العودة   ديوان الأشراف الأدارسة > ديوان الأشراف الأدارسة > تاريخ وجغرافيا الأشراف الأدارسة
 

تاريخ وجغرافيا الأشراف الأدارسة التطرق لتاريخ وجغرافية دولة الأدارسة ودراسته وتحليله من خلال الكتب والمراجع.

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

  #1  
قديم 29-07-2012, 05:34 PM
الصورة الرمزية صباغي إدريسي سيدي خليد
صباغي إدريسي سيدي خليد صباغي إدريسي سيدي خليد غير متواجد حالياً
عضو
 




افتراضي الأزمة في المغرب بعد وفاة السلطان مولاي إسماعيل العلوي.

الدكتور أحمد الوارث
كلية الآداب ـ الجديدة


الأزمة في المغرب بعد وفاة السلطان مولاي إسماعيل العلوي ومحاولة تأسيس طبائع جديدة للمُلك


استطاع السلطان مولاي إسماعيل، كما هو معروف، إعادة توحيد المغرب؛ كما نجح في بناء سلطان مطلق في البلاد. وقد جاءت الوحدة الترابية، على حساب دويلات الزوايا، التي اقتسمت النفوذ الأكبر في البلاد، في أعقاب انهيار دولة الشرفاء السعديين، كما جاء بناء السلطان المطلق على أنقاض نفوذ الزعامات المحلية والجهوية، ولا سيما منها أرباب الربط والزوايا. ومعروف كذلك أن الآلة العسكرية كانت هي الوسيلة الرئيسة في تحقيق هذه النجاحات، إلى حد لم يعد في المغرب أي مؤسسة قادرة على مجادلة المخزن الإسماعيلي، بما فيها مؤسسة الزوايا، التي كانت زمنئذ من القوى السياسية العظمى في البلاد، إن لم تكن أعظمها على الإطلاق([1]).
وكان لسطوة المخزن الإسماعيلي آثارها البعيدة المدى أيضاً، حيث تجاوزت عهد مولاي إسماعيل إلى ما بعده. ويمكن اختزال تلك الآثار في الملاحظتين التاليتين:
ـ أما الملاحظة الأولى، فهي ظهور ما يشبه اقتناع أرباب الزوايا ومن ارتبط بهم، بعدم صلاحية الصلاح والصلحاء للحكم. وظهر اقتناعهم بذلك بوضوح في الأزمة التي اندلعت بعد وفاة المولى إسماعيل. وبيان ذلك أنه بالرغم من حدوث »... فوضى لم يعرف لها مثيل«([2])، في تاريخ المغرب، بعد وفاة مولاي إسماعيل، لم يبد أي رجل من أرباب الزوايا طمعه في السلطة، لا وطنياً ولا جهوياً، وارتبطوا جميعاً في نشاطهم السياسي بأمراء البيت العلوي نفسه، مما يفسر إشارتنا إلى سطوة الجيش النظامي الإسماعيلي، في حربه مع الزوايا، ويؤكد أن هذه السطوة ظلت قائمة إلى ما بعد وفاة مولاي إسماعيل.
أما الملاحظة الثانية، فهي مترتبة على الأولى ومكملة لها، وتتمثل في الموقف الجديد الذي تبناه أقطاب التيار الصوفي في خضم ذلك النزاع بين الأمراء العلويين. وتكمن هذه الجدة في مساندتهم جميعاً للأمراء الذين اختاروا التخلي عن السياسة الإسماعيلية في إدارة شؤون البلاد، أعني أنهم كانوا في مواقفهم من أنصار تيار الإصلاح الذي تزعمه بعض أمراء البيت العلوي، وبذلوا في سبيله الغالي والنفيس.

I ـ السلطان مولاي عبد الملك ينشد الإصلاح السياسي
يفهم من كتب التاريخ التي اهتمت بالأزمة المذكورة أن المولى عبد الملك بن إسماعيل لقي تعاطفاً كبيراً من قطاع عريض من المغاربة، وفي مقدمتهم شيوخ التصوف وأرباب الزوايا، مقارنة مع أخيه ومنافسه على العرش، مولاي أحمد. كما يفهم من المصادر نفسها أن مرد ذلك التعاطف إلى الاختيارات السياسية التي تبناها مولاي عبد الملك، لما اعتلى العرش. ولعل أهم ما تميزت به هذه الاختيارات أنه خالف، في بعض وجوهها، تدابير والده مولاي إسماعيل في سياسته الداخلية. وقد ظهر ذلك جلياً في وجهين أساسيّين:
ـ أولهما تقليص رواتب الجند النظامي المكون من العبيد([3]). ولعل هذا هو
السبب الذي جعل أبا القاسم الزياني، ومن تبعه، يصفونه بالبخل والشح([4])، على عكس أخيه أبي العباس أحمد الذهبي »... الذي أفضى به جوده إلى حد التبذير المذموم (...)، و(...) بلغ جيش عبيد البخاري، ومن في حكمهم (في عهده) منه الشره ما صير الاقتصاد المحمود في نظرهم شحاً وبخلاً«([5]).
ولم يكن تقليص رواتب عبيد البخاري سوى مقدمة في سياسة مولاي عبد الملك الرامية إلى التخلي، في نهاية الأمر، عن خدماتهم. وفي هذا الصدد كتب الناصري أن مولاي عبد الملك »... كان قد عزم على تطهير الحضرة، وبساط الدولة، من افتيات العبيد وتحكمهم على أعياصها«([6]). وكتب ابن زيدان، من جهته، ما يفيد أن المولى عبد الملك أراد أن يجردهم مما اغتصبوه، بل وأن ينشئ جيشاً جديداً بدلاً منهم. وقد جاء هذا الكلام في أعقاب حديث ابن زيدان عن وصول وفد فاسي بالبيعة إلى مكناس، فقال:

ثم إنه وصل شرفاء الوفد الذي أتى له بالبيعة بألف دينار ذهباً، كما وصل الطلبة والأعيان مثل ذلك، وأعطى الراتب للرماة، فنال كل فرد منهم سبعة مثاقيل ذهباً، ثم أصدر أوامره برد المظالم، وشدد في اجتناب المحرمات، فكبر ذلك على العبيد، وأبوا أن يردوا ما اغتصبوه للناس من عقار ومال. ولما رأى (مولاي عبد الملك) منهم ذلك صرح لهم بأنهم أحرار فليذهبوا حيث شاءوا، وأنه لا حاجة له بخدمتهم، وأعلن النداء في جميع البلاد التي دخلت تحت طاعته بأن من أراد الدخول في الجندية فليأت إليه، فوفد عليه سرعان الناس ([7]).

وهذا عكس ما قام به مولاي أحمد الذي ما إن بويع حتى زاد (العبيد) في الراتب خمسين ألفاَ([8]). وكان، كما يقول القادري: »مساعفاً لهم... وليس له من الملك إلا الاسم بلا مسمى، وهو تابع لأثرهم ورأيهم، لا يقطع أمراً إلا بما يأمرونه به... « ([9]).
كما كان لمولاي عبد الملك موقف سلبي من جيش الأوداية أيضاً. ويظهر ذلك من خلال حديث القادري عن انتقال هذا السلطان إلى فاس بعد ثورة العبيد عليه في مكناس، حيث قال:

... لما دخل المحرم فاتح السنة (1141 هـ)، وكان السلطان مولانا عبد الملك بن مولانا إسماعيل الشريف الحسني دخل مدينة فاس بقصد أن ينصروه، ويقاتلوا من خرج عليه مع من يمكث على بيعته من القبائل، وطمع أن تجتمع عليه قبائل المغرب وسوس، فحاول أخذ المدينة البيضاء، (فاس الجدي المرينية)، ويستوطنها لأنها دار الخلافة، ويخرج منها الأوداية الخارجين عليه، لأنها ليست لهم، وإنما هم فيها إذاية فيها على أهل فاس الإدريسية، فقاتل الأوداية المتحصنين بها بعدما نهب ما هو عندهم خارج عنها من مواش ونحوها في عزائبهم، وأرسلوا صارختهم للعبيد، فجاؤوا مسرعين ومعهم السلطان مولانا أحمد الذهبي ([10]).

