منقول
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مداخلة الأستاذ عبد الحميد الرايس في ندوة حول موضوع شخصيات وأعلام من الريف
عندما عرض علي الإخوة في جمعية ذاكرة الريف المشاركة في ندوة موضوعها يتمحور حول شخصيات ريفية، أبدينا موافقتنا المبدئية والأولية وعبرنا عن استعدادنا للمساهمة في كل نشاط إشعاعي من شأنه إضاءة جوانب منسية من تاريخنا
نظمت جمعية ذاكرة الريف بمناسبة الذكرى 43 لرحيل الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، ندوة فكرية في موضوع: "شخصيات وأعلام من الريف، شارك فيها الأستاذين، عمر الصابري وعبد الحميد الرايس، وفيما يلي مضامين المداخلة التي تقدم بها الأستاذ عبد الحميد الرايس تحت عنوان
شخصية القاضي عبد الكريم الخطابي
عندما عرض علي الإخوة في جمعية ذاكرة الريف المشاركة في ندوة موضوعها يتمحور حول شخصيات ريفية، أبدينا موافقتنا المبدئية والأولية وعبرنا عن استعدادنا للمساهمة في كل نشاط إشعاعي من شأنه إضاءة جوانب منسية من تاريخنا
أثناء بحثي عن الشخصية التي سأعمل على تقديمها والتعريف بها، ألفيت نفسي أمام العديد من الأسماء والأعلام التي أنجبتها أرض الريف الطاهرة منذ العصور القديمة مرورا بالفتح الإسلامي إلى المرحلتين الحديثة والمعاصرة
وبطبيعة الحال تتوزع وتتعدد هذه الشخصيات بحسب اهتماماتها والأدوار التاريخية التي أنجزتها أو ساهمت فيها، منها شخصيات سياسية أنيطت بها أدوارا محلية وأحيانا وطنية، ومنها أصحاب الطرق الصوفية والشرفاء والفقهاء، ومنها كذلك الكتاب والأدباء، ومنها كذلك الشخصيات التاريخية ذات البعد الجهادي التحرري المقاوم لكل أشكال الغزو الخارجي
وتركيزا على هذا الجانب الأخير، نذكر من بين الشخصيات الجهادية خلال القرن العشرين، على سبيل المثال لا الحصر، الشهداء سيدي محمد أمزيان الريفي والسي محند أعزوز والفقيه السي عبد الكريم الخطابي
وارتباطا بذكرى رحيل المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي الريفي قررت أن أقتصر على التعريف بوالده القاضي عبد الكريم والوقوف على بعض مواقفه ومساهماته السياسية في خدمة الوطن لعلنا نكتشف ونقف على بعض معالم هذه الشخصية الفريدة التي رسمت الخطى والمعالم الأساسية للذي سيعرف لاحقا بالمجاهد محمد بن عبد الكريم
الانتماء العائلي والقبلي
ينتمي عبد الكريم الخطابي إلى مدشر أجدير التابع لقسمة أيت يوسف وعلي التي تكون مع أيث علي إحدي القسمات الخمس لقبيلة أيث ورياغل (التي تتكون من خمسة أخماس). وتتكون أجدير من ثلاثة فروع وهي أيث عرو عيسى - أيث مسعود أيوسف - أيث زاعا. وإلى هذه الأخيرة ينتمي الفقيه عبد الكريم وعائلته. ويعرف البيت العائلي الكبير بلفظة " ذخانت إعبدكريمن" التي جاء أصل تسميتها من تكرار إسم عبد الكريم في سلسلة حبل النسب العائلي
إن أول ما يعترض المهتم بتاريخ المقاومة الريفية وبشخصياتها المحورية دلالة اسم " الخطابي" المضاف إلى الاسم الأصلي كلقب أو " كنية" أو لتعريف إضافي، وهو الذي اشتهر به الفقيه عبد الكريم في البداية، ومن بعده ابنه الأمير محمد بن عبد الكريم
