تركز رواية الحارث بن عبيد اليماني على دور واضح مولى صالح بن الخليفة من المنصور في نقل إدريس ومولاه راشد إلى المغرب وتربط بين هذه المساعدة وبين قتل واضح وصلبه من قبل الخليفة هارون الرشيد الذي خلف أخاه موسى الهادي, وكذلك بين المنصب الذي كان يشغله واضح هذا والمكافأة التي أعطيت للشماخ بعد تنفيذه لمهمته المزعومة وهي بريد مصر.
على أن كتب الإدارة المصرية لا تذكر تولي واضح للبريد بل تورده والي مصر سنة 162هـ ولا نتصور أن واضح الذي هو من أكثر موالي بني العباس إخلاصاً وأكثرهم نفوذاً في الإدارة العباسية يقبل بتولي ديوان بريد مصر بعد أن كان والياً لمصر بأسرها يضاف إلى ذلك أن ابن تغري بردي يورد سبباً آخر لقتل واضح غير ماذكره اليماني وهو أنه أيد خلاع الرشيد من ولاية العهد وتأخر عن بيعة الخليفة الجديد بعد وفاة موسى الهادي , علاوة على أن كتب الإدارة المصرية , لاتورد ذكراً لتولي الشماخ ديوان البريد.
أما روايات كلاً من الأصبهاني وابن أبي زرع وابن عذاري فلم تذكر (واضح) واكتفى بعضها بإطلاق اسم (صاحب الدار) , أو نعته بأحد موالي بني العباس ولم تشر إلى أنه حمل إدريس وصاحبه على دواب البريد بل تشير إلى أن (صاحب الدار) سير راشد في قافلة مسافرين (رفقة) وذهب هو وإدريس من طريق غامض لاتسلكه الرفاق, وواعده برقة. وتجعل بعض المصادر والي مصر هو الذي ساعدهم على الهرب من المغرب, ويذكر القلقشندي ذلك الشخص بالاسم, وأنه علي بن سليمان الهاشمي الذي ستر عليهما وطلب منهما مغادرة ولايته أما الكندي فيشير إلى مساعدة والي لهما وأنه علي بن سليمان العباسي.
يقول الأصبهاني : (فشكى ذلك استجابة البربر لإدريس إلى يحيى بن خالد, فقال: أن أكفيك أمره ودع سليمان بن جرير الجُزري, وكان من متكلمي الزيدية البترية, ومن أولي الرئاسة فيهم فأرغبه ووعده علي الخليفة بكل ماأحب على أن يحتال لإدرس .. إلخ
كما تأكد مصادر أخرى على دور يحيى بن خالد (وأنه أغرى سليمان بالمال وأنه وعده عن نفسه وعن الخليفة الرشيد بمواعيد عظيمة).
والحق أن دور البرامكة في الإدارة العباسية أيام الرشيد كان عظيماً, فالبرامكة آنذاك كانوا يحيطون بالرشيد وبأيديهم سلطات غير محدودة, لقد كانوا وزراء تفويض ومستشارين للخليفة, ولابُد عند الكتابة عن عصر الرشيد أو أحداث التاريخ العباسي آنذاك من إعطائهم دوراً يتناسب مع مكانتهم في تلك الدولة حتى لو كانت بعض تلك الأحداث مختلقة. لقد غاب عن أذهان أولئك المؤلفين أن البرامكة كانوا من شيعة أهل البيت وإنهم متعاطفون مع العلوين, حتى عُد تعاطفهم مع العلويين من أهم أسباب نكبتهم المشهورة, إذ يجعل بعض المؤرخين إطلاق سراح يحيى بن عبد الله شقيق إدريس السبب المباشر لتلك النكبة فكيف يمكن للمرء إذن أن يتصور والد الفضل_ يحيى بن خالد_ يرسل شخصاً ليقوم باغتيال أحد أئمة العلويين إلا إذا كان بإرساله رجل من بطانته يحول دون قيام الخليفة بإرسال جيش إلى المغرب, وفي نفس الوقت ثقة منه بأن الشماخ لايمكن أن يقدم على اغتيال إمامه, لأن إدريس يعد أهم أئمة الزيدية بحين سليمان يعد من أكبر فقائها ومتكلميها وينسب إليه فرقة السليمانية التي تمثل إحدى فرق الزيدية الإثنتين.
....يتبع
روايات مقتل إدريس بن عبدالله العلوي ودور الخلافة العباسية دراسة نقدية للدكتورعبدالله الزيدان