أما الوجه الثاني من سياسة مولاي عبد الملك، فهو مكمل لموقفه السلبي من عسكر مولاي إسماعيل. وتجلى في تعاونه مع أعيان المؤسسات المدنية، وإشراكهم في تسيير الشأن العام، وفي مقدمتهم شيوخ الزوايا. وقد باشر في تنفيذ هذه الاستراتيجية مبكراً، وبدأها بمراسلة أولئك الأعيان. نقول هذا الكلام وحجتنا عليه نصوص الأجوبة التي تلقاها السلطان المولى عبد الملك منهم. ومنها، على سبيل المثال، رسالتان جوابيتان بعث بهما اثنان من كبار أرباب الزوايا، زمنئذ: أولهما هو شيخ زاوية تمجروت، أبو عمران موسى بن محمد الكبير بن ناصر، الذي كان آخر من نكب في عهد المولى إسماعيل من أرباب الزوايا([11])؛ وثانيهما هو كبير رجالات التصوف في الصحراء الشرقية، الشيخ محمد بن أبي زيان القندوسي. وقد عبر الشيخ الناصري في جوابه عن الاحترام والتقدير الذي حظي به السلطان الجديد لدى الناصريين، ثم ضمّن الجواب مدحاً في جنابه، مما جاء فيه:

قم للهمام أمير المؤمنين أبي مروان
قم فابتدر للأمر وأنت طلعتها
أبشر لما كنت تأمل وتطلبه
لو أدركتك أئمة لنا سلفت
لكــنْ حفـيدُهــمُ يـقـضـي بحكـمـهــمُ

ذي المجد والأمجاد والظفر
فالكون صار خديماً سيق بالقدر
من الهنا والمنى في الورد والصدر
لتوجوك بتاج العز والوقر
فـالكل منهم وما يغـنـي عن الـقـدر([12])


أما الشيخ محمد بن أبي زيان القندوسي، فقد رأى في وصول المولى عبد الملك إلى العرش تصديقاً لنبوءته التي كان أشاع فيها بين الناس: »بأن مولانا عبد الملك يتولى الخلافة وراء أبيه... وأنه يدخل دار المملكة من غير قتال ولا نزاع...«([13]). ولاشـك في أن تلك النبوءة تعبير صادق عن أن هذا الأمير كان »... محباً للشيخ رضي الله عنه، والشيخ محباً له«، حسب تعبير أحد تلامذة الشيخ نفسه([14]).
ومن ثم، لما تحققت هذه "الأمنية"، باعتلاء مولاي عبد الملك العرش، لم يتردد الشيخ ابن أبي زيان في إجابة دعوة محبه، وحثه لأتباعه على بيعته، ثم رأى أن يكون جوابه على رسالة السلطان الجديد من جنس النصائح. ومن أهم ما أوصاه به: السخاء والعدل، وقال: بعد الحمدلة و»... السلام، ... يا ابن همام عليك بالسخاء فإنه يرد الشدة رخاء والحل ربطاً والقبض بسطاً... جنود البخيل مكسورة ومياه ساقيته محصورة، الدنانير المنقوشة تفتح الأبواب المغلوقة... يا ابن همام! قد جعلت في جنودك سوادين يمنعون من يشتكي إليه... فإننا من أهل الدربلة والعكاز، ليس من أهل السراويل والمهماز. والسلام« ([15]). بل الظاهر أن الشيخ ابن أبي زيان كتب إلى مولاي عبد الملك أكثر من رسالة في هذا المضمار، مصداقاً لقول تلميذه اليعقوبي، صاحب كتاب "فتح المنان":

وقد كنت زمن مجاورتي، الأيام السعيدة، لقراءة "البخاري"، إذا أراد كتاباً يكتب لمولانا عبد الملك أحضرني، ويأمرني بالكتابة، وأكتب له ويقول لي: يا أخي اكتب لمولانا عبد الملك، واستوص به خيراً للمسلمين والدفاع عنهم، والرأفة عليهم، واستوص بالعلماء، وأهل نسبة الله تعالى، والذود عن المسلمين، والتجاوز عنهم([16]).

والحقيقة أن أكثر الناس كانوا على رأي الشيخ ابن أبي زيان وغيره من شيوخ الزوايا في تأييدهم لمولاي عبد الملك، بسبب ما عرفوه عنه من حسن السيرة، والسياسة، وكثرة عدله في الأحكام، وشدة تعصبه للدين وأهله([17]).
ولا غرو في ذلك، فإلى جانب الرسائل التي بعث بها إلى شيوخ الزوايا، وزع مولاي عبد الملك ظهائر كثيرة على العائلات المرابطية، وشيوخ الزوايا في شتى نواحي البلاد، بالرغم من فترة حكمه القصيرة، وكأنه قد قام بحملة منظمة في هذا السياق. وقد نص في تلك الظهائر على تقدير واحترام »أهل الله«، وتوقيرهم، وأمر بالإنعام عليهم، رغبة منه، ولاشك، في تمتين صلاته بهذه الفئة من الأعيان([18]).
بل الظاهر أنه كان حريصاً على استغلال الفرص الممكنة للتعبير عن موقفه الإيجابي من شيوخ التصوف وأرباب الزوايا، كما فعل في رسالة بعث بها إلى أبي عبد الله محمد المعطي بن الصالح، شيخ الزاوية الشرقاوية في أبي الجعد، يعزيه في وفاة والده، حيث اغتنمها فرصة، وأشار إلى ما يكنه للشيخ الهالك من تقدير، كقوله:

لـقـد كـان مصـبـاحــاً لأهـل زمـانــــه

وحامي دمار الدير من كل ما غمط([19])

وعلى كل حال، فقد دشن مولاي عبد الملك مرحلة جديدة، تبنى فيها اختيارات تقضي بوضع الأسس الكبرى لدولة »الحق والعدالة« في البلاد. وبينما حارب العسكر النظامي، ومن ناصره، هذا التوجه في سياسة القصر، لقي مساندة مطلقة من لدن »أهل الفضل«، والشرفاء([20])، و»العسكر الأحرار«([21])، ومن نحا نحوهم جميعاً.
وقد تجلى هذا التباين بين أنصار سياسة الماضي، وأنصار الإصلاح، بوضوح لما حاول العبيد خلع مولاي عبد الملك. فقد كان على رأس المدافعين عن هذا الأخير في مكناس »... من كان داخل ديوان العسكر من الأحرار الوافدين عليه«، بينما خانه بعض المقيمين داخل القصر، الأمر الذي عرضه وأنصاره للهزيمة، واضطر إلى مباركة مكناس في اتجاه فاس. وفي حضرة فاس هب سكان المدينة الإدريسية لاستقبال الأمير مولاي عبد الملك، لما هرع إليهم، بينما رفض الأوداية السماح له بالدخول إلى أحيائهم في فاس الجديد([22]). ولما حاصره العبيد بفاس الإدريسية، كان شيوخ الزوايا وأتباعهم في مقدمة المدافعين عنه، حتى لقد قتل بعضهم مع من قتل من شيعته، ونعني هنا بالخصوص مقدم طائفة امحمد بن أبي زيان القندوسي بفاس، الشيخ أبي الحسن علي القطبي([23])، ونعني كذلك كبار مجاذيب فاس وبهاليلها ([24]).
ومن مشاهير أرباب الزوايا الذين نشطوا في الدفاع عن ملك مولاي عبد الملك الشيخ مولاي الطيب الوزاني، كبير دار الضمانة في وزان، منذ أن نمى إليه عزم العبيد على خلعه. ومما يذكر في هذا الصدد أن علماء فاس كتبوا في ذلك الشأن كتاباً للعبيد يعلمونهم بما في ذلك من المضرة بالمسلمين، وكلفوا مولاي الطيب الوزاني بإقناعهم لصلاته بهم »... وتلمذ أكثرهم له، وانتساب رؤسائهم بخدمته«، فلم يبينوا له جليـة الأمر. ثم أرسلـه الأمـير مولاي عبد الملك نفسه »... إليهم فكلمهم عن الرجوع... ووعدهم الخير إن أقلعوا ونهاهم عن الخروج عن السلطان... وخوفهم في ذلك من سخط الله، فما زادهم ذلك إلا نفوراً«([25]). وقد أكد الناصري تحركات مولاي الطيب الوزاني، في هذا الاتجاه، ثم ختم حديثه بقوله:

ولما تحقق المولى أبو مروان (عبد الملك) بما عزم عليه العبيد من خلعه، بعث إليهم الشيخ البركة مولاي الطيب بن محمد الوزاني، واعظاً ومذكراً، فأتاهم ووعظهم ووعدهم الخير إن أقلعوا، ونهاهم عن الخروج على السلطان، واتباع سبيل السلطان، وخوفهم في ذلك من سخط الله، فما زادهم إلا نفوراً ([26]).

والظاهر أن تحركات شيوخ الزاوية الوزانية لم تقف عند هذا الحد، وإنما تعدته إلى المشاركة في العمليات العسكرية دفاعاً عن شرعية حكم مولاي عبد الملك، الأمر الذي عرضهم وعرض أتباعهم وزاويتهم للنكبة.
وبيان ذلك أنه في خضم حصار العبيد والأوداية لمولاي عبد الملك بفاس، ورد:

خبر على العبيد باجتماع قبائل الغرب على دعوة مولاي عبد الملك ومحاربة العبيد، فجردوا لهم خيلاً سارت إليهم فالتقوا قرب وادي إيناون فاقتتلوا، فانهزمت قبائل الغرب (...) وشدد العبيد حيئنذ في التضييق والحصار على فاس، وكثرة رمي الكور عليها بالأنفاض (...) فتجلد أهل فاس (...) وضبطوا العسة والحراسة (...)، وأهل المسكنة لا يستطيعون دفعاً ولا منعاً سوى توجههم لله تعالى في اللطف والنجاة. ثم إن قبائل الغرب أعادت الجمع... .