فمنذ أن ذاع صيت المقاومة الريفية في العشرينيات من القرن المنصرم، حتى قام العديد من المهتمين إلى البحث عن أصول هذه الشخصية الكاريزمية وتحديد انتمائها، وتمخض عن ذلك الكثير من الجدال والتساؤل والانقسام في تفسير وفهم جذور هذه التسمية
التفسير الأول: تبناه العديد من الكتاب المغاربة والأجانب، الذين اعتبروا الاسم الإضافي "الخطابي" مشتق من لفظة " أيث خطاب" إحدى أخماس القبيلة الورياغلية، وبذلك فإن المغزى من إيراد الاسم الإضافي هو المزيد من الوضوح في تحديد النسب الانتمائي لإحدى مكونات القبيلة
التفسير الثاني: يربط التسمية بدلالتها الرمزية المرتبطة بالذاكرة والتاريخ الإسلامي، ويعتبر تبني هذه التسمية الإضافية مجرد إضفاء لصفة الشرف والانتماء إلى الخليفة عمر بن الخطاب . وقد روجت السلطات الاستعمارية لهذه الفكرة إبان المقاومة الريفية للاحتلال حتى تظهر شخصية محمد بن عبد الكريم في صورة المدعي المتطاول . وتبنى الباحث الأنتروبولوجي دافيد هارت هذا الطرح معتمدا في ذلك على الرواية الشفوية التي استقاها من مستجوبيه بأيث يوسف وعلي وأيث عبد الله الذين يقولون بأن نسبهم ينتمي إلى عمر بن الخطاب
وأخيرا كرر أحد الباحثين المغاربة رأي أساطين الاستعمار أمثال ليوطي وفسر استعمال عبد الكريم الخطابي لهذا الاسم كمحاولة لتحقيق أغراض سياسية ودعائية
دلالة التسمية وتداولها
قياسا على التسمية التي تطلق على أربعة أخماس من الأخماس الخمسة المكونة لقبيلة أيث ورياغل (إذا استثينا خمس إمرابظن فإن الأخماس الأخرى هي أيث بوعياش، أيث حذيفة، أيث عبد الله، وكل من أيث يوسف وعلي وأيث علي)، فإن تسمية أيث خطاب تحيل بدورها على جد مفترض أصلي، حقيقيا كان أم وهميا، تنتمي إليه العناصر المكونة له
فمن هم أيث خطاب بالتحديد؟
يطلق هذا الاسم على قسمتي أيث يوسف وعلي/ أيث علي المشكلتين لإحدى أخماس القبيلة الورياغلية، ويدرج معها البعض أيضا خمس أيث عبد الله، وليس من المستبعد أن تكون إضافة الخمس الأخير عليهما من قبيل تأكيد مضمون الرواية الشفوية التي تذهب إلى القول بالأصول المشتركة لكل من أيث يوسف وعلي وأيث علي من جهة وأيث عبد الله من جهة أخرى، على اعتبار أنهم إخوة غير أشقاء
بناء على ما تقدم يصبح كل المنتمين إلى المداشر الواقعة في المجال الترابي لقسمتي أيث يوسف وعلي/ أيث علي وحتى أيث عبد الله حسب البعض خطابيين بالضرورة وبقوة الانتماء إلى الجد المشترك، وبالتالي يحق لهم تداول هذه التسمية وتضمينها في وثائقهم للمزيد من الإيضاح والتأكيد على الانتماء المجالي ضمن القبيلة الورياغلية
ونورد الآن نماذج من الوثائق العدلية لها ما يكفي من الأقدمية التاريخية للتأكيد على أصالة هذه التسمية وتغطيتها لأجزاء كبيرة من القبيلة الورياغلية
