحو الطائرة والتقط وهو واقف عددا من اللقطات السريعة، وعند ذلك أحس بالوجع يلمع في عظم فخذه، لعل عظمة مكسورة انغرزت في اللحم ، صاح من الوقع، وسقط على الأرض.
رفعوه، وحملوه إلى السيارة وعند ذلك مازحه احدهم قائلا: يموت الذمار وأصابعه تلعب.
كان العميد خالد ينتظر وصول الدورية الثانية والدليل عيسى، ليتمكن من العودة إلى السيارة ولكنه قرر أن يعود حتى لو لم يصل الدليل. خطر له ان يتتبع في طريق العودة آثار العجلات التي طبعت على الأرض أثناء المجيء.. هيأ نفسه لرحلة العودة، جمع ضباطه على عجل، وقفوا قرب الطائرة، اصدر لهم أمرا بإخلاء الشهداء وجمع الوثائق والأوراق والحقائب الخاصة بالرئيس وبالجرحى والشهداء.. وتأمين الصندوق الأسود وتفتيش الطائرة.
صار الجرحى داخل السيارات، ورافقهم أيضا عماد وعبد الرحيم، اللذان حملا ما تم جمعه من حقائب الرئيس التي يحتفظ فيها بأوراقه ووثائقه وملابسه وحاجياته الشخصية.
كان لا بد أن تذهب جميع السيارات، لذلك وعدهم العميد خالد بإعادة السيارات فور وصوله لنقل جثث الشهداء.
مشت القافلة دون أن تنتظر وصول الدليل عيسى ومن معه، لوح الضباط لهم مودعين.. مضت القافلة بالجرحى ومتاعبهم، بالأنين الخافت، والوجع الصامت، والدماء المتجمدة والدموع الخفية والمشاعر والعواطف الصاخبة التي تهز الأعماق.
بقي عند الطائرة مجموعة الضباط المكلفين بإخلاء الشهداء من كابينة القيادة وجمع الأوراق والوثائق.. بقي المقدم رسمي، المقدم صيدم، المقدم أبو طاقية، المقدم أبو رجب، النقيب شموط، الملازم أبو سخيلة، والملازم الليبي علي.
في كابينة القيادة المحطمة، كان الكابتن محمد يتمدد وقد غطت الدماء وجهه، إما الكابتن غسان، والمهندس الروماني، فقد كانا معلقين بين الحطام، الرأس الى أسفل، والأرجل معلقة في الهواء. وزع الضباط المهمات فيما بينهم، وباشروا العمل.
تم إخلاء جثمان الكابتن محمد.. وفي تلك اللحظة عادت طيور السنونو إلى الظهور.. حلقت حول الطائرة.. وواصلت الدوران حول الكابينة، حول المكان الذي يوجد به الشهداء. ثم اخرجوا جثمان المهندس الروماني بعد أن قاموا بتكسير الحديد وشد الكابينة إلى الأمام ووجدوا فوق صدره باقة ورد متناثرة.
باقة من ورود الفل، وزهور الحنون الحمراء..
أما جثمان الكابتن غسان فقد وجدوا صعوبة في سحبه، حرصوا على إخراج الجثمان دون أن يلحق به تشويه، لذلك اشتد الصراع بين أذرعهم وبين الأذرع الحديدية التي تطبق على الجسد الصامت.
واصلت القافلة طريقها بقيادة العميد خالد.. دخلت السيارات منطقة المطبات، اهتزت السيارات بشدة، ومع كل اهتزازة كان الجرحى يصرخون.
الريق ناشف، والحلق جاف، والوجع يأكل شغاف القلب، والآلام تطلق صرخاتها في هذا الفضاء، ومع ذلك، يتألم العميد خالد على طريقته، ويقول لنفسه لا بد من المضي قدما، والوصول بهم إلى المستشفى الميداني لتلقي العلاج.
في الطريق التقوا بالدليل عيسى والدكتور المزين ومن معهما من الجنود. والتقوا كذلك بالمزيد من الإدلاء الذين قدموا من الكفرة للمساهمة في البحث..
اخرجوا جثمان الكابتن غسان ووضعوه في صندوق السيارة بجانب جثمان الكابتن محمد والمهندس الروماني. ظلت طيور السنونو تدور حول السيارة.. إنها من تلك الطيور الأليفة التي تسكن مع الفلاحين في الأرياف، وتعشش في المآذن، وفي زوايا المساجد.
- لا بد إنها تبحث عن الماء.
ملأ المقدم صيدم كفه بحفنة ماء وحاول أن يقترب، ظلت العصافير تدور وكانت تقترب من الماء ثم تبتعد.