لكنه انهزمت ثانية أمام العبيد، وتفرقوا«([27]).

(...) ولم يتبع العبيد إلا سفيان لكثرة حقدهم عليهم، حتى أدركوا حلتهم بالزيتون المطروح، فأوقعوا بهم وقعة عظيمة من القتل والسبي والوثوب على النساء والأبكار بالوطء والفضيحة، ولم يكفوا السلاح لا عن الأطفال ولا عن الكلاب. فلجؤوا لحرم وزان ظناً منهم أن يتركوهم حيث استحرموا به ويمتنعون، فلم يستحرموه ولم ينفعهم شيئاً، واستأصلوا بقيتهم، ونهبوا ديارهم وديار الشرفاء أهل الحرم، ولم يجيروا من استجار بالروضات وغيرها. وكانت هذه الوقعة بوزان على الناس من أعظم المصائب،
وذلك في 25 صفر 1141 هـ([28]).

والمهم في الأمر أن العبيد والأوداية لم يكونوا راضين عن إصلاحات مولاي عبد الملك وأنصاره، فسارعوا إلى إجهاضها([29]). وقد وجدوا في مكناس من يؤازرهم من أنصار التيار المحافظ في إدارة وقصر السلطان مولاي إسماعيل([30])، كما وجدوا من يعاضدهم من أنصار التيار نفسه في فاس الجديد ودار الخلافة به([31])، مما يعني أن التيار المحافظ كان ما يزال مالكاً لزمام الأمور، حتى إن كثيراً من الناس كانوا يرون في مساندة تيار الإصلاح مغامرة خطيرة. ويظهر ذلك في اضطرار متطوعة سوس إلى الانسحاب من الصراع([32])، ثم اضطرار بعض علماء فاس وأهلها، بعد أن »انقطع من يقوم بدعوة مولانا عبد الملك« إلى التفاوض مع العبيد، أملاً في الحفاظ على حياة أميرهم مولاي عبد الملك([33]).
ويؤكد هذا كله أن القوة العسكرية النظامية([34]) ظلت تمسك بزمام الأمور بقوة، إن لم نقل إن دورها في تغليب كفة السلطان مولاي أحمد زاد من تدعيم نفوذها على حساب الجهاز الإداري([35])، مما جعل الإدارة في عهده عسكرية أكثر مما كان عليه الحال زمن والده، وجعل التوازن الذي طالما حرص مولاي إسماعيل على تثبيته بين كفتي الجهاز البيروقراطي والجهاز العسكري، يميل لصالح هذا الأخير. وقد ظهر طغيان السلوك العسكري في الصورة العنيفة التي تخلص بها العبيد من مولاي عبد الملك، وكأنهم يقتلون فيه كل تفكير، وكل من يفكر في التغيير.
ولهول الموقف وشدة الجبروت، لجأ أنصار مولاي عبد الملك، من عامة الناس وأهل الدين المتين، إلى المتخيل، تخفيفاً منهم على أنفسهم من هول الصدمة، وضياع ناصر الحق. وهكذا، ليس غريباً إذا »... صرح بعض المتفقرة ممن له صيت وأتباع بأنه حي، وأنه يعود للإمارة([36])، ويملك المغرب ويملأه عدلاً«([37]). وليس غريباً إذا »بقي كثير من الناس من يكذب بموته، وقوم يعتقدون حياته، وأنه سيجتمع عليه جيش ويظهر، وربما باع بعضهم متاعه إلى أجل ظهوره ويخلصه المشتري فيه أجلاً منصرماً«([38]). وليس غريباً أيضاً أن يناصروا من حذا حذوه من الأمراء.


II ـ تجربة مولاي عبد الله الإصلاحية
لما كان »المولى عبد الملك منحاشاً إلى أخيه المولى عبد الملك« ([39])، لقي تعيينه ـ على إثر هلاك أخويه: مولاي أحمد ومولاي عبد الملك في أوائل شهر شعبان 1141 هـ/ 1728 م ـ الترحيب من لدن أنصار مولاي عبد الملك. ولعلنا نجد في ديباجة نص البيعة التي رفعها إليه »أهل فاس« تفسيراً لذلك الترحيب، لأن أهم ما نصت عليه هو شهرة الأمير الجديد بنصرة الحق والعدل([40]).
وقد جاءت هذه الديباجة شبيهة، من حيث مضمونها، بالرسائل التي بعث بها الشيخ محمد بن بوزيان القندوسي، إلى مولاي عبد الله([41])، علماً أن هذا الولي الصوفي كان من الأنصار الأقوياء لمولاي عبد الملك. وإننا نملك من تلك الرسائل نموذجاً هاماً هو عبارة عن رسالة بعث بها لقائد فاس زمنئذ محمد بن علي بن يشي([42]) جاء فيها:

إنا لك من الناصحين. فاستوص خيراً بالخاصة والعامة من المسلمين، وسدد ما بينهم وبين السلطان نصره الله، واحفظ لواء العدل بين يديه، والتمس بالناس من المعاذير، واضرب التأويل في بساطه، فإن جنح للسلم فاجنح إليه؛ وإن مال إلى الانتقام، فابسط أكف الضراعة إلى الله أن يرد مأمنه برحمة ينشر لواءها بين أيديهم حتى يؤدي مراده برفق حسبما تقدم بواسطتكم؛ وإن صلحت نيتكم، فدعوة النبي السابقة تحيطكم وتصونكم وتنصركم وتقيكم، وينشر لواء العافية والستر. نسأل الله سباحانه أن يصلح حالك، ويسدد قولك وفعلك، ويجعل بينك وبين الفتنة المعروضة لمن يتعاطى تلك الخطط حجاباً مستوراً، ويمد عليه وعلى إخوانك وقبيلتك من رحمته لواء منشوراً في إيالة المظفر بالله السلطان مولاي عبد الله أعزه الله وأعز جنوده ونصره وأيده وأكبت عدوه وحسوده، وأدام خيراته على الأنام في ظل عدله وأنالهم من فضله ومدده وبذله بمنه. آمين...([43]).

ويذكر عن ابن أبي زيان هذا أنه أرسل ابنه من القنادسة إلى مكناس، فتلقاه السلطان مولاي عبد الله بالبشاشة والحبور. »... ولما أراد أن يشيعه، أعطاه حتى أرضاه من الحوائج والكتب، وأعطاه مائتي مثقال ذهباً، وبعث كتابه إلى الشيخ، وطلب عليه كل ما في خاطره، فدعا له الشيخ«([44]).
ومن ثم، فبالرغم مما اشتهر به مولاي عبد الله من شدة في إخماد الفتن، وإسرافه في قتل زعماء العبيد والأوداية([45])، »... كان أهل الجانب العظيم كالأشراف والمرابطين والعلماء في أقوى منعة وأعز رفعة، ولم يخرق على أحد في ذلك عادة«([46]) طيلة مدة ولايته الأولى بين 1141 و 1147 هـ اكتساحهم سهول تادلا([47])، وهو أمر لم يوافق الشيخ أحنصال عليه الصلحاء أنفسهم([48]). وفي الصدد نفسه، »حكي أن السلطان قال حين قتله: أردت أن لا أقتلك، يعني لأنه كان منتسباً للصلاح، لكن خفت أدع قتلك أن يقال إن جنونك غلبوني، لأن أحنصال كان يخالطه الحدثان« ([49]). وقد علق القادري في نهاية حديثه عن أحداث السنة التي قتل فيها أحنصال وانتهائه من رواية حكاية إعدامه قائلاً: وفيها »تمهد الغرب للسلطان غاية«([50]).
ويفهم من أخبار أخرى أن مولاي عبد الله ظل ملتزماً باحترام الشرفاء والطلبة وشيوخ الزوايا، مقدماً إياهم على غيرهم، حتى صاروا يعرفون بشيعته. كما أنه ظل دائماً ميالاً إلى التقليل من هيمنة العبيد، إلى حد قال المؤرخون بأن ثورة العبيد على مولاي عبد الله في ربيع الثاني 1147 هـ ترجع إلى ما قام به من اغتيالات في صفوفهم وإرسالهم إلى المهالك([51]). ويفيد هذا في القول بأن مولاي عبد الله تابع سياسة أخيه مولاي عبد الملك في تفضيل قوى »المجتمع المدني«، على العسكر في تسيير الشأن العام. ويفسر هذا الأمر المساندة التي كان يلقاها من طرف القبائل، كلما اضطر المخزن إلى إعادة بيعته، كما حصل في بيعته الثانية خلفاً لأخيه مولاي علي، والثالثة خلفاً لأخيه مولاي محمد بن عربية.
وقد عبر محمد بن الطيب القادري عن ذلك في مناسبتين، الأولى بمناسبة حديثه عن بيعة مولاي عبد الله الثانية، في أعقاب إطاحة العبيد والأوداية بمولاي علي سنة 1148 هـ/ 1735 م، فقال بأن المغرب انقسم إلى فرقتين: »... فرقة فرحت غاية الفرح... «، لأن الأحكام لم تمض »... لمولاي علي دون أمر العبيد... وهذه الفرقة هي الشرفاء والمرابطون والطلبة والفقراء الضعفاء الذين لم تلزمهم وظيفة المغارم«([52]). أما المناسبة الثانية التي عبر فيها القادري عن فرح المرابطين، وأمثالهم، بعودة مولاي عبد الله للحكم، فكانت بمناسبة حديثه عن الإطاحة بحكم مولاي محمد بن عربية([53]).
ويرتبط فرح فئات »المجتمع المدني« بما نالها من الأميرين المطاح بهما من نكبات، حتى قالوا عن مولاي علي بأنه أخرج مقدم الوزانيين، الشيخ عبد الرحمن بن الحسن اليازغي من قبره ودفنه خارج المدينة محتجاً بأن الدفن بين دور السكنى، والبناء على القبور بدعة، وكان دفن بحومة جناح الأمان قرب الزاوية الوزانية([54])، وقالوا بأنه أجلى الشيخ المعطي بن الصالح من زاويته في أبي الجعد([55]). ولذلك كان طبيعياً أن يقابله الصوفية بالكراهية، كما تشير إلى ذلك رواية طريفة كتبها الضعيف بمناسبة حديثه عن يوم خروج أهل فاس للقاء مولاي علي بعد بيعته سنة 1147 هـ، يقول فيها:

... فكان ذلك اليوم الولي الصالح سيدي بودفنا [أو بوفدنا] نفع الله به حاضراَ فلما سمع أهل فاس يقولون: الله ينصر مولاي علي بن مولانا إسماعيل، جعل يبرح فيهم ويقول: الله ينصر اخناثا بنت بكار ويكررها، ثم يقول: الله ينصر عبد الله بن إسماعيل ويكررها... وأهل فاس تسمع والسلطان مولاي علي يسمع، ولا وجد أحد له سبيلا... ([56]).

وكان الأمير مولاي محمد بن عربية أكثر قسوة من أخيه مولاي علي، على أنصار أخيهما مولاي عبد الله. نقول هذا الكلام ولنا عليه حجج، منها قول القادري بأنه أنزل بمرابطي فاس »... من الظلم والجور وضروب الإهانة التي لم تجر عليهم أصلاً، لا من إخوانه، ولا من أبيه... وكذلك غالب أشراف المغرب وفقهائهم وزواياهم«([57]). وكتب الضعيف، من جهته، أن السلطان مولاي محمد بن عربية »قبض... على كثير من الناس، وفرض عليهم الأموال الثقيلة، ونهب ديارهم وأموالهم...، ونكب الشرفاء والعلماء والمرابطين والزوايا، وغيرهم من أهل النسبة، وألزمهم بإغرام الأموال« ([58]). ولما عدد الضعيف وزراء هذا السلطان، علق قائلاً: »... وهم الذين كانوا يهتكون الحرمات، ومسلطون على أهل الزوايا، فكان ذلك دأبهم أيام تلك المدة«([59])، على نحو ما فعل أخوه وعامله على تافيلالت المولى سليمان، الذي كتب عنه صاحب النشر قائلاً: »وأخبر عنه من يثق به من أهل تازا أنه كان قد كسر الحرمات على الزوايا من أهل الجانب الرباني، وأخذهم، ونهب أموالهم، وقتل ...، وكان أظلم من أخيه« مولاي محمد بن عربية([60]). وكتب الناصري، من جهته، ما يشبه ذلك، وقال إن هذا السلطان »تسلط على أهل الزوايا، وكل من ذكر له أنه من أهل اليسار« ([61]). ثم علق قائلاً: »وبالجملة، فقد كانت أيام المولى محمد بن عربية هذا أيام نحس ووبال على المسلمين، وكذا أيام أخيه المولى علي«([62]).
ولا يعني الناصري بذلك تعدد الأحزاب والطوائف وتقاتل أنصارها([63])، وحسب، بل يشير إلى ما حل بالبلاد من يبس، ومجاعة، وطواعين مهلكة، بلغت حدتها في موسم 1149 هـ/ 1150 هـ([64])، ثم في عام 1163 هـ/ 1749 م([65]).
وكان أهم ما ميز هذه الفترة أيضاً تضرر قوة العسكر الإسماعيلي من كثرة المواجهات([66])، وحدوث الانشقاق في صفوفهم([67])، وكذا تضرر الزوايا وغيرها من المؤسسات التي ناصرت تيار الإصلاح([68])، ولا سيما في المناطق التي تمركز حولها الصراع العسكري، وخصوصاً في مكناس وفاس وما والاهما. كما وقعت بينهم وبين مولاي عبد الله، بسبب اختلاف المواقف، أحياناً، بعض الخلافات التي كان يستغلها خصوم هذا الأمير([69]). لكن هواهم، وهوى أمثالهم من الشرفاء والطلبة وعامة الناس وأهل اليسار والجنود الأحرار، وغيرهم، ظل يميل إلى مولاي عبد الله، حتى إذا توفي هذا الأخير، تقدمت جنازته »... جميع طوائف متفقرة فاس، كل طائفة يتداولون أذكارهم المعتادة لهم في ذلك، إلى أن أوصلوه إلى قبره«([70]). ويحظى ضريحه الواقع في فاس الجديد، إلى الآن، بقداسة كبيرة، إلى حد يعتبره البعض ولياً أكثر منه سلطاناً.
ويتيح لنا هذا العرض تسجيل استنتاجين هامين:
ـ الأول منهما مؤداه أن مبادرة الإصلاح جاءت من القصر، بل لقد أدى بعض الأمراء أنفسهم ثمناً في سبيل ذلك، وأن هذا الإصلاح لقي استجابة واسعة من لدن قطاع عريض من المغاربة، وكأنهم إنما كانوا ينتظرون الفرصة المواتية للتعبير عن آرائهم.
ـ أما الاستنتاج الثاني، فمؤداه أن السلاطين الذين تزعموا تلك الحركة الإصلاحية، استندوا في عملهم على المؤسسات المدنية، وفي مقدمتها مؤسسة الزوايا، الأمر الذي جعل طبيعة الإصلاح تأخذ منحى مدنياً ـ دينياً، وجعل للمؤسسة الصوفية مكانة مرموقة في البلاد، من جديد.