الحمد لله أباح النكاح وحرم البغي... وبعد فقد تزوج على بركة الله... الشاب أبو عمر بن موسى بن مسعود العمرني الخطابي... مؤرخة في 24 يناير 1747. اشترى علي بن عبد الكريم الحتمي القمراوي الخطابي الورياغلي... مؤرخة في 10 شوال 1213 الموافق 03 شتمبر 1816
اشترى الحاج محمد العربي التجرتي العلوي الخطابي الورياغلي من البائعين... مؤرخة في 01 شعبان الأبرك 1218 الموافق لسنة 1803
مسألة الأصول
أثارت نقطة أصل العائلة الخطابية "إعبد كريمن" نفس الجدال والنقاش الذي أثارته التسمية نظرا لارتباط الأسماء بالأصول، والعكس صحيح
ومن المعلوم أن مسألة تتبع الأصول العرقية والنسبية في مجتمع ريفي تقليدي أمر مستعص على الإحاطة به، وذلك لغياب الوثيقة المكتوبة
ولعل ما يزيد من صعوبة الوقوف والانتهاء إلى تحديد نسبي وتأصيل للانتماء، توالي الهجرات التي شهدها المجتمع الريفي والورياغلي تحديدا، وأيث خطاب على وجه الدقة بدليل نزوح معظمهم من المناطق الجبلية من القبيلة واستقرارهم في المنخفضات. وتشكل هجرة أيث وجدير دليلا قاطعا على هجرة شبه جماعية من المدشر الأصلي "ذاجذيرث" واستقرارهم بمنطقة الساحل القريب من الجزيرة والتي أطلقوا عليها أجدير المزمة تمييزا لها عن كل من أجدير بوقياضن وأجدير تمسمان وأجدير إكزناين
يعود هذا النزوح إلى حوالي 300 سنة، ورغم هذا الانتقال استطاعوا الحفاظ على أنسابهم وتسمياتهم الفرعية بكثير من الدقة والحرص
وإذا كان أفراد جماعة أيث أوجذير يقرون بحكم المعايشة الطويلة والتواتر في الرواية بأن عائلة إعبدكريمن متأصلة وقديمة الانتماء إلى الريف، فإنه بحكم انتماء الشخصية عبد الكريم وابنه محمد بأحداث أصبحت معها مسألة تأصيل الهوية مثار نقاش وجدل
تاريخية هامة فالتهامي الوزاني يقول بأن عائلة بأن عائلة الخطابي تنتمي إلى الخليفة عمر بن الخطاب أي من الحجاز ، وذهب البوعياشي إلى القول بانتسابها إلى أولاد عبد الله ابن الخطاب الشريف الزياني من ذرية ملوك تلمسان وتقدمت بالصحراء... ومن أحفاد عمران بن مولاي إدريس الأصغر الذي خص له سكان بلاد الريف وبادس بعد موت أبيه ، ويورد الأستاذ العربي اللوه على لسان الفقيه السي عبد السلام الدراوي الذي كان صديقا للفقيه عبد الكريم قوله أنه روى عنه أن أصله من وادي درعة، وأنهم من الأشراف ، فيما يذهب الباحث دايفيد هارت إلى أن الجد الأكبر السي عبد الكريم الأول الذي منح اسما للعائلة، كان شريفا إدريسيا من منطقة أيث عرو عيسى من قبيلة اكزناين ، مقابل حميع هذه الآراء التي ترجع أصل العائلة إلى مناطق من داخل المغرب، يذكر البعض الآخر على قدوم العائلة من أصول خارجية عربية قديمة ، وقال محمد أزرقان في مخطوطه بنفس الفكرة أي أن أصله من جزيرة العرب ، وهذا هو الرأي نفسه الذي تردده العائلة الخطابية وتناقلته عبر الأجيال وكما نقله الصحفي الفرنسي روجيه ماتيو على لسان محمد بن عبد الكريم قوله
"... ننتسب إلى السي محمد بن عبد الكريم الريفي .الحجازي الأصل وقد نشأ أجدادي في بلدة ينبع من أعمال الحجاز، غادرت عائلتي موطنها الحجاز وجاءت لتستوطن مراكش في القرن الثالث للهجرة، وأقامت بين أفراد قبيلة بني ورياغل وبذلك تكون البلاد الواقعة بين البحر وتارجيست هي موطننا منذ ألف عام"