- من المستحسن ان تضع لها الماء في وعاء.
بحث المقدم صيدم، فوجد بقايا زجاجة مكسورة، ملأها بالماء وابتعد..
هجمت العصافير على الماء هجوم الظامئ الصادي، شربت وبللت ريشها، وواصلت الدوران.
في تلك اللحظة وقعت عينا المقدم صيدم على الألعاب التي تتفيأ ظل الطائرة العاب صامتة كأنها معروضة في واجهة زجاجية، تنتظر الأطفال.. طائر البطريق يحدق في الأفق، كأنه يبحث عن سرب مهاجر من فصيلته يعبر الفضاء، العرائس ممدة على الارض، تغلق أعينها، وتنام متدثرة بالأناقة والزينة والمشاعر الطفولية.
دب الباندا المرقط، ترتسم على ملامحه الدهشة، فما الذي جاء به من المناطق الباردة الى هذه الصحراء الحارة!! بحث المقدم صيدم حوله يفتش عن وعاء، فوجد بقايا حقيبة جلدية.. وضع الألعاب بداخلها، وضعها بلطف وتؤدة، كأنما يخشى أن يوقظ العرائس من غفوة لذيذة. حملها ووضعها في صندوق واحدة من السيارات التي تنتظر.. لا بد من المحافظة عليها، وتسليمها لأصحابها.. لا بد من المحافظة عليها!!
مشت القافلة ظلت العصافير تدور حول السيارة التي تنقل الشهداء، مشت القافلة وأوغلت في الصحراء، ولم تتوقف العصافير عن الدوران حول الشهداء.
حدث المقدم أبو رجب نفسه:
يا الهي.. كأنها ملائكة من ملائكة الرحمة تزف الشهداء إلى الجنة..
كانت تدور بلا توقف كأنها تودع عزيزا عليها، كأنها تدور حول هالة من نور..
الرئيس
خرج من أسر الرياح، فالسيارة تنطلق وتحرث الأرض الرملية، الصفراء، البرتقالية، صمت وبقايا رياح كأن العاصفة خلفت وراءها موجات متفرقة من الهواء، فضلت طريقها وأخذت تذهب هنا وهناك مثيرة ما يشبه الدخان فوق السطح الراكد من السوافي..
خرج من اسر الرياح، وظل يحدق بالصحراء (عاصفة الصحراء) التي لم تستطع أن ترمي بالقضية بعيدا في زوايا النسيان.
سمع كلمات قليلة عن الليلة الطويلة التي ظل فيها الناس عبر أرجاء المعمورة يتابعون أخبار الطائرة بقلق، وقال لنفسه إن ذلك يبرز المكانة الكبيرة لقضية شعبه في الضمير الإنساني.
تذكر وجوها وأحداثا، وتذكر مواعيد وارتباطات وتقارير تنتظر فوق مكتبه، وظلت السيارة تنطلق وتهتز وتنقله من واقع إلى خيال، ومن خيال إلى واقع.. أحس بالورم يكبر ويكبر فوق حاجبه، والوجع الخفي يظهر ويعلن عن نفسه مع اهتزاز السيارة. وكان النعاس العنيد يأتي ويروح، واستعان على التعب بالصبر وقراءة القرآن.. وفي لحظة من اللحظات وقعت عيناه على عداد البنزين في لوحة السيارة، فقال بصوت خفيض وهو يبتسم:
- يبدو أن الوقود على وشك النفاد..
فضحك الريفي، وأجاب:
- معك حق، لم ألاحظ ذلك..
ثم خفف السرعة، وظل يضغط على الفرامل إلى أن هدأت وتوقفت، وقال:
- أرجو المعذرة أيها السيد الرئيس.. سوف أزود خزان السيارة بصفيحة بنزين.. إنني احمل معي كمية احتياطية.
قفز فتحي الليبي من الصندوق الخلفي، وفتح الباب للرئيس.. هبط الرئيس، حرك ساقيه.. وشعر برغبة في جرعة ماء..
كان الريفي يحمل زمزميه ماء، يعلقها على طرف السيارة، فشرب الرئيس حتى ارتوى.. عبأ الريفي الخزان بالوقود، ثم غسل يديه، ومسحهما، وقبل أن يصعد إلى المقود، اخرج من صندوق السيارة حبات من التمر، قدمها للرئيس، أكل الرئيس حبة، وألقى بنواتها بعيدا.. كان مذاقها طيبا، فقال:
التمر هو فاكهة الصحراء..