([1]) سبق أن أدلى ميشو بلير برأي مهم في هذا الصدد مفاده: »خلو مملكة فاس مع نهاية القرن 18 م من أية زاوية قادرة على إثارة المشاكل للمخزن...«؛ E. Michaux-Bellaire, «Les Derqaoua: de Tanger », Revue du monde musulman, T. 39, juin 1920, p. 100.
([2]) محمد داود، تاريخ تطوان، تطوان، 1395 هـ، قسم 2، م 10، ص. 200.
([3]) راجع: عبد الرحمن بن زيدان، إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، المطبعة الوطنية، الرباط، 1352 هـ، ج 5، صص. 306 ـ 307؛ أحمد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، مطبعة دار الكتاب، البيضاء، ج 7، ص. 120.
([4]) نقل ابن زيدان هذا الكلام عن الزياني، ثم علق عليه قائلاً: »والظاهر أن المترجم لم تكن يده مغلولة إلى عنقه ولا مبسوطة كل البسط كأخيه أبي العباس أحمد الذهبي الذي أفضى به جوده إلى حد التبذير المذموم من اتصف به على لسان الشارع. وقد بلغ جيش عبيد البخاري ومن في حكمهم من الشره ما صير الاقتصاد المحمود في نظرهم شحاً وبخلاً«. (إتحاف أعلام...، مصدر سابق، ج 5، ص. 297).
([5]) المصدر نفسه.
([6]) أحمد الناصري، الاستقصا...، مصدر سابق، ج 7، ص. 120.
([7]) راجع: عبد الرحمن بن زيدان، إتحاف أعلام...، ج 5، صص. 306 ـ 307.
([8]) أحمد الناصري، الاستقصا...، مصدر سابق، ج 7، ص. 120.
([9]) نشر، ج 3، ص. 317.
([10]) المصدر نفسه، ج 3، ص. 316.
([11]) نقصد الحملة التي ترأسها القائد عبد الرحمن مرجينة سنة 1129 هـ/ 1716 م »...على الزاوية الناصرية (في درعة) برسم إخلائها وإجلاء أهلها منها«. وكان شيخها زمنئذ هو موسى بن محمد الكبير، خليفة عمه أحمد الخليفة بن محمد بن ناصر. (راجع: امحمد الخليفتي، الدرة الجليلة في مناقب أحمد الخليفة، دراسة وتحقيق أحمد اعمالك، رسالة جامعية مرقونة، ص. 124).
([12]) م. الخليفتي، الدرة الجليلة...، مصدر سابق، صص. 127 ـ 128.
([13]) م. مرزاق، الشيخ امحمد بن أبي زيان وزاويته بالقنادسة، رسالة جامعية في التاريخ، مرقونة، 1987 ـ 1988 م، خزانة كلية الآداب، الرباط، صص. 235 ـ 236.
([14]) المرجع نفسه، ص, 235 نقلاً عن مخطوط "فتح المنان".
([15]) راجع نص الرسالة كاملة عند: م. مرزاق، الشيخ امحمد...، مرجع سابق، ص. 238. (ونقلها عن مخطوط خاص).
([16]) المرجع نفسه، ص. 235. ولسنا ندري إن كان بعث بتلك الرسائل بعد بيعة مولاي عبد الملك سلطاناً أم لما كان خليفة لوالده في درعة أو في سوس.
([17]) لقد ذكر القادري بأن الناس أحبوا مولاي عبد الملك »... لحزمه وضبطه، وحسن سيرته وسياسته وكثرة عدله في الأحكام، ومحبته للمهادنة بين الناس، وتأمين الطرق، وشجاعته، حسبما شاهدوا ذلك من قبل في حياة أبيه... وأكثرهم فرحاً أهل فاس الإدريسية لأنهم حركوا معه، فكان يحسن لهم، ويواسي ضعفاءهم ويصبرهم على ما ينالونه من الأذى من عمال أبيه، فكانوا يثنون عليه، ويتشيعون له في حياة أبيه وطمعوا بولايته تهدينا للبلاد وتأميناً للعباد«. (نشر، ج 3، ص. 298).
وظهر صدى ذلك في شهادات كثير من المؤرخين، مغاربة وأجانب. وهكذا كتب أبو محمد عبد السلام القادري في حقه بأنه: »إمام عادل شهم سخي ذو ثبات وأصالة في الرأي« (إتحاف أعلام...، ج 5، ص. 297). ووصفه بعض السفراء الأنجليز بقوله: »لهذا الإمام خلق مخالف تماماً لخلق مولاي أحمد الذهبي مقتنعاً زاهداً لا يشرب إلا الماء، وكان متديناً شديد التمسك بشريعة محمد r، وكان من أكثر الجنود بسالة وشجاعة، ولكن من شدة تعصبه للدين أنه كان لا يثير معركة في يوم عيد، ولو كان ذلك ما فيه من الأخطار على المملكة كلها، ويقال إنه تحت ستار الصلاح والتقوى كان جباراً سفاكاً للدماء، وكان أشياعه يرون في ذلك تنفيذاً للعدل الإلاهي«. (إتحاف...، ج 5، ص. 297). أما الناصري، فقد كتب معلقاً على قيام العبيد بعزل مولاي عبد الملك ورد أخيه مولاي أحمد للملك: »لسخائه وبسط يده... «: كذبوا، فإن المولى أبا مروان رحمه الله كان أنسب حالاً بالخلافة من أخيه المولى أحمد لنجدته وحزمه« (الاستقصا، ج 7، ص. 121).
([18]) مثل الظهير الذي خص به أولياء رجراجة (عبد الملك السعيدي، السيف المسلول فيمن أنكر على الرجراجيين صحبة الرسول، طبعة الصويرة، 1405 هـ، صص. 227 ـ 228) وأمغاريي تمصلوحت (P. Pascon, Le Haouz de Marrakech, CURS, Rabat/ CNRS, Paris/ INAV, Rabat, 1983, T. 1, p. 274) وأولاد غيلان (عبد السلام غيلان، لمحات من تاريخ زاوية أولاد غيلان، مطبعة معمورة، القنيطرة، 1987 م، ص. 99) والشيخ عبد المجيد بن علي المنالي الزبادي (محمد اللبار، »قراءة في وثائق جديدة حول مكانة العلماء في الحياة اليومية: نماذج من عصر الدولة العلوية«، ضمن ندوة: الحركة العلمية في عصر الدولة العلوية، منشورات كلية الآداب بوجدة، 1993، ص. 296؛ والشيخ أحمد بن الطاهر الخطاب ولي زاوية آل الخطاب بزرهون (إتحاف...، مرجع سابق، ج 5، ص. 309)، وأولاد أبي زيد بن القاضي (المصدر نفسه، ج 5، ص. 310) وغيرهم.
([19]) أحمد بوكاري، الزاوية الشرقاوية/ زاوية أبي الجعد، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، 1989 م، ج 2، ص. 133.
([20]) ندلي بهذا الحكم العام، استناداً إلى ما سبق من مواقف رجال التصوف. كما أن لنا عليه دليلاً آخر هو عبارة عن رسالة مؤرخة في ربيع الثاني 1140 هـ (26 نونبر ـ 5 دجنبر 1727 م) بعث بها الأمير مولاي عبد الملك لأعيان وأهل توات يخبرهم فيها أن شرفاء وصوفية البلاد وجميع المغاربة بايعوه، وأنه ألغى جميع المغارم سوى الزكاة والعشور. (A. G. P. Martin, Quatre siècles d’histoire marocaine, Ed. Felix, Paris, 1923, pp. 87-88).
([21]) عبد الرحمن بن زيدان، إتحاف...، مصدر سابق، ج 5، ص. 307.
([22]) راجع تفاصيل هذه الأحداث في: المصدر نفسه، ج 5، ص. 307.
([23]) فقد كان هذا الشيخ »... يخرج مع مولاي عبد الملك، لما كان محصوراً بفاس، للقتال، وكان ينادي بالصالحين، ويدعو الله عز وجل باللطف لعباده، فأصابته ثقيلة في صدره وتوفي« (راجع: م. مرزاق، الشيخ امحمد...، مرجع سابق، ص. 237. والنص منقول عن مخطوطة خاصة).
([24]) ممن قتل في هذا الحصار أيضاً الولي المجذوب المرابط أحمد التونسي (سلوة الأنفاس، ج 3، ص. 309) والوالي البهلول عبد المجيد التركي (المصدر نفسه، ج 3، صص, 305 ـ 309)؛ والولي المجذوب السالك العربي بن عيشون الشراط، وكان وزاني الطريق. وقد ذكر القادري أن هذا الأخير قتل خارج أسوار المدينة وأنه منع من الخروج »...أولاً خوفاً عليه، فقال إن لم تتركوني أخرج لتدخلن على أولادكم العبيد، يشير إلى أنه المتصرف من الله في ردهم عن المدينة وأنه افتداهم برقبته« (م. القادري، نشر، ج 3، ص. 315؛ وراجع أيضاً: م. الكتاني، سلوة الأنفاس، ج 3، ص. 308). وفي الإطار نفسه يذكـر أن العبيد جاءهم الأمر ليلة لاقتحام فاس، فبلغ الأمر إلى مولاي الطيب الوزاني بواسطة أحد رجال المخزن الموالـين للمولى أحمد ويدعى صـالح بـن =
= صالح الأوديي، وكان من أصحاب أهل وزان، فسارع مولاي الطيب بإبلاغ الخبر لأهل فاس ليأخذوا حذرهم (م.القادري، نشر، ج 3، ص. 318؛ التقاط الدرر ومستفاد المواعظ والعبر...، تحقيق هاشم العلوي القاسمي، مطبعة دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1397 هـ، ص. 348).
([25]) م. بن الطيب القادري، نشر، ج 3، ص. 302؛ وراجع المصدر نفسه، ج 3، صص. 301 ـ 302؛ الناصري، الاستقصا، ج 7، ص. 121. ويفهم من الكلام السابق أن علماء فاس كان وراء عملية الاتصال بالشيخ الطيب الوزاني، مما يفيد تعاطفهم مع مولاي عبد الملك.