المحيط العائلي والأسري
هو الفقيه السي عبد الكريم بن السي موحند بن السي عبد الكريم بن السي أحمد بن الريفي، تعتبر هذه الأسرة من الأسر الريفية القليلة التي توارثت المعرفة جيلا بعد آخر ، وهو ما تؤكده الرواية سواء تلك المتداولة بين أفراد العائلة أو تلك الشائعة في المحيط القبلي. وتدعمه بشكل أو بآخر كلمة السي التي تقترن بجل أسماء أجداد هذه العائلة، والتي تعبر عن العلم والمعرفة. ومما يرسخ هذا القول المهام التي أوكلت إلى أفراد هذه العائلة منذ منتصف القرن التاسع عشر على الأقل
فكان لسي عبد الكريم أخ يدعى السي محمد المنفوشة ذاع صيته كأحد العلماء النبهاء، فرغم حداثة سنه اختاره السلطان الحسن الأول لتعليم أبنائه داخل القصر السلطاني، وتقول الرواية العائلية
"... كان السي موحند لا يشق له غبار في الحفظ والذكاء، فقد حفظ القرآن بيسر وسهولة في منزل والديه، ولا أحد من الأقارب كان يدري أنه يقرأ القرآن لأنه كان يرعى بهائم أبيه، التي يسوقفها في الصباح إلى حيث ترتاع رفقة أقرانه الرعاة، ويحتطب ويعود في العشي إلى بيته ثم يأخذ في استظهار القرآن الكريم رفقة أخيه عبد الكريم الذي كان يتمرد أحيانا لشغفه الكبير باللعب والتسلية، وكان أبوهما يوميا يحرر ربع حزب فيستظهره بصوت منخفض ثم لا يلبث أن يكتفي بإمعان النظر في اللوح، وكلما زاد له والده قدرا من الآيات على القدر المألوف إلا وتلقفه بارتياح إلى أن صار والده السي محند يملأ له لوحه من جهتين فيستظهره ليلا، وفي نفس الوقت يضبط رسم كل كلمة بأوضاعها الكتابية دون أن يفقه لذلك معنى، وهذا النابغة تاقت نفسه لقراءة السبع، فاستظهرها بسهولة، بدأها على والده الذي لم يكن يحفظ إلا روايتين وأضاف إليها العشر بفاس وذلك حينما استقر بها للدراسة والتثقيف في العلوم المتداولة، وذاع صيته فاستدعاه السلطان لتعليم أولاده....إلا أنه ضاق ذرعا بذلك لأنه ألف التقشف في الملبس والمسكن، فهو يسكن في المدرسة كغيره من الطلاب وينام وسيتيقظ وقت شاء، ولم يطق صبرا واحتمالا لحضور سائق بغلة ليركبها إلى القصر والسائس بجانبه، ثم لا ندري ما كان بعد هذه الوضعية، إلى أن أصبح ذات يوم ميتا بدون مرض سابق في فراشه بالمدرسة ولما علم أخوه عبد الكريم بموته توجه إلى فاس زائرا لضريحه، وآخذا لما سلم من أيدي المتسللين..."
إضافة إلى السي محند كان لعبد الكريم عم يدعى السي زيان كان هو الآخر على مستوى كبير من المعرفة والدراية، وعينه المولى الحسن قائدا على أيث يوسف وعلي، وتشهد الوثائق الرسمية بنشاطه وأعماله ، وقد عاصر أحدهما الآخر لفترة وجيزة أي البداية المهنية للقاضي عبد الكريم ونهاية عمر السي زيان
هذه الإشارات السابقة تعمدنا الوقوف عليها للتنصيص والتأكيد على المستوى العلمي لهذه العائلة ولمدى تفتحها ودرايتها لمحيطيها، القبلي القريب وكذا الوطني الذي رسخه انتقال العائلة للعيش في حواضر المغرب
وائل الريفي