قال ذلك وصعد.. وعند ذلك، عاد الريفي يسوق سيارته وينظر بعيدا.. بعيدا.
كان الرئيس في بداية الطريق قد شكره، وسأله عن اسمه، وعندما عرف انه من عائلة «الريفي» ابتسم، وقال له إن هناك عائلة فلسطينية بهذه الكنية، فنحن عرب وأصولنا واحدة.. هل سمعت بذلك الفدائي الشجاع الذي هاجم جنود الاحتلال بسيفه في يافاقبل عدة شهور..
انه من عائلة الريفي المقيمة في غزة.
استعاد كلمات الرئيس، وشعر بالفخر..
وظل يضغط على دواسة البنزين، يستعجل الوقت، ويتمنى لو يطوي الطريق بلمحة بصر، لكي يوصل الرئيس إلى مكان يرتاح فيه.
في السارة، على الجانبين، وعلى طول الطريق تجمع الجنود الليبيون، ولوحوا بأياديهم، ورسموا بأصابعهم علامة النصر.
بادلهم الرئيس التحية بمثلها، بل بأحسن منها.. وفي مركز العمليات تلقى إسعافات أولية من مركز الإسعاف الميداني الذي أقيم على عجل.
ثم هيئوا له غرفة داخل (كرا فان) غرفة مكيفة ومريحة.
دخل ليأخذ قسطا من الراحة.
وصلت طائرة خاصة لنقله إلى (مصراتة) حيث سيكون الرئيس الليبي في استقباله، فقال لهم انه لن يتحرك إلا ومعه الجرحى. أجرى عددا من المكالمات الهاتفية مع أعضاء القيادة، ومع أفراد أسرته.
وعاد إلى غرفته للاستراحة.
وصل العميد خالد ومعه الجرحى.. فطلب أن تقدم لهم الإسعافات ثم ينقلوا إلى الطائرة.
جاء بعض الضباط من مقر قيادة القدس، يتقدمهم العقيد عبد الرحيم لتهنئته.
كان العقيد عبد الرحيم قد بقي في المعسكر عندما ذهبت الدورية للبحث عن طائرة الرئيس.
ظل في غرفة العمليات ينتظر الأخبار ومعه المقدم أبو عمرة، والنقيب أبو الروس، وحين أصبحت الدقيقة أطول من عام، ازداد قلقه، وخرج يذرع الساحة المقابلة، ثم دخل غرفة الإشارة. كان الجنود في كل المواقع ينتظرون.. يرسلون من بينهم من يستفسر عن الإخبار بين فترة وأخرى.
وفي اللحظة العظيمة، عندما أصبح الفضاء أوسع مما هو عليه عندما جاء عبر خشخشة جهاز اللاسلكي الخبر العظيم على لسان العميد خالد:
وجدنا الطائرة والرئيس بخير.. عند ذلك انطلقت دفعة واحدة، ومن كل المواقع زخات من الرصاص.
أعلن الجنود عن ابتهاجهم بإطلاق الرصاص.
أسرع العقيد عبد الرحيم إلى الهاتف العسكري، وطلب من المواقع الانضباط والكف عن إطلاق الرصاص، غير إن الرصاص ظل يلعلع في الفضاء.
كان يعرف إنهم يعبرون عن فرحهم بطريقتهم الخاصة، ولم يشعر بالانزعاج لأنهم لم يتوقفوا، وكان هو نفسه يحس برغبة في أن يخرج مسدسه ويطلق بعض الطلقات في الهواء.
قال لمن حوله:
الآن نستطيع أن نتنفس بعمق..
احضروا الشاي المغلي مع النعناع، وعندما كان يرتشف الشاي. تذكر فجأة شجرة (مسك الليل) التي تتعربش أغصانها على جدار المدخل.. تذكر إن بعض البراعم قد نبتت على غصن، وخشي أن تكون العاصفة قد اقتلعتها واقتلعت النبتة من جذورها. وضع كوب الشاي وهب واقفا.
ذهب يتفقد النبتة، ويتفقد أغصانها، ويبحث عن تلك البراعم التي بزغت فجأة، وجعلت خياله يذهب بعيدا..
كانت النبتة تتعربش على الجدار، وكانت خضراء يانعة.. ويا للدهشة!! كانت أربعة براعم جديدة قد بزغت على غصن آخر.
يا الهي (قال العقيد لنفسه) لقد ظلت العاصفة تنهشها طوال الليل، فما لوت لها غصنا، وما اقتلعت برعما.
ثم أغمض عينيه، وتخيل البراعم وهي تزهر وتتفتح، وتطلق عميقا عبر هذه الصحراء، رائحتها النفاذة العطرة.