([26]) أحمد الناصري، الاستقصا، ج 7، ص. 121.
([27]) محمد القادري، التقاط...، مصدر سابق، صص. 346 ـ 348؛ وراجع: نشر...، ج 3، صص. 317 ـ 318.
([28]) نشر، ج 3، ص. 318.
([29]) وقد كتب ابن زيدان في هذا الصدد: »لما تحقق عبيد مشرع الرملة بذلك، خافوا سطوته لما يعلمونه من شهامته فأجمعوا أمرهم«، ونهضوا لحربه (إتحاف...، مصدر سابق، ج 5، ص. 307).
([30]) وقد شخص ابن زيدان هذه المؤازرة، كالتالي: »لم يشعر المترجم حتى دهمه العبيد، وكانوا سبعين ألف مقاتل، فجمع أتباعه، ومن كان داخل ديوان العسكر من الأحرار الوافدين عليه، وخرج لقتالهم بظاهر العاصمة المكناسية، وأمر بغلق جميع أبواب المدينة، ومع قلة جيشه إذ كان لم يبلغ عشرة آلاف مقاتل ووفور جيش العبيد فقد قاتلهم قتالاً لم يعهد له مثيل بالبلاد المغربية يقال إنه مات في هذه الواقعة ما يزيد على ثلاثين ألفـاً، وكانت النصرة لمولاي عبد الملك على العبيد، ولكن ـ بكل أسى وأسف ـ أن بعض زوجات والده أمرت بفتح أبواب البلد فامتثل أمرها. ولما فتحت الأبواب، دخل العبيد القصبة المولوية وعمروها ولا علم للمترجم بذلك. ولما اتصل به الخبر، فر إلى فاس«. (إتحاف، مصدر سابق، ج 5، ص. 307).
([31]) تمثل ذلك في إغلاق جيش الودايا الذين بفاس الجديد أبواب البلد في وجه مولاي عبد الملك، ثم اختلاف أهل فاس الإدريسية في نصرته، لما توجه إليهم. (إتحاف...، مصدر سابق، ج 5، ص. 307).
([32]) لقد أشار القادري في خضم روايته لأحداث الصراع سنة 1141 هـ، إلى هذا المعنى، فقال: »أرسل الأوداية (من فاس) صارختهم للعبيد، فجاءوا مسرعين، ومعهم السلطان مولانا أحمد الذهبي ابن إسماعيل... وهم لا يشكون في دخولهم فاس، وعبثهم بأهلها، كما فعوا بمكناسة. ففر أهل سوس الذين جاءوا مع مولاي عبد الملك من سوس، إذ علموا أن لا طاقة لهم بالعبيد الذين جاءوا بمولاي أحمد، فأدرك العبيد البعض من أهل سوس على وادي سبو، فنهبوا لهم كثيراً من أموالهم وبعض العيال... «. (نشر، مصدر سابق، ج 3، ص. 316).
([33]) حدث، في خضم النزاع، اختلاف في وجهات نظر علماء فاس. فبعضهم رأى أنه لا يحل الخروج عن طاعة مولاي عبد الملك، وفي مقدمتهم الشيخ محمد ميارة الصغير، والإمام أبو محمد عبد السلام بناني، والمحرر محمد بن زكري. بينما خالفهم أحمد بن مبارك اللمطي قائلاً بوجوب إخراجه بحجة عدم قدرتهم على مقاومة أخيه. وعلى هذا الرأي اجتمعت في الأخير كلمة أهل فاس (راجع سليمان الحوات، الروضة، مصدر سابق، صص. 231 ـ 232).هكذا يجب أن يفهم موقف الفقيه اللمطي ومن نحا نحوه وليس بكونه موالياً للمولى أحمد، كما اعتقد البعض. (التقاط...، مصدر سابق، ج 2، ص. 393؛ وراجع أيضاً: محمد القادري، نشر، مصدر سابق، ج 3، ص. 320؛ التقاط...، مصدر سابق، ص. 349).
([34]) ولا يعني هذا أن المولى أحمد لم يجد بين الصوفية من ينصره، لكن من نصره منهم كانت مصلحته في ذلك ذاتية. إذ المشهور أن المولى أحمد وجد بعد بيعة منافسه الملجأ في زاوية سعيد أحنصال من أيت عطا، وأنه ظل بها لاجئاً إلى أن أعاد العبيد بيعته يوم عيد الأضحى سنة 1140 هـ؛ بل ذهب القادري إلى القول بأن يوسف بن سعيد أحنصال، شيخ الزاوية الحنصالية، زمنئذ، صحبه القدوم إلى مكناس، على رأس قوات هامة من بربر أيت عطا. (راجع: محمد القادري، نشر، مصدر سابق، ج 3، صص. 301 ـ 302، المؤلف نفسه، التقاط...، مصدر سابق، ص. 346؛ Magali Morsy, « Réflexions sur le discours historique à travers l’examen d’un document sur le Maroc au milieu du XVIII siècle », Revue de l’Occident musulman et de la Méditerranée, N° 20, 2ème semestre, 1975, p. 69).
=
= ونقصد بالمصلحة الذاتية هنا تورط شيخ الزاوية الحنصالية مع أتباعه من قبائل البربر، الذين كانوا يبحثون، من خلال تأييدهم للمولى أحمد، عن الانتقال إلى السهول. وفي هذا الصدد، نشير إلى أن الناصري لمح إلى أمر هام، اعتبره من أسباب فشل حركته، وهو التفريق بين البربر والعبيد، وبين أهل فاس والبربر، وتأليب بعضهم على بعض.( الا ستقصا، مصدر سابق، ج 7، ص. 120). وهذا الأمر إن صح، فهو خطأ استراتيجي. إنما الأكيد أن صلة مولاي أحمد بالعبيد كانت أكثر وضوحاً، من صلة أخيه، وأن تقديم القبائل البربرية والعربية على العبيد عند مولاي عبد الملك كانت أكثر وضوحاً.
([35]) يذكر أن المولى أحمد أهلك رجال الدولة القائمين بأمورها أيام والده، »وكان ذلك منتهى مراد العبيد... « (راجع: الاستقصا، مصدر سابق، ج 7، ص. 117).
([36]) محمد القادري، التقاط الدرر...، مصدر سابق، ص. 350.
([37]) محمد القادري، نشر...، مصدر سابق، ج 4، ص. 212.
([38]) المصدر نفسه، ج 3، ص. 321.
([39]) أحمد الناصري، الاستقصا...، مصدر سابق، ج 7، ص. 125.
([40]) ومما جاء في الديباجة: »الحمد لله الذي جعل العدل صلاحاً للملك والرعية والعباد، كما جعل الجور هلاكاً للحرث والماشية والبلاد، وسدد العادل بعنايته وأعد للجائز ما هو معلوم له يوم المعاد وجعل المقسطين على منابر من نور يوم القيامة كما جعل القاسطين في العذاب والحسرات والأنكاد، فأسعد الملوك يوم القيامة من سلك مع الرعية سبيل السداد وأصلح ما أظهره الجائر من الفساد، نحمده أن تفضل علينا بإمام عادل ونشكره أن حكم فينا من لا يصغي في الحق لقول عادل... « (راجع نص البيعة كاملاً عند: الناصري، الاستقصا...، مصدر سابق، ج 7، صص. 126 ـ 128).
([41]) محمد مرزاق، الشيخ امحمد...، مصدر سابق، صص. 244 ـ 245.
([42]) وصف هذا القائد في الإتحاف بأنه: »كان حسن الأخلاق يوقر الأشراف والعلماء وأبناء الصالحين... إلا أنه كان فظاً غليظاً على التجار لا يقبل منهم عذراً«. (ابن زيدان، ج 4، ص. 403). وهذا القائد هو الذي جدد ضريح الشيخ المجذوب امبارك اعبابو المتوفى عام 1025 هـ/ 1616 م. (سلوة الأنفاس...، مصدر سابق، ج 3، ص. 113).
([43]) راجع نصها الكامل عند: الشيخ امحمد بن أبي زيان مرزاق، مصدر سابق، صص. 309 ـ 311.
([44]) المصدر نفسه، ص. 244.
([45]) أحمد الناصري، الاستقصا...، مصدر سابق، ج 7، ص. 132 ـ 136.
([46]) محمد القادري، نشر...، مصدر سابق، ج 3، ص. 335؛ التقاط...، مصدر سابق، ص. 354.
([47]) هذا، والجدير بالإشارة في موضوع أيت عطا والحنصاليين أن مواجهتهم مع السلطان المولى عبد الله جاءت في أعقاب غزوته لأيت يمور في وادي العبيد لإرغامهم على التزام مواقعهم في الجبال، مما يعني أن الأمر يتعلق بقضية انزياح القبائل نحو السهول، أي أن الاصطدام مع الحنصاليين جاء في أعقاب قيادتهم لأتباعهم في زحفهم نحو سهول تادلا، وضغوطهم على القبائل الفاصلة بين مضاربهم وتلك البسائط. وهذا أمر تؤكده المصادر، ولا سيما مصادر الطائفة الناصرية التي تأثرت زواياها الواقعة في دير تادلا من زحف العطاويين، بتغريمهم لها، كزاوية أيت خليفت وأيت وزود وويزغت. (الدرة الجليلة، مصدر سابق، ص. 268؛ مقدمة الدرة الجليلة، ص. 21). بل يخيل إلينا أن إيواء الحنصاليين ونصرتهم للمولى أحمد في حربه مع أخيه المولى عبد الملك تدخل في هذا السياق أيضاً، وأن تحرك أيت عطا قد تم فعلاً لما كان الأمير المذكور لاجئاً بالزاوية الحنصالية، خصوصاً وأن تحرك أيت عطا يؤرخ لبدايته بعام 1699 م. (م. الخليفتي، الدرة الجليلة...، مصدر سابق، ص. 268؛ عبد الله حمودي، » الانقسامية والتراتب الاجتماعي والسلطة السياسية والقداسة...«، ضمن كتاب: الأنثربولوجيا والتاريخ، ترجمة عبد الواحد الفلق وعبد الأحد السبتي، توبقال، البيضاء، 1981 م، صص. 75 ـ 85). =

= غير أن بعض الباحثين دفعوا في تفسيرهم للتحالف الحنصالي العطاوي إلى أبعد من مجرد إيجاد منتجع في السهل والخروج من سهوب الأطلس التي ظلوا بها محاصرين طيلة العهد الإسماعيلي، فاعتبره بعضهم ثورة شعبية، ومغامرة سياسية (M. Morsy, La Zaouia d’Ahançal..., op.cit., pp. 14-15, 20-23)، وافترض بعضهم الآخر وجود هاجس السيطرة على الحكم (م. ظريف، مؤسسة السلطان...، مصدر سابق، ص. 94) وإحياء المشروع السياسي الدلائي في الأطلس (M. Morsy, op. cit., p. 32 et suiv؛ G. Drague, Esquisse..., p. 210؛ عبد الله حمودي، الانقسامية...، مصدر سابق، صص. 80 ـ 82).
لكن يبدو أن هذا الرأي فيه كثير من المجازفة لأسباب عدة، أولها عدم وجود وحدة في الجبهة البربرية. ويؤكد ذلك مشاركة أيت عتاب، وتحالف أيت إدراسن، مع السلطان المولى عبد الله كغيرها من القبائل التي تعرضت للضغط العطاوي في مواجهة الزاحفين نحو السهل (راجع مثلاً: م. الخليفتي، الدرة...، مصدر سابق، ص. 268؛ M. Morsy, La Zaouia..., op. cit., pp. 10-11؛ ع. حمودي، الانقسامية...، مصدر سابق، ص. 85)؛ كما أن الحضور المخزني كان لا يزال قائماً، ليس في فشتالة وحسب، بل من خلال الحزام البشري المرتبط بالقصبات الإسماعيلية والأرض التي انشروا فيها (أيت الربع)، الأمر الذي استنزف قوات الحنصاليين في الجبل قبل النزول إلى السهل. فالمخزن لم يكن سنة 1144 هـ/ 1731 م، قد فقد كل مقوماته، بل كان لا يزال للعبيد السطوة أمام السلاطين أنفسهم.
([48]) ح. المعداني، الروض اليانع الفائح في مناقب الشيخ أبي عبد الله محمد المدعو الصالح، م. خ. ع، الرباط، رقم 1835 ك، ص. 149.
([49]) محمد القادري، التقاط...، مصدر سابق، ص. 358.
([50]) المصدر نفسه. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الباحثين ذهب إلى القول إن مولاي الطيب الوزاني وقف ضد بيعة المولى عبد الله في أول الأمر، وربط صلة وثيقة بثورة باشا طنجة. أحمد الريفي، ضد هذا السلطان. ومن أجل ذلك، جاء مولاي الطيب إلى طنجة. فكانت فرصة لتأسيس فرع بها لزاويته. (ع. الرحموني عجولو، الزاوية الدرقاوية بطنجة، رسالة جامعية في الدراسات الإسلامية، 1412 هـ، مرقونة بخزانة كلية الآداب بالرباط، ص. 381)؛ إنما الأكيد أن الباشا أحمد الريفي نفسه، ووراءه أهل الريف بشرقه وغربه، بايع المولى عبد الله في أول الأمر، وهو الذي أخضع المناطق الشمالية عام 1143 هـ/ 1731 م، وجعلها تحت طاعة هذا السلطان، ولم تحدث النفرة بينهما إلا عام 1144 هـ أو 1145 هـ/ 1732 م، عندما نكب السلطان وفداً من أصحاب الباشا المذكور. ومن ثم، سيعلن هذا الخير استقلاله بنفسه في بلاد غمارة وطنجة والقصر والفحص وبلاد الريف وما لها إلى حدود كرسيف. (راجع: الاستقصا...، مصدر سابق، ج 7، ص. 134؛ عبد الرحمن الطيبي، المجتمع في منطقة الريف، رسالة جامعية في التاريخ، مرقونة بخزانة كلية الآداب بالرباط، صص. 98 ـ 100، 388).
([51]) راجع عن هذه المعطيات: محمد القادري، نشر...، مصدر سابق، ج 3، ص. 370.
([52]) المصدر نفسه، ج 3، صص. 379 ـ 380. وراجع عن تعسف مولاي علي، والعبيد في أيامه، على الشرفاء، ورفضه شفاعة الأولياء، في المصدر نفسه، صص. 370 ـ 373.
([53]) المصدر نفسه، ج 4، ص. 15.
([54]) المصدر نفسه، ص. 242.
([55]) أ. بوكاري، الزاوية الشرقاوية...، مصدر سابق، ج 2، ص. 144.
([56]) تاريخ الضعيف، ج 1، ص. 209.
([57]) نشر...، مصدر سابق، ج 4، ص. 15؛ راجع أيضاً: س. الحوات، الروضة...، مصدر سابق، ص. 671؛ ع. المراكشي، الإعلام...، مصدر سابق، ج 7، صص. 258 ـ 259.
([58]) تاريخ الضعيف، مصدر سابق، ج 1، ص. 216.
([59]) المصدر نفسه، ص. 224.
([60]) محمد القادري، نشر...، مصدر سابق، ج 3، ص. 407.
([61]) الاستقصا...، مرجع سابق، ج 7، ص. 145.
([62]) المصدر نفسه.
([63]) راجع عن تلك الأحزاب: محمد القادري، نشر...، مصدر سابق، ج 3، صص. 405 ـ 408؛ أحمد الناصري، الاستقصا...، مصدر سابق، ج 7، صص. 151 ـ 154.
([64]) سبق للناصري أن لخصها في حديثه عن سنة 1149 هـ/ 1736 م، حيث يقول: »وفي هذه السنة... قويت الفتن وارتفعت الأسعار وانحبست الأمطار وقاسى الناس الشدائد من الغلاء وقل الإدام وانقطع اللحم وهلكت رقاب كثيرة، ولم يزل الأمر في شدة وفر الناس كل فرار«. (الاستقصا...، مصدر سابق، ج 7، ص. 140), ولما تكلم عن السنة الموالية (1150 هـ)، قال: »وفي هذه السنة هزم جيش الثائرين على مولاي عبد الله يعني العبيد هزيمة عظيمة بعد أن صدر منهم فساد كبير، وذلك على يد البربر، وارتفعت الأسعار جداً وجعل اللصوص يهجمون على الناس في دورهم ليلاً ويقتلونهم وهم يستغيثون فلا يغاثون وبلغ الخوف إلى أبواب الدور المتطرفة بفاس... وكثر الهدم في الدُّور لأخذ خشبها وكثر الخراب وخلت الحارات، فتجد الدرب مشتملاً على عشرين داراً وأكثر وكلها خالية«. (المصدر نفسه، ج 7، ص. 146). ومعلوم أيضاً أن عام 1150 هـ يوافق ما يسمى في المصادر بعام »المجاعة الكبرى« (راجع مثلاً: العباس المراكشي، الإعلام...، مصدر سابق، ج 6، ص. 62). ولم تنفك الأوضاع تزداد تعقيداً، خصوصاً بعد أن حل الوباء بالبلاد سنة 1163 هـ/ 1749 م (المصدر نفسه، ص. 61).
([65]) العباس المراكشي، الإعلام...، مصدر سابق، ج 6، ص. 61.
([66]) كما حدث عام 1150 هـ، استناداً إلى قول الناصري، في حديثه عن وقائع هذه السنة: »وفي هذه السنة هزم جيش الثائرين على مولاي عبد الله يعني العبيد هزيمة عظيمة بعد أن صدر منهم فساد كبير، وذلك على يد البربر«. (أحمد الناصري، الاستقصا...، مصدر سابق، ج 7، ص. 146).
([67]) راجع: محمد القادري، نشر...، مصدر سابق، ج 3، صص. 393 ـ 394.
([68]) المصدر نفسه، ج 4، صص. 240 ـ 244 ـ 251 ـ 262؛ س. الحوات، الروضة...، مصدر سابق، ص. 511؛ الضعيف، تاريخ...، مصدر سابق، ج 1، صص. 246 ـ 254 ــ 284 ـ 285. ومما يذكر في هذا الصدد أن الباشا أحمد الريفي، في حربه لمولاي عبد الله عام 1156 هـ/ 1743 م، وفي طريقه إلى فاس، قضى حوالي شهر من الزمن بوزان محاصراً بالأمطار »... فكانت شرفاء وزان يدفعون له الطعام والعلف والشمع والغنم وغير ذلك... وكان في يوم الصحو يركب لصيد الخنزير، وتأتيه اجبالة باللقاق والرماة والسلاق إلى أن عزم على النهوض من مصمودة، فارتحل، ونهض معه مولاي الطيب ذلك اليوم، ونزل الخميس [ـعوفـ] وفيه بات، وبات معه مولاي الطيب. وفي الغد لما أراد القيام أتوا له بفرسه ليركب عليه، فلما أراد أن يركب قبض له الركاب مولانا الطيب إلى أن ركب«. (تاريخ الضعيف، مصدر سابق، ج 1، ص. 253). فهل كان مولاي الطيب مخلصاً في موقفه، أم خشية جبروت الباشا الريفي؟
نسجل في هذا الصدد أن هذا الشيخ رفض أن يشهد لأحمد بن علي الريفي بأنه شريف، عكس »العلماء من أهل تطوان والفقهاء ومن القصر والعرائش وطنجة وشفشاون... فاغتاظ من ذلك، وبعث لأهل الريف على أن يغيروا على عزبان الشرفاء (الوزانيين) وضيق بهم وبأصحابهم، وكان ينزع لهم الخيل كرهاً وتمادى عليهم وصار يقبض من أصحابهم الخراج«. (تاريخ الضعيف، مصدر سابق، ج 1، ص. 251).
([69]) مما نمثل به في هذا الصدد عن الحاجة إلى الأولياء في هذه الفترة، الدور الذي قام به مولاي الطيب الوزاني. فقد كان هذا الأخير مناصراً للأخوين المولى عبد الملك ثم المولى عبد الله، على غرار أمثاله من شيوخ الزوايا. لكنه تحول إلى نصرة المولى المستضيء، وحليفه الباشا أحمد بن علي الريفي. ومرد هذا التحول إلى سيادة قوات الباشا الريفي في منطقة وزان. لكن لما انهزم الحليفان وظهرت قوات المولى عبد الله بقبيلة بني مزكلدة غير بعيد عن وزان، لم يتردد مولاي الطيب في اللحاق به لتقديم الاعتذار. (تاريخ الضعيف...، مصدر سابق، ج 1، صص. 253 ـ 254؛ تاريخ تطوان، مصدر سابق، م 2، قسم 2، صص. 218 ـ 221 ـ 231؛ G. Drague, Esquiss, op. cit., p. 230).
والأكيد أن مولاي الطيب كان يعلم أن المولى عبد الله في أمس الحاجة لمساعدة الزوايا الوزانية. وصدقت فراسته، حيث سارع المولى عبد الله، بعد اعتذار شيخ زاوية وزان، وبعث »قائده الباشا بوسلهام الغرباوي الحمادي ومعه سبعة من الثيران وذبحها على سادات وزان وصار يعظمهم ويحترمهم«. (المصدر نفسه، ص. 224).
كما وقفنا على مجموعة من الظهائر التي خص بها المولى عبد الله أرباب الزوايا في عصره، والتي تفيد التقدير والاحترام والإنعام، كما فعل مع الشيخ عبد الله بن محمد بن إبراهيم التملي التاسكدلتي وإخوانه، أهل زاويته بتسكدلت في السوس بتاريخ 10 رجب 1150 هـ (نصه في المعسول، ج 6، ص. 164) وآل عبد الله بن سعيد السملالي التهالي، دفين وادي إيمور بالسوس أيضاً (المصدر نفسه، ج 1، صص. 112 ـ 113) والشيخ محمـد بن أحمـد التاكشـوتي، نزيل تاكـوش بأيت صـواب في =
= السوس كذلك، بتاريخ 1154 (المصدر نفسه، ج 8، ص. 75) وأولاد محمد بوسنة ببلاد أحمر (راجع نص الظهير، وهو مؤرخ بعام 1156 هـ، عند محمد ماكامان، مادة» بوسنة«، معلمة المغرب، مجلد 5، ص. 1723)، وآل أمغار في تامصلوحت وحوز مراكش بمقتضى ظهير يعفيهم من الكلف، ويبيح لهم ولأتباعهم التصرف في الزكوات والأعشار، وذلك بتاريخ 20 ذي الحجة 1161 هـ (لدينا نسخة منه)، مثلهم في ذلك مثل إخوانهم في زاوية حصن سايس بدكالة (راجع نص الظهير عند الكانوني، جواهر الكمال في تراجم الرجال، المطبعة العربية، البيضاء، 1356 هـ، ج 1، ص. 130)، وآل أبي محمد صالح بأسفي (لدينا نسخ من الظهائر التي خصهم بها بتاريخ 1146 و1149 و1157 و1168) وأولاد ابن ناجي بعبـدة (نصه عند الكانوني، جواهـر، ج 1، ص. 105) وأولاد ابن يفو بعبدة أيضاً (لدينا نسخة من ظهير مؤرخ في عام 1150 هـ) وأولاد عمرو القسطلي بمراكش (نصه عند: حسن جلاب، »ظهائر علوية لرعاية الزاوية البوعمرية بمراكش«، دعوة الحق، العدد 278، شعبان 1410 هـ/ مارس 1990 م، ص. 242، وهو بتاريخ 18 ذي القعدة 1149) والحموميين بقبيلة بني زروال (البشير الفاسي، قبيلة بني زروال، مطبوعات إفريقيا الشمالية التقنية، الرباط، 1324 هــ، ص. 52).
([70]) محمد القادر، نشر...، مصدر سابق، ج 4، ص. 123.