وبعد ذلك هيأ نفسه لزيارة الرئيس، اصطحب معه بعض الضباط وانطلق بسيارته إلى مركز العمليات الليبية. استقبلهم الرئيس، سلموا عليه وعانقوه، وابلغوه تحيات أبنائه الجنود وضباط الصف والضباط. سألهم الرئيس عن إخبارهم، وشكرهم على ما بذلوه من جهد.
نقلوا إليه ما سمعوه من المذياع عن صدى الحادث في الوطن المحتل وفي المخيمات، وفي كل مكان..
وعند ذلك قال العقيد عبد الرحيم: سمعنا في الأخبار إن الولايات المتحدة طلبت من أقمارها الصناعية البحث عن طائرتكم وتحديد مكانها فابتسم الرئيس وأجاب:
لم أر أقمارا صناعية.. لقد رأيت قمرا عربيا اسمه الريفي.
ثم أصبح كل شيء جاهزا..
الطائرة النفاثة مهيأة للإقلاع، طاقمها في حالة استعداد.
نقل الجرحى إليها، وفي انتظار وصول الرئيس كان الضباط يصطفون قرب بابها.
لم يتأخر كثيرا، اقبل بسيارة عسكرية يرافقه العميد خالد، هبط على مهل وجاهد لكي لا يحس بأوجاعه.. هبط ببذلته العسكرية وهو يضع الحطة والعقال على رأسه.
في وداعه كان النقيب مسعود وعدد من الضباط الليبيين. وفي وداعه كان ضباط من قوات القدس أيضا. أدوا له التحية العسكرية، ثم صعد إلى الطائرة، صعد ولوح لهم بيده، وصعد معه العميد خالد.
وجدهم أمامه، فتحي البحرية.. كيف أنت يا فتحي؟
آه.. ماهر.. أنت هنا.. الحمد لله.. كم أنا مسرور برؤيتك يا ماهر!!
وأنت يا احمد جميل..؟
هل توقف النزيف يا خلدون؟
يا علي غزلان.. أيها الحبيب، هل أنت بخير؟
جهاد.. خذوا بالكم من جهاد.. هل تشعر بتحسن؟
وأنت يا خليلي.. ما شاء الله.. صحتك ممتازة.
احتضنهم بقلبه قبل أن يحضنهم بذراعيه، ابتسموا له على الرغم من الوجع الخفي، ابتسموا.. وابتسموا.. وواصلوا الابتسام. كأن شمل الأسرة قد ألتم من جديد. كأنهم غابوا عنه عاما أو عامين.
جلس قربهم يحادثهم.. يلاطفهم.. ثم التفت إلى العميد خالد وقال له:
أرجو أن تشرف بنفسك على نقل الشهداء إلى طرابلس هذا اليوم على متن طائرة خاصة.
أجابه العميد: اطمئن يا أخ أبو عمار فكل شيء سيكون على ما يرام.
أدى له العميد خالد الريفي تحية الوداع، فقال له الرئيس قبل أن ينصرف: بارك الله جهودكم وجهود الإخوة الليبيين.. أريد منك أن تشد بالنيابة عني على يد كل جندي وكل ضابط في القوات.. سأعود قريبا لزيارتكم لأنني أجد توازني النفسي بين المقاتلين الذين نصروا هذه الثورة في كل المنعطفات.
هبط العميد خالد فأغلقت الطائرة أبوابها ثم أطلقت هديرا عاليا، وما لبثت أن انطلقت بأقصى سرعتها.. ارتفعت في الجو.. وأخذت تعلو.
ظل الضباط يراقبونها، وهي تبتعد وتغيب وراء الأفق الواسع، حين أصبحت على ارتفاع عال، فوق الغيوم، نظر الرئيس عبر النافذة إلى الفضاء الأزرق، ورحل بخياله بعيدا، كان ينظر كما لو انه يحدق بالصحو وبالنقاء الذي يعقب المطر.. كأنه ينشد إلى ذلك الضوء الذي يبزغ في نهاية النفق.. كان في أحلك اللحظات يقول لشعبه إنني أرى الضوء في نهاية النفق.. في أحلك اللحظات كان يقول لهم سنصلي معا في القدس، ونرفع العلم فوق مآذن القدس، وفوق كنائس القدس، وفوق أسوار القدس.. كان يقول لهم: يرونها بعيدة ونراها قريبة.
أغمض عينيه، وعلى الرغم من كل شيد، كان يراها قريبة، كان يرى العلم، ويسمع النشيد.