 

 

التوقيع :
ابناء مولاي ادريس

التعديل الأخير تم بواسطة الشريف إيهاب التركي الشاذلي الإدريسي ; 29-07-2012 الساعة 07:36 PM.
رد مع اقتباس
 

  #2  
قديم 29-07-2012, 09:02 PM
الصورة الرمزية الشريف إيهاب التركي الشاذلي الإدريسي
النقيب العام للسادة الأشراف الأدارسة
 





افتراضي رد: الأزمة في المغرب بعد وفاة السلطان مولاي إسماعيل العلوي.

شكراً لك ابن العم الحبيب على هذا الموضوع وجزاك الله كل خير.

 

 

التوقيع :

مدينة زرهون بالمغرب مرقد جدي
خليفة المسلمين إدريس الأول بن عبدالله الكامل بن الحسن المثنى بن
الحسن السبط بن خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين.
مؤسس الخلافة الإسلامية بالمغرب.

جوال / 00966531607460
رد مع اقتباس
 

  #3  
قديم 04-10-2012, 02:20 AM
الصورة الرمزية عزيز
عزيز عزيز غير متواجد حالياً
كاتب متألق
 




افتراضي رد: الأزمة في المغرب بعد وفاة السلطان مولاي إسماعيل العلوي.

موضوع مفيد عن حقبة مهمة من تاريخ المغرب......شكرا لك ابن العم

 

 

التوقيع :
اسمع صدى صوتك مع ضجه الناس ***كاذب غيابك والصادق احساسي
لئن غبت عن عيني وشط بك النوى *** فأنت بقلبي حاضر وقريـب
خيـالك فـي وهمـي وذكـرك فـي فمـي **** ومثـواك فـي قلبـي فأيـن تغيــب
أبْـكي وَفاءً وإنْ لم تَبْـذُلي صِـلَة ****فَالطّيفُ يُقْنِعُنَا وَالذّكـرُ يَكفِيـنَا
ولاَخَيْر في الدُّنيا إذا أنت لمْ تَََََزُر*** حَبيباً ولم يَطْرَبْ إلَيْكَ حَبيبُ
رد مع اقتباس
 
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ظهير السلطان إسماعيل الذي يخص الولي الصالح سيدي علي بن يحيى الشريف إيهاب التركي الشاذلي الإدريسي مخطوطات إدريسية متنوعة 41 29-05-2016 03:43 PM
رسالة السلطان سيدي محمد بن عبد الله الى نقيب الاشراف مولاي الرشيد الدرقاوي الحسني عبد الخالق البوزيدي أبناء أمير المؤمنين إدريس الثاني بن إدريس الأول. 10 09-01-2014 11:05 PM
عبدالرحمان (راح او رحو) بن مولاى محمد بن السلطان ادريس الازهر بن السلطان ادريس الاكب الادريسى التوبالى 1.فرع مولانا الإمام محمد بن إدريس الثاني 8 15-12-2010 03:30 PM
كتاب: بيوتات فاس الكبرى , تأليف : إسماعيل بن الاحمر الفزازي مخطوطات وكتب أنساب الأشراف الأدارسة 19 25-11-2010 08:31 PM
ظهير السلطان مولاي الحسن الأول لأهل تجاكانت كافة. الشريف إيهاب التركي الشاذلي الإدريسي ظهائر وبطاقات وشهادات وصكوك الأشراف الأدارسة 8 13-03-2010 08:08 AM


الساعة الآن 06:45 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir